
كتب وجيه فلبرماير
قامت الكنائس المسيحية في مصر بالتوافق بصياغة مجموعة من قوانين الاحوال الشخصية تحت عنوان “مشروع قوانين الاسرة للمسيحيين في مصر” انتهت فيه الطوائف المسيحية الخمس (الأرثوذكسية، الكاثوليكية، الإنجيلية، الروم الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس) من التوقيع على المسودة النهائية للقانون.
جوهر المشروع الذي لعب فيه الدور الرئيسي كل من المتنيح البابا شنودة الثالث والاسقف الانبا بولا ورئيس الطائفة الانجيلية الحالي اندريه زكي ورجل القانون القبطي الارثوذكسي منصف نجيب سليمان هو تدمير اللائحة 38 للاحوال الشخصية ومنع تطبيق القانون المدني للزواج ومزيد من البنود التى تتفق مع الشريعة الاسلامية
يدعي المؤسسين لهذا المشروع انه تم نقاش القوانين نقاش مجتمعي كافي وهم يكذبون بجدارة لان المشروع لم يعرض للنقاش لا على الشعب ولا المتخصصين ولا حتى رجال القانون من المسيحيين الذين درسوا القانون ولا على المحاميين وفقهاء القانون المخضرمين.
رغبة الكنيسة في الهيمنة على قوانين الزواج والطلاق ليس كما يدعون ويزعمون “تطبيق مبادئ الانجيل ووصايا المسيح” ولكن حتى تتسلط طبقة الرهبان على رقاب العباد والاسر المصرية وتضع في يدها المنع والمنح لتصاريح الزواج والطلاق حتى لو كان الثمن هو دمج اكثر من 80 % من الشريعة الاسلامية في قوانين الاحوال الشخصية للمسيحيين.
في الوقت الحالي بدأ المشروع يدخل المرحلة التشريعية حيث وصل الى وزارة العدل المصرية تميهدا لعرضه على مجلس الشعب ثم الاقرار النهائي له، وتحاول الصحافة المصرية والكنيسة الترويج للمشروع وانه يحتوي على حلول جذرية لمشاكل الاحوال الشخصية للاسرة وتعول الكنيسة على مجلس الشعب وتآخره في الاقرار للائحة الجديدة متعللة ان هذا يعطل حياة عشرات الالاف من اصحاب مشاكل الزواج والطلاق، مع ان الحقيقة ان صدور القانون لن يحل مشكلة واحدة من هذه المشاكل، لماذا؟
القانون الجديد للاسرة المسيحية يرفض الطلاق تماما مهما كان السبب الا اذا وقع احد الزوجين في جريمة الزنا (الخيانة الزوجية الجنسية) ويعتبر الزنا هو السبب الوحيد للطلاق مع معاقبة الطرف الزاني بعدم منحه تصريح زواج كنسي من جديد.
ورسخ نص القانون منع بند الطلاق بسبب تغيير الملة (مثلا من ارثوذكسي لبروتستاني) لان هذه البند القانوني تحول الى سلعة تجارية تباع وتشترى لاجل الحصول على الطلاق والتصريح الثاني للزواج.
وتوسعت الكنيسة في مفهوم الزنا الحكمي ليتحول الاسقف او الراهب او الكاهن المسئول الى مايشبه وكيل النيابة الذي يبحث عن ادلة مادية تثبت الزنا حتى لو لم يتم ضبط الزوج الخائن او الزوجة الخائنة في ذات الفعل
والبند الذي تقول الكنيسة انه سيحل مشاكل الطلاق هو بند الهجر الذي كان في لائحة 38 هو من اسباب الطلاق اقتبسه ثنائي الانبا بولا والمستشار منصف نجيب سليمان ووضعوه في قواعد بطلان الزواج، يعنى تم تحويل احد اسباب الطلاق في اللائحة القديمة الى احد اسباب بطلان الزواج وهي الهجر لمدة ثلاث سنوات بدون اطفال او خمس سنوات باطفال.
