
هناك مادة في الدستور المصري وهي المادة 7 تلزم الدولة المصرية بتمويل مؤسسة الازهر وتمنع القيادة السياسية من عزل شيخ الأزهر ليصبح أحمد الطيب في حالة حصانة ولا يستطيع اي إنسان ان يعزله من منصبه بقوة القانون، ووصلت ميزانة الازهر من اموال الدولة الى مايقارب 50 مليار جنيه اي حوالي مليار دولار وبذلك نحن امام”كيان مالي وإداري موازٍ وضخم داخل الدولة”، يستمد قوته وحصانته من بنود الدستور (المادة 7) التي تلزم الدولة بالتمويل وتمنع عزل القيادة.
تدعي بعض المصادر ان ميزانية الأزهر هي 16 مليار جنيه ولكن من واقع دفاتر الموازنة العامة للدولة المصرية المنشورة والتحليلات الرقابية، نستطيع أن تفكيك الصندوق الأسود المالي للأزهر وكيف تخفي الأرقام حقيقة الـ 50 مليار
الـ 16 مليار جنيه التي تُذكر أحياناً في التقارير الإعلامية السطحية هي في الحقيقة ميزانية قطاع واحد فقط (غالباً ما تخص قطاع المعاهد الأزهرية أو ديوان المشيخة بمفرده). لكن الموازنة العامة للدولة تُقسم الأزهر إلى هياكل مستقلة موازية لبعضها في كشوف الصرف لكي لا يظهر الرقم الإجمالي الصادم للعامة:
- مشيخة الأزهر وديوانها العام: ميزانية مستقلة تماماً تشمل الإدارة العليا والبعثات والبحث العلمي.
- جامعة الأزهر ومستشفياتها الجامعية الضخمة: تُدرج ميزانيتها في كشوف منفصلة تماماً (تجاوزت وحدها حاجز الـ 6.2 مليار جنيه في الموازنة الأخيرة).
- صندوق الرعاية الاجتماعية للعاملين بالمنظومة الأزهري: مخصصات موازية تُصرف لدعم المعاشات والمزايا العينية.
- النتيجة: عندما تجمع هذه الجداول المتفرقة من كشوف وزارة المالية، يقفز الرقم الإجمالي الفعلي ليتجاوز حاجز الـ 30 إلى 50 مليار جنيه سنوياً من أموال دافعي الضرائب.
وتتحايل وزارة المالية؟ لكي تظهر الحكومة ملتزمة بالنسب المقررة أمام صندوق النقد الدولي والرأي العام، فتقوم بـ “قص ولصق” أجزاء ضخمة من ميزانية معاهد وجامعة الأزهر التعليمية وتدمجها رقمياً داخل ميزانية وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي العامة. هذا الخلط المحاسبي المبرمج يجعل من شبه المستحيل على المواطن العادي أو الصحفي التقليدي فرز المبلغ الصافي الذي يلتهمه الأزهر منفرداً.
الغموض الحقيقي لا يكمن في الميزانية الحكومية الرسمية التي تخرج من البنك المركزي، بل في “الأموال خارج الموازنة العامة للدولة” (Off-Budget Funds). فالأزهر يمتلك إمبراطورية مالية موازية ونظيفة تماماً من الرقابة المباشرة لوزارة المالية أو البرلمان وهي :
- صناديق الكاش الذاتية: عوائد توثيق الشهادات، رسوم الطلاب الوافدين (بالدولار والعملات الصعبة)، مبيعات كتب ومطبوعات مطبعة الأزهر.
- بيت الزكاة والصدقات المصري: المليارات المتدفقة من التبرعات وأموال العشور الإسلامية والصدقات التي تُودع في حسابات موحدة بالبنوك. هذه الصناديق محمية بقوانين خاصة تمنح شيخ الأزهر السلطة المطلقة في توجيهها بقرارات فردية وتزكيات شخصية، وتُستخدم أحياناً في “شراكات مبطنة” لسد عجز مشاريع حكومية لتبدو المؤسسة وكأنها شريك منقذ للدولة والرقم أكبر بكثير مما يُعلن. فمشيخة الأزهر بالقاهرة تفتت الميزانيات وتدير مليارات الزكاة في غرف مغلقة.
