
اجتاحت موجة عارمة من المظاهرات الحاشدة مختلف مدن فرنسا، حيث نزل مئات الآلاف إلى الشوارع تضامنًا مع الحراك الطلابي المستمر منذ الشهر الماضي. وطالب المحتجون بتطوير البنية التحتية للمدارس، وتقليل أعداد الطلاب في الفصول، وتوفير الكوادر التعليمية. غير أن الأحداث تصاعدت لتتحول إلى مواجهات عنيفة واضطرابات واسعة شملت تخريب مدارس واعتقالات مكثفة.
سجل الشارع الفرنسي ظهور شعار غريب وغامض على لافتات الكرتون، تمثل في عبارة “بسم الله، إنه الظلام” (Bismillah, c’est les ténèbres). وتحول الشعار المثير للجدل سريعًا إلى رمز يعكس الفجوة الجيلية العميقة بين الشباب والشرطة. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، أن هذه العبارة أصبحت حديث الساعة، مشيرةً إلى أنها كشفت عمق التوتر والتهميش.
من أين ظهرت العبارة؟
بدأت القصة عبر تطبيق سناب شات من خلال رسائل حاول صاحبها الانضمام لمجموعات تنظيم الاحتجاجات المغلقة. استخدم الحساب العبارة الهجينة “Bismillah, c’est les ténèbres” مع تهديدات بتكسير كل شيء تحت أسماء عربية مستعارة. وتداول المتظاهرون صور الشات بسخرية واسعة، مؤكدين أنها محاولة فاشلة ومكشوفة من رجال الشرطة للتسلل والاندماج بين الصفوف.
وأظهرت المراسلات استخدام حسابات يحمل بعضها أعلام الجزائر ورسائل متكررة، ما أثار شكوك المتظاهرين حول هوية المرسل. وسرعان ما تحول المشهد إلى موجة عارمة من التهكم والنقد عبر منصات التواصل الاجتماعي. ودفع ذلك الشارع لاستخدام الشعار نفسه كسلاح ساخر للرد على محاولات السلطات الأمنية لتطويق تحركاتهم الطلابية الميدانية وإرباك تنظيمهم المستقل.
قالت صابرين خرباش، المتحدثة باسم اتحاد طلابي بارز، إن الشباب استعادوا العبارة ليثبتوا أن محاولات الاختراق لن تمر دون ملاحظة. وأوضحت ساداني سابادي، الطالبة بجامعة بوردو، أن الرسائل كشفت الأحكام المسبقة للشرطة حول هوية المخربين. وفي السياق ذاته، أكدت الطالبة فيدر كيمينير أن الشعار أصبح دعابة وطنية تكشف العنصرية المفضوحة.
من جانبها، أوضحت وزارة الداخلية الفرنسية أن المحققين يملكون صلاحية إنشاء حسابات بأسماء مستعارة لجمع الأدلة والمعلومات، فيما اعتبر المحتجون هذا الأسلوب تجسيدًا صارخًا للتمييز والعنصرية النمطية ضد أبناء المهاجرين والأقليات. وأصبح احتجاجات الطلاب في فرنسا تفضح اختراق السلطات الأمني محور التندر الشعبي والرمز السياسي الأبرز لمواجهة التجسس والتضييق.
عكس الموقف تباعدًا واضحًا بين جيل الشباب والمسؤولين الذين فشلوا في محاكاة أسلوب الحديث المعاصر. ووجد الطلاب في السخرية وسيلة للتعبير عن الرفض السياسي والاستمرار في التنظيم رغم التضييق، وصارت العبارة رمزًا يجسد إصرار الحراك على إيصال صوت الجيل الجديد ورفض محاولات الترهيب أو التشويه الأمنية.
تحول الشعار إلى أداة لعرقلة المساعي الأمنية الهادفة لربط الاحتجاجات بأفعال العنف أو التخريب الفردي، وأظهر المحتجون وعيًا كبيرًا بحقوقهم وقدرتهم على التمييز بين العمل الطلابي والتسلل الأمني. واعتبر كثيرون أن هذه الحادثة كشفت هشاشة أدوات المراقبة القديمة أمام مرونة الشباب ووسائل تواصلهم الرقمية الحديثة.
امتد الشعار الساخر عابرًا الحدود ليصل إلى تظاهرات مشابهة في بلجيكا وألمانيا تضامنًا مع الطلاب. وظهرت الناشطة السويدية جريتا ثونبرج في مقطع فيديو نشر عبر إنستجرام لتردد “Bismillah, c’est les ténèbres”. كما استخدمت حركات تعبيرية خاصة بالجيل الجديد مثل ميم “6-7” الشهير للتأكيد على تضامنها.
ويعيد هذا السلوك الساخر إلى الأذهان حركة “الصراصير” الشهيرة في الهند التي قادها الطلاب للضغط على الحكومة. حيث حَوَّل المتظاهرون إهانة رئيس القضاة الذي وصفهم بالطفيليات والصراصير إلى اسم رسمي لحراكهم، وأثبتت هذه التجارب كيف يحول الشباب الساخر الإهانات ومحاولات اختراق صفوفهم إلى أسلحة رمزية مؤثرة.