نسفت القوانين الجديدة بنود التبني في المسيحية والغت قوانين التبني بالكامل واستبدل البند بقوانين الكفالة الاسلامية حسب الشريعة الاسلامية وكذلك لم يعد تغيير الديانة من المسيحية للاسلام بالنسبة للرجل سبب طلاق حسب المادة 50 في القانون بل حسب الشريعة الاسلامية يمكن للزوج المسيحي الذي يتحول للاسلام ان يحتفظ بزوجته المسيحية واولاده والا اذا رفضت الزوجة فعليها رفع قضية خلع حسب الشريعة الاسلامية.
لماذا رفع قضية خلع؟ لان الزواج المسيحي له شقين، الشك المدني والكلمة فيه للقاضي اللى بيكون عادة مسلم والشق الكنسي وهو يعتمد على حكم الرهبان (اساقفة) او الكهنة ولحصول الزوجة المسيحية على الطلاق من القاضي المسلم ليس امامه الا بند الشريعة الاسلامية وهي الخلع وبناء على الخلع يتم تحويل الحاصلة على الخلع الى الكنيسة حيث تقرر منحها تصريح زواج او عدم منحها. بمعنى ان لابد الطلاق او الخلع اولا بالشق المدني في المحكمة ثم بعد ذلك ياتي الطلاق الشق الكنسي في الكنيسة.
مشكلة قوانين الاحوال الشخصية سببها البابا شنودة الثالثة الذي فسر النص الاصلي للانجيل حسب الترجمة الخاطئة للغة العربية وهي نسخة الفاندايك اللبنانية التى يعتمد عليها المصريين منذ 120 سنة تقريبا دون تحديث او تصحيح.
ايضا البابا شنودة كان عدو اي عمل يقوم به العلمانيين من رجال القانون في المجلس المللي لانه يرفض ان يضع العلمانيين قوانين للاقباط وهذا فقط وظيفة الكنيسة الباباوات والاساقفة والرهبان والمجمع المقدس، في نظر البابا ان من يحكم الكنيسة هم الرهبان وليس المجلس المللي.
مع ان اللائحة 38 كانت مقبولة لدى 4 باباوت قبل البابا شنودة وهم البابا يؤانس التاسع والبابا مكاريوس الثالث والبابا يوساب الثاني والبابا العظيم البابا كيرلس السادس ولم يعترض عليها اي من هؤلاء البطاركة.
اللائحة 38 كانت هي الامتداد الطبيعي لقوانين المجموع الصفوي لابن العسال التى كانت تحكم الاقباط اكثر من 7 قرون وتم تحسينها وتحويلها الى قوانين محترمة لاتتعارض ابدا مع القيم المسيحية والانجيل ووضعت 9 اسباب للطلاق منها العنف والضرب للزوجة على سبيل المثال باعتبار ان الزوج العنيف او المدمن هو اسوأ من الزاني.
اكثر من 700 سنة وكانت قوانين ابن العسال في القرن الـ 13 في كتابه “المجموع الصفوي”، هي أسس الأحوال الشخصية التي استقت منها الكنيسة قوانينها. ابن العسال لم يحصر الطلاق في الزنا فقط، بل وضع أسباباً مثل (الجنون، العقم، الأمراض المعدية المنفرة، الخصاء، وحتى سوء السيرة) كأسباب تبيح الزواج الثاني.
ثم جاءت اللائحة 38 وهي كانت في عام 1938 وهي الذروة في “المنطق والعدالة” هذه اللائحة، التي وضعها “المجلس الملي العام بالتعاون مع المجمع المقدس بصبغة قانونية تضمنت 9 أسباب للطلاق، واعتبرت ان الزواج هو عقد بين الزوجين يمكن لاي سبب من هذه الاسباب ان يتم فسخه وانهاؤه لان هناك استحالة للعشرة، اما البابا شنودة أخذ نصاً كان يستهدف “الرجال القساة” الذين يطردون نساءهم، وحوله إلى “سيف” على رقاب النساء والرجال الذين يبحثون عن فرصة ثانية للحياة. وخلط البابا شنودة واتباعه بين مفهوم “الطلاق” ومفهوم “الهجر” في اصل لغة الانجيل
سياق القضية ان النصوص التي يعتمد عليها البابا شنودة: “المسيح كان يتحدث عن اليهود الذين يتركون زوجاتهم معلقات”. هذه الجملة وحدها تهدم جبالاً من “اللاهوت المتشدد” الذي بُني في الخمسين سنة الأخيرة.