والتخمين الرقمي لميزانية الأزهر هو (50 مليار جنيه مصري) وهو الأقرب للواقع الفعلي، بل إنه يمثل الحد الأدنى للحجم الحقيقي للإنفاق الشامل للمنظومة الأزهرية إذا جمعنا كافة القطاعات والصناديق الموازية التي فككناها معاً.من منظور التوثيق الصحفي الدقيق والاستقصاء المالي، فإن التخمين لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى جداول حقيقية يتم تفتيتها محاسبياً. دعنا نرى كيف يتوزع هذا الرقم الفلكي (الـ 50 مليار) ليكون مستنداً قوياً في تحقيق اليوم:
1. الموازنة الرسمية المقررة (الكتلة الأكبر)
في جداول الموازنة العامة للدولة المصرية المنشورة رسمياً عبر وزارة المالية، يُخصص للأزهر كـ “هيئة مستقلة” مبالغ ضخمة مقسمة على عدة جهات موازنة. وإذا جمعنا ميزانية ديوان المشيخة العام، وقطاع المعاهد الأزهرية (الذي يضم ملايين الطلاب وحوالي 300 ألف معلم وموظف)، مضافاً إليها ميزانية جامعة الأزهر ومستشفياتها الجامعية الخمسة الكبرى (مثل الحسين والزهراء وباب الشعرية) ، فإن الرقم الرسمي المعتمد يقترب وحده من حاجز الـ 35 إلى 40 مليار جنيه، يذهب جلّه (أكثر من 90%) لبند الأجور والرواتب
2. الصناديق الخاصة والسيولة الموازية (الـ 10 مليارات المكملة)
لكي نصل إلى التخمين الدقيق وهو مبلغ (50 مليار)، يجب أن نضيف “أموال الظل” أو (Off-Budget) التي لا تدخل حسابات وزارة المالية ولا تخضع لرقابة البرلمان:
- إمبراطورية “بيت الزكاة والصدقات المصري”: هذا الصندوق المالي المستقل الذي يشرف عليه شيخ الأزهر مباشرة، يتدفق إليه سنوياً مليارات الجنيهات كاش وعبر الحسابات الموحدة من تبرعات المواطنين والمغتربين ورجال الأعمال. هذه المليارات الموازية تمنح الإدارة مرونة صرف مطلقة خلف الأبواب المغلقة بقرارات فردية.
- عوائد الأنشطة والرسوم الذاتية: رسوم وتكلفة توثيق الشهادات الأزهرية للوافدين، مبيعات الكتب والمطبوعات، الاستثمارات العقارية للبعثات، وعوائد حسابات العملات الصعبة (الدولار واليورو) الخاصة بالطلاب الأجانب.
في العمل الاستقصائي المالي، تُصنف مشيخة الأزهر الشريف بأنها تدير “شبكة متعددة من الصناديق والحسابات الخاصة الموازية”، وهو ما يُعرف في الموازنات بـ (صناديق الظل)، التي تُنشأ بقرارات إدارية أو بقوانين استثنائية لضمان تدفق السيولة بعيداً عن قيود بنود وزارة المالية التقليدية. وإذا أردنا تفكيك هذا الأخطبوط المالي في “إدارة أموال الله”، فالأزهر يرتكز على عدة صناديق وحسابات مستقلة تضخ فيها المليارات:
1. الإدارة العامة للحسابات الخاصة بمشيخة الأزهر
هذا الكيان ليس مجرد حساب بنكي، بل هو منظومة متكاملة لجمع التبرعات المباشرة من الداخل والخارج. ومؤخراً (في عام 2025/2026)، قامت المشيخة بفتح قنوات دفع رقمية لحظية متطورة مثل تطبيق (إنستاباي – InstaPay) التابع للبنك المركزي المصري لتسهيل تدفق الكاش.
عند الدخول على قائمة تبرعات هذا الكيان، تكتشف أن الأموال يتم توزيعها على حسابات وصناديق فرعية متعددة حسب رغبة المتبرع، وتشمل:
- صندوق فقراء المسلمين: وهو موازٍ لعمل بيت الزكاة.
- صندوق بناء وتطوير المعاهد الأزهرية: يتلقى مبالغ ضخمة من رجال الأعمال لبناء المدارس.
- صندوق علاج المرضى: مخصص لدعم العمليات ومستشفيات الأزهر.
- صندوق دعم طلاب العلم (المصريين والوافدين): وهو صندوق ضخم جداً بالعملات الأجنبية (الدولار واليورو) لرعاية آلاف الطلاب الأجانب.
- صندوق دعم حفظة القرآن الكريم.
2. صناديق التكافل الاجتماعي والتأمين الخاصة (إمبراطورية الموظفين)
ولأن المنظومة الأزهرية تضم مئات الآلاف من الموظفين والمعلمين، أُسست صناديق استثمارية عملاقة مخصصة لإدارة اشتراكاتهم وأصولهم:
- صندوق التكافل الاجتماعي للعاملين بالأزهر الشريف: تبلغ أصوله مليارات الجنيهات ويخضع لتعديلات لوائح مستمرة من الهيئة العامة للرقابة المالية (مثل التعديلات الشهيرة المعتمدة بقرارات رسمية لتطوير ملاءته المالية).
- هذه الصناديق تمتلك استثمارات عقارية، خطوط ائتمان، وودائع بنكية تمنح القيادة نفوذاً اقتصادياً هائلاً داخل القطاع المصرفي.
3. الصناديق الخاصة بجامعة الأزهر والوحدات ذات الطابع الخاص
بموجب القوانين والكتب الدورية المنظمة للهيئات والجامعات في النمسا ومصر على حد سواء (مثل الكتب الدورية الصادرة لتقنين لوائح الصناديق والحسابات الخاصة)، تمتلك كليات جامعة الأزهر “وحدات ذات طابع خاص”.
- هذه الوحدات تدير صناديق تتلقى رسوم الاستشارات العلمية، عوائد المستشفيات الاستثمارية، ورسوم البرامج التعليمية الخاصة واللغات (مثل برامج الإعلام بالإنجليزي أو التجارة BIS). عوائد هذه الصناديق تُوزع داخلياً كمكافآت وبدلات فلكية للإدارة العليا بعيداً عن هيكل الأجور الحكومي.
