
توالت ردود الأفعال في إسرائيل على إعلان 12 دولة أوروبية وغربية بينها بريطانيا، حزمة عقوبات على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. وزير الخارجية جدعون ساعر وصف الخطوة بأنها “قرار سياسي عبثي”، وأعلن سلسلة إجراءات مضادة غير مسبوقة: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، إبعاد ممثلين بريطانيين من مركز التنسيق المدني-العسكري في غزة، ومنع مسؤولين وشخصيات بريطانية من دخول إسرائيل. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ذهب أبعد بالدعوة إلى طرد السفير البريطاني من تل أبيب، فيما اتهم رئيس أحد المجالس الإقليمية للمستوطنات لندن بمعاداة السامية.
لم يكن الموقف الإسرائيلي موحدا في حدته. وصف وزير الخارجية جدعون ساعر الخطوة بأنها “قرار سياسي عبثي”، وأعلن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإبعاد ممثلين بريطانيين من مركز التنسيق المدني-العسكري في غزة، ومنع مسؤولين بريطانيين من دخول إسرائيل. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعا إلى طرد السفير البريطاني.
إلا أن الرئيس إسحق هرتسوغ اعتمد نبرة أهدأ من ساعر وسموتريتش، واكتفى بتحذير الحكومات الأجنبية من توسيع دائرة العقوبات مستقبلا، واصفا ذلك بأنه سيكون خطأ جسيما. في المقابل، انتقد زعيم المعارضة يائير لبيد العقوبات البريطانية، لكنه استغلها لمهاجمة إدارة الحكومة لعلاقاتها مع الدول الغربية، معتبراً أن العزلة المتصاعدة نتيجة مباشرة لفشلها الدبلوماسي لا لموقف مبدئي من الخارج. هذا السجال الداخلي يكتسب حدة إضافية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول، إذ تحاول الحكومة تصوير الضغط الخارجي كمواجهة سيادية، بينما يراه خصومها دليل فشل في إدارة العلاقات الدولية.
الحزمة البريطانية، التي أعلنها وزير الخارجية إد ميليباند في الثامن من سبتمبر بالتوازي مع فرنسا وكندا، لم تقتصر على حظر استيراد سلع المستوطنات، بل شملت من اليوم الأول حظر خدمات كالبناء والتمويل، منع الإعلان عن عقارات في المستوطنات داخل بريطانيا، عقوبات شخصية على مروّجي عنف المستوطنين، وتقييد تراخيص تصدير الأسلحة المرتبطة بالاحتلال – وهو اتساع في النطاق يفسر جزئياً حدة الرد الإسرائيلي، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على التمور والنبيذ، بل طال ما تعتبره إسرائيل مساساً بشرعية وجودها في الضفة.
وجاءت الحزمة في ظل حكومة رئيس الوزراء آندي بورنهام، الذي قدّمها كجزء من “إعادة ضبط” جذرية للعلاقة مع إسرائيل، وليست الأولى من نوعها: ففي حزيران/يونيو، فرضت بريطانيا عقوبات محدودة على ممولي عنف المستوطنين بمشاركة أستراليا ونيوزيلندا.
الأبرز أن الأزمة لم تعد ثنائية بين لندن وتل أبيب. فقد أُثيرت المسألة في اتصال هاتفي بين بورنهام والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط تحذيرات أمريكية، بينها ما صدر عن سفير واشنطن لدى تل أبيب مايك هاكابي، من احتمال مواجهة الشركات البريطانية عواقب في بعض الولايات الأمريكية. إلا أن ما ورد في بيان الخارجية الأمريكية يوحي وكأن واشنطن لا تريد التدخل في هذه القضية، مفضلة ما عبر عنه وزير خارجيتها بضرورة “الحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية“.
تقدّر صحيفة “غلوبس” قيمة التجارة المعرضة للخطر بـ200 إلى 300 مليون دولار سنويا، باعتبار صادرات المستوطنات نحو 2% من صادرات إسرائيل السلعية (تمور، نبيذ، مستحضرات تجميل…).
هذا رقم لا يمثل ضربة كبيرة لاقتصاد قادر على إيجاد أسواق بديلة، لكن “كالكاليست” حذّرت من “أثر مبرد” أوسع، مع احتمال تجنب شركات أوروبية أي تعامل مع شركات إسرائيلية ذات صلة بالمستوطنات، في ظل اختفاء الخط الفاصل داخل سلسلة الإنتاج نفسها، فمنتج قد يكون مصنعا داخل إسرائيل لكنه يحتوي على مواد أولية أو مكونات قادمة من مستوطنة في الضفة الغربية.
ومثال على ذلك قطاع النبيذ، حيث يمكن أن يصبح المنتج محل تدقيق إذا كان العنب المستخدم في إنتاجه آتياً من كروم تقع خارج الخط الأخضر (حدود إسرائيل حتى 1967). وهذا يطرح على الشركات الأوروبية سؤالاً جديداً: هل يكفي التأكد من مكان المصنع، أم يجب التدقيق في كامل سلسلة التوريد؟
وتقول الدول الـ12 إن إجراءاتها جاءت رداً على ما تعتبره تدهوراً سريعاً في الضفة الغربية، خصوصاً تصاعد عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وكذلك طرح عطاءات مشروع E1 الذي ترى هذه الدول أنه يهدد قابلية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
وهنا تكمن أهمية القرار بالنسبة إلى إسرائيل. فالقضية ليست في قيمة صادرات المستوطنات وحدها، بل في احتمال أن تصبح قاعدة “تمييز المستوطنات” نموذجا قابلا للتوسع، ويتحول الإجراء الأوروبي إلى التدقيق في أي صلات مهما كانت بسيطة للشركات الإسرائيلية بالمستوطنات.