نحن هنا امام ازمة الترجمة الخاطئة للمصطلحات فتحولت كلمة هجر الى طلاق في نسخة الترجمة العربية لفاندايك ثم دفع المسيحيات الى طلب الخلع الاسلامي للحصول على الطلاق الشق المدني ثم اجبار الازواج على الاستمرار رغم ان هذا الاجبار او الاكره قد يؤدي الى جرائم بشعة او زنا حقيقي.
تخلت الكنيسة عن شريعة المحبة والرحمة في اللائحة 38 لتستخدم صياغة جديدة ترسخ شريعة الاجبار على الزواج بعقد لم يعد يصلح لتأسيس اسرة سعيدة، طبعا هم (الاكليروس والرهبان) يقولون اننا نلتزم بنص كلام المسيح ولو فتحنا باب الطلاق يبقى حولنا الزواج من كنسي لمدني
القوانين الحالية المعروضة على وزارة العدل ليست “لحفظ الأسرة”، بل هي “لقهر الإنسان” وإجباره على التبعية المطلقة لقرار “رجل الدين” الذي يملك وحده مفاتيح “البطلان” المزعوم.
في نقاط مركزة تكشف عيوب المشروع وتناقضاته مع المنطق والتاريخ:
- الخداع اللغوي (فخ المصطلح):
- الهروب من كلمة “طلاق” (التي تعني إنهاء عقد فشل فعلياً) إلى كلمة “بطلان” (التي تعني أن العقد لم ينعقد أصلاً).
- وضع “الهجر” (حدث لاحق للزواج) تحت بند “البطلان” (عيب سابق للزواج) هو تزوير قانوني يجعل الأحكام عرضة للرفض في القضاء المدني.
- أزمة الترجمة والنشأة النفسية:
- الاستناد لترجمة “فانديك” اللبنانية غير الدقيقة، التي استخدمت كلمة “مطلقة” بينما الأصل اليوناني يعني “مهجورة/معلقة”، مما حول نصاً لحماية المرأة إلى أداة لسجنها.
- تأثير النشأة القاسية واليتم للبابا شنودة على رؤيته التشريعية، حيث نقل “الفكر الرهباني” المتشدد وتقديس “بقاء الهيكل” إلى حياة الأسر، ملغياً مرونة لائحة 38.
- الالتفاف على “لائحة 38”:
- القانون الجديد “سرق” بعض بنود لائحة 38 (مثل الهجر) لكنه شوه تكييفها القانوني ليهرب من الاعتراف بفضل اللائحة التي كانت توفر 9 أسباب عادلة وإنسانية للطلاق.
- الاستسلام في قضية التبني:
- التخلي طواعية عن حق التبني (الموجود في المسيحية ولائحة 38) لإرضاء النظام العام، بينما تم التمسك بالمساواة في الميراث، مما يثبت أن القانون يخضع للمواءمات السياسية لا للمصلحة الرعوية.
- تغيير الدين و”الخلع” القسري:
- القانون الجديد يسد “منافذ الطوارئ” المدنية، مما يدفع الزوجة المسيحية دفعاً للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية (الخلع) للحصول على حريتها، وهو ما يعد فشلاً ذريعاً للقانون المسيحي “الموحد”.
- ازدواجية المعايير في أسباب الطلاق:
- قبول “تغيير الدين” كسبب للتطليق رغم أنه ليس “زنا جسدياً”، مما يثبت أن حصر الطلاق في الزنا هو قرار “إداري/سلطوي” وليس “نصياً إلهياً” لا يمكن المساس به.
- تجهيل الشعب وتكميم الأفواه:
- سياسة “الحظر والمسح” لكل صوت يكشف هذه الثغرات (كما حدث معك)، مما يعكس رعب القائمين على القانون من “المعايير المظبوطة” والحقائق الموثقة (مثل المجموع الصفوي).
الخلاصة: القانون الجديد لا يحل الأزمة بل “يُجمّل” القيد، وهو يكرس لسلطة الإكليروس على حساب كرامة الأسرة وحقوقها المدنية.