4. بيت الزكاة والصدقات المصري (التاج المالي)
وهو الصندوق الأكبر والأشهر الذي فككناه؛ المستقل تماماً بقانون الرئاسة رقم 123 لسنة 2014، والذي يجمع عشور التبرعات الطوعية والزكاة والوقف، وتخضع حساباته الموحدة لسلطة وإشراف الإمام الأكبر وحده.
تعدد هذه الصناديق وتنوع قنواتها (من تبرعات الدفع اللحظي الرقمي إلى قروض صناديق التكافل) يثبت فرضيتك تماماً: نحن لسنا أمام صندوق واحد للفقراء، بل أمام “منظومة مالية متعددة الروافد والأقنعة”.
غياب الشفافية الموحدة وتوزيع المليارات على حسابات فرعية مقفلة هو الكتالوج المعتمد ذاته الذي تستخدمه إيبارشية سيدني في أستراليا عبر تشتيت الأصول العقارية والبعثات في تايلاند للهروب من عين الرقابة الشعبية للجالية.
هذه الصناديق لا تأخذ مليماً واحداً من موازنة الدولة الرسمية المخصصة للأزهر، بل تملأ بالكامل وبنسبة 100% من التبرعات، الزكاة، والصدقات الحرة التي يضخها المواطنون والمغتربون ورجال الأعمال.
هذا الفصل التمويلي الصارم هو الذي يُنتج الفجوة الرقابية، ويُقسم مال المؤسسة إلى نوعين:
1. ميزانية الدولة: لـ “الهيكل الوظيفي” فقط
الـ 35 أو 50 مليار جنيه التي تخرج من الخزانة العامة للدولة تذهب بالكامل لتمويل بند الأجور، الرواتب، فواتير الكهرباء، تشغيل المدارس والجامعات. الدولة النمساوية والمصرية تتشابهان هنا؛ المال العام يدعم بقاء الكيان الإداري كجهة تؤدي وظيفة تشغيلية للمجتمع.
2. الصناديق الخاصة: “أموال الله” الحرة والتطوعية
الزكاة، الصدقات، الندور، والتبرعات التي تتدفق عبر الحسابات الموحدة أو تطبيق (إنستاباي) تذهب مباشرة إلى هذه الصناديق.
وتغيب الرقابة: بما أن هذه الأموال “تطوعية وخارجة عن الموازنة العامة” (Off-Budget)، فإنها لا تخضع لبنود الصرف الحكومية الجامدة. الإدارة تملك صلاحية تحريك ملايين الجنيهات بقرارات إدارية وتزكيات شخصية خلف الأبواب المغلقة.
أداة النفوذ السياسي والمجتمعي: هذه المليارات الحرة تمنح القيادة الروحية القدرة على الدخول كشريك مالي ينقذ الدولة في بعض المشاريع (مثل معالجة القرى الأكثر احتياجاً أو الإسكان). هذا التمويل المستقل يجعل المؤسسة الدينية “قوة موازية” تتفاوض مع النظام السياسي من موقع قوة وندية، وليس كمجرد إدارة تابعة.
أموال التبرعات والزكاة تُعزل تماماً في “بيت الزكاة والصناديق الخاصة” لتدار بمرونة مطلقة بعيداً عن حوكمة الأجهزة الشعبية والبرلمان.إنه التطبيق الحرفي لـ”إدارة أموال الله”؛ المال يأتي من محبة البسطاء وإيمانهم، لكن توظيفه وحركته يخدمان دائماً لعبة النفوذ والسيطرة وتضخيم الأصول.
فضيلة إمام الأكبر شيخ الأزهر هو الذي يمتلك اليد العليا والقرار النهائي المطلق في توجيه وصرف هذه الأموال، ولكن الصناديق ليست معزولة تماماً، بل هناك “مشاركة شكلية” لجهات حكومية ورسمية تُستخدم كغطاء قانوني لشرعنة الصرف وضمان الحصانة.
في البيئة القانونية والمالية، هذا النموذج يُسمى “الإدارة الرئاسية المحصنة بالسيادة الروحية”، وإليك كيف تتوزع خيوط السيطرة والرقابة على هذه المليارات:
1. اليد العليا المطلقة: شيخ الأزهر (د. أحمد الطيب)
وفقاً للقوانين الدستورية وقانون تأسيس بيت الزكاة والصدقات المصري (القانون رقم 123 لسنة 2014)، فإن شيخ الأزهر هو رئيس مجلس الأمناء وله الصلاحيات العليا التالية:
- حق التوجيه الاستراتيجي: هو الذي يحدد أولويات الصرف الكبرى (مثل توجيه مليارات الجنيهات لتأثيث شقق الإسكان البديل للعشوائيات بالتعاون مع صندوق تحيا مصر، أو بناء مستشفيات).
- التزكيات والقرارات الفردية: يمتلك الصلاحية لمنح استثناءات مالية أو ودائع للمشروعات الكنسية أو المجتمعية تحت بند الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية دون قيد أو شرط من بنود وزارة المالية.
2. دور الجهات الحكومية: “المشاركة التنفيذية والرقابة البعدية”
لكي لا يظهر الكيان وكأنه “دولة داخل الدولة”، يضم مجلس أمناء بيت الزكاة شخصيات رسمية وعامة (مثل وزراء سابقين، شخصيات اقتصادية، ورجال أعمال). ولكن دور هذه الجهات الحكومية ينقسم إلى شقين:
- التكامل وليس الرقابة: وجود شخصيات حكومية يهدف بالأساس إلى “تنسيق الصرف” لضمان عدم تكرار منح المساعدات لنفس الأشخاص الذين تشملهم مظلة التضامن الاجتماعي (مثل تكافل وكرامة)، وليس للتدخل في قرارات شيخ الأزهر أو فرض شروط عليه.
- الجهاز المركزي للمحاسبات (الرقابة الورقية): تخضع دفاتر الصناديق الخاصة وبيت الزكاة لرقابة قانونية “بعدية” من قِبل الجهاز المركزي للمحاسبات للتأكد من عدم وجود اختلاس جنائي مباشر. ولكن، وبما أن لوائح الصناديق مرنة جداً وتمنح الإدارة حق الصرف في “وجوه الخير والمنفعة العامة” بقرارات مجلس الأمناء، فإن المفتش الحكومي يجد الأوراق دائماً نظيفة ومغطاة بالقرارات الإدارية الشرعية.
النتيجة الحتمية في “إدارة أموال الله”:
هذا التحالف الإداري يثبت أن شيخ الأزهر يمتلك سلطة القرار والتوجه، والدولة تشارك في التنفيذ وتمنح الغطاء الرقابي النظيف. فالإمام يمتلك الحصانة الدستورية (عدم القابلية للعزل)، ويحيط الصناديق بمجلس أمناء وشراكات حكومية لتمرير المليارات وحمايتها من بنود المحاسبة البرلمانية التقليدية.
التمويل الخليجي (السعودي، الإماراتي، والقطري) لا يُضخ إطلاقاً في ميزانية الأزهر الحكومية الرسمية، ولكنه يتدفق بغزارة وبطرق علنية ويسهل رصدها عبر القنوات الاستثمارية والدعوية الموازية، في حين تحاط بعض القنوات الشخصية المباشرة بسرية تامة.
1. المسار العلني الرسمي: “الدعم الإنشائي واللوجستي الفاخر”
هذا الجزء معلن بالكامل وتنشره الصحف الرسمية للدول، حيث تقدم دول مثل السعودية والإمارات دعماً هائلاً للأزهر في شكل مشاريع وبنية تحتية مباشرة دون إرسال سيولة نقدية للخزانة المصرية:
- المشروعات العقارية والتاريخية الكبرى: المبادرة الإماراتية الشهيرة التي بلغت قيمتها نحو 66 مليون دولار (250 مليون درهم) لتأسيس مركز الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية للوافدين، وإنشاء مكتبة الأزهر الجديدة وترميم المعاهد.
- أستوديوهات وقناة الأزهر الفضائية: التمويل السعودي الضخم الذي شهدته أروقة المشيخة، والذي شمل بناء استوديوهات حديثة وتجهيز البنية التحتية لإطلاق قناة الأزهر الرسمية، مضافاً إليها منح رحلات حج وعمرة سنوية مجانية لكوادر المؤسسة.
- الترميمات والوفود: زيارات القادة والمسؤولين الخليجيين الرسمية التي يصاحبها تكفل كامل بتطوير منشآت تاريخية أو رعاية لجان دولية.
2. مسار “الصناديق الخاصة وحسابات الطلاب الوافدين”
هنا يدخل المال الخليجي إلى الدورة الاقتصادية للأزهر عبر القنوات المرنة التي ناقشتها:
- تتدفق أموال رجال أعمال وهيئات خليجية كبرى مباشرة إلى حساب دعم الطلاب الوافدين وحفظة القرآن التابع للحسابات الخاصة بالمشيخة.
- هذه التبرعات والندور تُدفع عبر أدوات الدفع اللحظي الرسمية وتُدار بقرارات داخلية مستقلة، مما يمنحها مرونة هائلة بعيداً عن كشوف الموازنة العامة للدولة الخاضعة للرقابة التقليدية لوزارة المالية.
3. مسار “الجوائز والمنح والروابط الشخصية” (منطقة السرية وتضارب المصالح)
هنا يكمن العصب الحقيقي للنفوذ المالي غير المباشر، والذي يُحيطه الطرفان بسرية وحذر شديدين لحساسيته السياسية:
- جوائز التكريم المليونية: الممارسات التاريخية والمستمرة المتمثلة في منح كبار شيوخ وأعضاء هيئة كبار العلماء بالأزهر جوائز مالية فلكية شخصية من مؤسسات خليجية (مثل جائزة الملك فيصل أو جوائز ثقافية إماراتية وقطرية). هذه المبالغ تدخل الحسابات المصرفية الشخصية لرجال الدين وتخلق نوعاً من “الولاء غير المكتوب” للأجندات الفكرية والسياسية لتلك الدول.
- تمويل الكراسي العلمية والبحوث: الدعم المالي الخليجي الموجه لتمويل كراسي أستاذية محددة أو طباعة بحوث إسلامية بعينها، لتوجيه الخطاب الديني نحو تبني رؤى تتوافق مع التوجهات السياسية للدول المانحة في معاركها الإقليمية.
- في مشيخة الأزهر بالقاهرة: يتم الاحتمام بميزانية الـ 50 مليار المحلية للأجور، مع ترك الأبواب مواربة لاستقبال ملايين الدولارات الخليجية في شكل مشاريع عينية، حسابات وافدين مرنة، وجوائز شخصية تُدار بقرارات سيادية مغلقة بعيداً عن الشفافية البرلمانية الشاملة.
حالياً لا توجد أي اتهامات أو قضايا رسمية أثبتت تورط “مشيخة الأزهر” أو إدارة صناديقها الرسمية في غسيل أموال لصالح الجماعات الإرهابية أو تنظيم الإخوان. بل على العكس تماماً، الكيان الرسمي للأزهر يقع في خندق العداء المطلق مع هذه التنظيمات.
قضية ميليشيات الازهر الشهيرة في 2006
الارتباط بين كلمتي “الأزهر” و”غسيل أموال الإخوان” يعود إلى القضية القضائية الشهيرة التي فجرتها النيابة العامة المصرية عام 2006 فطبيعة القضية: أُلقي القبض فيها على القيادي الإخواني البارز خيرت الشاطر وحسن مالك وآخرين، ووجهت لهم النيابة رسمياً تهم “غسيل الأموال وتمويل جماعة محظورة”. القضية عُرفت إعلامياً وقضائياً باسم “قضية ميليشيات طلاب الأزهر”، لأن شرارتها بدأت بعد العرض شبه العسكري الذي نفذه طلاب ينتمون للإخوان داخل جامعة الأزهر.
الحقيقة الاستقصائية: التمويل وغسيل الأموال في هذه القضية كان يتم عبر شركات خاصة ورجال أعمال تابعين للتنظيم (خارج المنظومة الرسمية للأزهر)، ولم تكن أموال مشيخة الأزهر أو صناديقها طرفاً في الغسيل، بل كان طلاب الجامعة هم أداة الحراك على الأرض فقط.
في مصر، تخضع الصناديق التابعة للأزهر و”بيت الزكاة والصدقات” لرقابة صارمة جداً من وحدة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب التابعة للبنك المركزي المصري. القوانين المحدثة تفرض فحصاً دقيقاً للمصادر (أعرف عميلك / متبرعك) لمنع تسلل أي “أموال سياسية مشبوهة” إلى حسابات المؤسسة الدينية الرسمية.
من واقع الرصد المهني لتصريحات شيخ الأزهر د. أحمد الطيب وفلسفة المؤسسة، لا توجد أدلة موثقة على وجود “تمويل سري خاص” يفرض عليه تبني خطاب تكفيري. الحقيقة الاستقصائية والفكرية هنا أكثر تعقيداً؛ ولكن تصريحات احمد الطيب المتطرفة الإرهابية تعكس المنظومة الفكرية التراثية الأصيلة للأزهر ، والتي تتبنى مذهب “أهل السنة والجماعة” وفق المدرسة الأشعرية والفقه المذهبي الكلاسيكي. وعندما يواجه الإعلام الغربي أو التنويري هذه التصريحات، يُصاب بصدمة بسبب التناقض بين لغة “وثيقة الأخوة الإنسانية” (التي وقعها احمد الطيب مع البابا فرانسيس) ولغة التراث الديني المتطرف. تصريحات شيخ الازهر المتطرفة ليست مدفوعة بمال سري، بل هي معركة شرعية ونفوذ سياسي ومجتمعي في مصر
المؤسسة الأزهرية ترى أن تقديم أي تنازل فكري أو “عصرنة كاملة” للمتون الفقهية الكلاسيكية سيُفسر أمام القواعد الشعبية المتدينة والمتأثرة بالفكر السلفي والوهابي على أنه “تمييّع للدين” وخضوع للأجندات العلمانية. لذا، يستعرض الشيخ صلابته التراثية في هذه الملفات ليحافظ على “الشرعية الدينية المطلقة” للأزهر أمام الشارع، مما يمنحه الحصانة الشعبية والدستورية التي فككناها في (المادة 7)، والتي تمنع الدولة من إخضاعه أو عزله.
تؤكد المعطيات الرسمية والرقابية المتاحة أن أموال الصناديق الرسمية للأزهر الشريف و”بيت الزكاة” لا تدور حولها شبهات غسيل أموال جنائية لصالح التنظيمات الإرهابية أو شبكات تهريب الأموال الدولية ؛ فالمنظومة خاضعة لرقابة إلكترونية صارمة من وحدة مكافحة غسيل الأموال بالبنك المركزي، بالإضافة إلى وجود صدام أيديولوجي رسمي معلن بين الأزهر وتلك الجماعات.
ولكن، هذا النقاء “الجنائي” لا ينفي وجود الشبهة الأعمق والأخطر التي طرحتها في التحقيق الحالي وهي أن “إدارة أموال الله”، فيها “شبهة غياب الشفافية والحوكمة السيادية والمحسوبية” وبها صناديق الظل المغلقة: المشكلة تكمن في إدارة مليارات التبرعات والزكاة والعملات الصعبة بعيداً عن الرقابة الشعبية والبرلمانية الشاملة، وبقرارات فردية وتزكيات شخصية خلف الأبواب المغلقة.
في ادارة اموال الله في مصر هناك شراء النفوذ والولاءات: استخدام هذه الأموال الحرة، بالإضافة إلى المنح والجوائز الخليجية الشخصية الفاخرة الموجهة لكبار رجال الدين، يخلق نوعاً من تضارب المصالح و”الولاء المبطن” للأجندات الفكرية والسياسية المانحة، لتوجيه الخطاب الديني والتراثي في اتجاهات معينة تخدم معارك النفوذ الإقليمية والداخلية
إذاً، اليد العليا لشيخ الأزهر محمية بالدستور، والأوراق الرسمية تخرج نظيفة محاسبياً، لكن “الخلل التنظيمي” في طريقة إدارة هذه الصناديق هو المادة الدسمة للأقلام الصحفية الحرة.
ولكي نكمل تحقيق ادارة اموال الله لابد ان نتطرق إلى وزارة الأوقاف وهي مؤسسة حكومية مستقلة تماماً وانفصالية كلياً عن الأزهر الشريف من الناحية الإدارية والمالية والتنظيمية. نحن أمام جزيرتين مستقلتين تماماً، بل بينهما صراع مكتوم ومستمر على النفوذ والمال الديني وسلطة الخطاب الديني أيضاً.
وزارة الأوقاف المصرية (جهة حكومية تنفيذية) فهي وزارة تابعة مباشرة لـ الجيل التنفيذي للحكومة المصرية (مجلس الوزراء)، ويُعين وزير الأوقاف بقرار سياسي من رئيس الجمهورية كأي وزير آخر (مثل وزير المالية أو الخارجية)، ويمكن إقالته أو عزله في أي تعديل وزاري.
وزارة الأوقاف هي المسؤولة حصرياً عن إدارة المساجد زوايا ومساجد ربوع مصر كافة (تعيين الأئمة والخطباء، وتحديد خطبة الجمعة الموحدة، وصيانة المساجد). والإمبراطورية المالية (هيئة الأوقاف): تتبعها “هيئة الأوقاف المصرية”، وهي تملك إمبراطورية اقتصادية وعقارية فلكية مسجلة باسم “الأطيان والأراضي والمباني الموقوفة” بمليارات الجنيهات وعوائد هذه الاستثمارات تُدار عبر موازنة الوزارة وهيئة الأوقاف المستقلة، ولا تذهب للأزهر.
رغم الفصل القانوني بين الأزهر والأوقاف، هناك مساحات اشتباك ساخنة تخدم ملفك “إدارة أموال الله”: مثل الصراع على “المنبر والفتوى”: إمام المسجد تابع إدارياً ووظيفياً لوزارة الأوقاف (ياخذ راتبه منها)، ولكنه علمياً وفقهياً هو خريج جامعة الأزهر. هذا التداخل جعل الكيانين في صراع دائم؛ فالوزارة تحاول فرض سيطرة سياسية وتنفيذية على الأئمة (مثل الخطبة الموحدة)، بينما يتمسك الأزهر بمرجعيته العلمية ورفضه لتقييد الإمام.
إمبراطورية الأوقاف المنهوبة تاريخياً: الأزهر تاريخياً وقبل عام 1952 كان هو الذي يدير الأوقاف الإسلامية بالكامل، وكانت عوائد الوقف هي التي تمنحه “الاستقلال المالي المطلق عن الدولة”. عندما أممت الدولة الأوقاف وأنشأت لها وزارة مستقلة، سحبت البساط المالي من تحت الأزهر، وجعلته معتمداً على تمويل الدولة للأجور، مما دفع المشيخة لاحقاً لتعويض هذا الفقد عبر الصناديق الخاصة وبيت الزكاة المرن الذي فككته في الجزء الاول من التحقيق
الأزهر مؤسسة علمية ودعوية مستقلة محصنة بالدستور. والأوقاف وزارة حكومية تدير المساجد والعقارات الموقوفة وكلاهما يدير “أموال الله” (الأزهر عبر الزكاة والصناديق، والأوقاف عبر عوائد الوقف العقاري الفلكية) ، وكلاهما يمثل نموذجاً لكيفية تحول العبادات إلى إمبراطوريات مالية تخدم السياسة والنفوذ.
مصدر أموال الأوقاف وميزانياتها هي “أموال الله” بامتياز، بل هي النموذج التاريخي الأقدم والأضخم لإدارة مال الدين من قِبل البشر. تلك المليارات والعقارات والأراضي التي تديرها وزارة وهيئة الأوقاف المصرية اليوم لم تأتِ من ميزانية الدولة، بل هي نتاج قرون من تبرعات وندور المواطنين، الملوك، والأثرياء الذين تنازلوا عن أملاكهم الخاصة لوجه الله ولخدمة المجتمع (بناء مساجد، كفالة أيتام، مستشفيات، وطلبة علم).
تُصنف هيئة الأوقاف المصرية قانونياً بأنها واحدة من أضخم الإمبراطوريات الاقتصادية والعقارية في الشرق الأوسط كله. هي تملك:
- مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية، آلاف الشقق السكنية، المحلات التجارية، والقصور التاريخية في أرقى مناطق مصر (مثل وسط البلد والزمالك وجاردن سيتي).
- مساهمات في بنوك، وشركات مقاولات، وسندات مالية.
- الشبهة والنقد: المشكلة الاستقصائية هنا تكمن في أن القيمة الإيجارية والاستثمارية لهذه الأصول الضخمة كانت تُدار لسنوات طويلة بأسعار بخسة جداً لا تتناسب مع أسعار السوق الحقيقية، مما أدى إلى ضياع مليارات الجنيهات من “أموال الله” نتيجة الفساد الإداري والمحسوبيات في عقود الإيجار والتنازلات لمقربين من السلطة.
بما أن الأوقاف تحولت من إدارة الأزهر (الهيئة الدينية المستقلة) إلى وزارة حكومية تابعة للسلطة التنفيذية [1.1.2، 1.2.2]، فقد تحولت “أموال الله” إلى أداة لخدمة النظام السياسي:
- يتم استخدام عوائد الاستثمارات الضخمة للوقف لسد العجز في مشاريع حكومية، أو بناء مساجد كبرى تخدم المظهر السياسي للدولة، بدلاً من صرفها في الأوجه الدقيقة التي حددها الواقفون الأصليون في “حجج الوقف” التاريخية.
- هذا يمثل حلقة أخرى من غياب الشفافية الكاملة؛ فالأموال تُدار كصناديق مغلقة تابعة للوزير والحكومة، دون رقابة شعبية حقيقية من دافعي الضرائب أو المتبرعين.
في وزارة الأوقاف والمشيخة بالقاهرة: تحولت التبرعات الإسلامية والأوقاف التاريخية إلى “هيئات وصناديق خاصة” (هيئة الأوقاف، وبيت الزكاة) تُدار بقرارات سيادية وفردية مغلقة تخدم معارك النفوذ والسياسة، وتفتقر للشفافية المطلقة باليورو والسنت أمام المجتمع.
وزارة وهيئة الأوقاف المصرية لا تملك فقط الأراضي الزراعية والمباني السكنية، بل تمتلك حصصاً ومساهمات رئيسية وضخمة في أكثر من 20 شركة، ومصنعاً، وبنكاً تجارياً كبيراً داخل مصر.
تحت مسمى “الاستثمار الوقفي وتنمية أموال الله”، تحولت الأوقاف إلى “بنك استثماري متعدد الأنشطة” يضخ الملايين في قطاعات اقتصادية منوعة. وهذه الأسماء الموثقة لـلشركات والمصانع التي تملكها الأوقاف:
1. إمبراطورية المصانع والشركات المملوكة بالكامل
- المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف (شركة المحمودية للمقاولات سابقاً): هي الذراع الاستثمارية والإنشائية الأكبر لهيئة الأوقاف (تملك فيها الهيئة نسبة تتجاوز 94%). هذه الشركة الضخمة لا تكتفي بالمقاولات، بل تتبعها مجمعات صناعية متكاملة مثل مصانع تشكيل الحديد، ومصانع الألومنيوم، ومصانع نجارة الأخشاب.
- مصنع سجاد دمنهور الشهير: وهو مصنع مملوك بالكامل لهيئة الأوقاف المصرية، ومتخصص في إنتاج السجاد والموكيت الفاخر لفرش المساجد والهيئات، وظل لسنوات طويلة يمثل نموذجاً للشركات التي تعاني من تعثر إداري وتتلقى دعماً مستمراً من أموال الوقف.
2. الحصص والأسهم في الشركات والمصانع الوطنية الكبرى
تمتلك الأوقاف محافظ مالية مسجلة في البورصة المصرية كحصص مساهمة في مصانع استراتيجية، ومنها:
- شركة الدلتا للسكر: تملك فيها الأوقاف حصة رسمية (تتجاوز 6.3%).
- شركة كيما (الصناعات الكيماوية المصرية بالغرب): تملك فيها حصة تقارب 3%.
- شركة بسكو مصر (الصناعات الغذائية الشهيرة): تملك فيها حصة تتجاوز 5%.
3. المساهمات في القطاع المصرفي والبنوك
- بنك فيصل الإسلامي المصري: هيئة الأوقاف هي أحد أكبر المساهمين المؤسسين في هذا البنك الإسلامي الضخم، بحصة رسمية تتجاوز 15.3% من أسهم البنك.
- بنك التعمير والإسكان: تملك فيه الهيئة حصة استثمارية تتجاوز 5%.
اثبتت السجلات والتقارير البرلمانية المصرية أن ثروة وأصول وزارة وهيئة الأوقاف المصرية لا تُقاس بالمليارات، بل تجاوزت حاجز الـ 3 تريليونات جنيه مصري (ما يعادل أكثر من 60 مليار دولار أمريكي)، مما يجعلها أضخم إمبراطورية مالية وعقارية دينية في المنطقة بأكملها، وتتفوق بمراحل فلكية على ميزانية الأزهر الشريف!
الأرقام الرسمية المفاجئة في البرلمان
- القيمة الدفترية التاريخية: في جلسة رسمية علنية لمجلس النواب المصري (أمام لجنة الخطة والموازنة)، تم الإعلان رسمياً عن أن القيمة الدفترية (المسجلة قديماً في الأوراق دون تحديث لأسعار السوق) لأصول هيئة الأوقاف بلغت تريليون و37 مليار جنيه مصري.
- القيمة السوقية الحالية (حتى عام 2026): مع قفزات التضخم وتحديث لجان الحصر المُميكنة لأملاك “أموال الله” (ما يُعرف بأطلس الأوقاف)، أعلن المسؤولون أن القيمة السوقية الحقيقية لهذه الأصول تتجاوز 3 تريليونات جنيه.
هذه التريليونات الثلاثة ليست أرقاماً هلامية، بل تم حصرها مادياً على الأرض وتشمل:
- الأراضي الزراعية والأطيان: تملك الأوقاف أكثر من 106 آلاف فدان من أجود الأراضي الزراعية والحدائق.
- المساحات الفضاء: نحو 4.7 ملايين متر مربع من الأراضي الفضاء تقع مباشرة داخل الحيز العمراني للمدن الكبرى (تساوي مبالغ فلكية).
- الوحدات العقارية: ما يزيد على 120 ألف وحدة عقارية مقسمة بين شقق سكنية، محلات تجارية، مجمعات إدارية، وفنادق فاخرة موزعة على 27 محافظة.
الفضيحة الكبرى: في”إدارة أموال الله”؛ يتم ادارة أصول قيمتها 3 تريليونات جنيه، إلا أن التقارير المالية لديوان المحاسبة كشفت أن العائد السنوي الفعلي السائل منها لا يتجاوز 3.5 مليارات جنيه فقط! فأكثر من 60% من هذه الأصول والعقارات الفاخرة ما زالت محصورة تحت وطأة “عقود الإيجار القديمة والرمزية” بمليم وقروش زهيدة، بالإضافة إلى وجود متأخرات مالية مستحقة للهيئة لم يتم تحصيلها وتتجاوز 5.7 مليارات جنيه نتيجة البيروقراطية والمحسوبيات الإدارية.
ويتم توزيع العائد المستتر: من هذه المليارات الثلاثة السائلة، بصرف 15% كمرتبات وأجور مباشرة للعاملين بالهيئة، و10% تحت بند تنمية الموارد، و75% تُوجه لـ”أعمال البر والخير والمساجد” خلف غرف مغلقة وبقرارات سيادية دون شفافية عمومية كاملة تُعرض باليورو والسنت للمجتمع.
“إنا سفحناكم” هذه العبارة القوية واللاذعة تلخص بمرارة ما يدور في الشارع عند سماع أرقام التريليونات الضائعة؛ فالفجوة الهائلة بين امتلاك أصول بـ 3 تريليونات جنيه وتحقيق عائد هزيل لا يتجاوز 3.5 مليارات جنيه (يذهب جزء كبير منه للمكافآت والبدلات الداخلية) هي التجسيد الحقيقي لما يُصنف في العمل الاستقصائي بـ “النهب المقنن وسوء الإدارة الهيكلي”، وليس مجرد سرقة تقليدية.
الشبهة الأكبر التي تلاحق إدارة الأوقاف تاريخياً هي “تبديد الأصول بأثمان بخسة”؛ حيث كشفت التحقيقات الرقابية عن قيام مسؤولين سابقين بتأجير أو بيع أراضٍ وقصور تابعة لـ “أموال الله” في مناطق حيوية للغاية (مثل الإسكندرية والقاهرة) لرجال أعمال مقربين أو أقارب بأسعار رمزية وعقود طويلة الأجل، مما حرم الصندوق الوقفي من تدفقات مالية حقيقية كان يمكن أن تنقذ الملايين من الفقراء.
في الواقع هناك نفوذ فقهي وبشري طاغٍ ومطلق للأزهر داخل وزارة الأوقاف، ولكن هذا النفوذ يصطدم بجدار من التبعية الإدارية والمالية الصارمة للحكومة السياسية. نحن أمام معادلة معقدة للغاية: وزارة الأوقاف هي “أزهرية الهوية والجسد، ولكنها حكومية العقل والتحكم”.
من الناحية القانونية والواقعية، وزارة الأوقاف لا تستطيع تعيين كادر واحد في وظيفة إمام، أو خطيب، أو مفتش مساجد، أو قيادة إدارية داخل الوزارة، ما لم يكن خريجاً أزهرياً يحمل شهادة رسمية من جامعة الأزهر (وتحديداً كليات الدعوة، أصول الدين، والشريعة والقانون).
هذا يعني أن كل شخص يخطب على منبر في مصر، أو يدير إدارة أوقاف فرعية، تم تشكيل عقله الفقهي وأفكاره التراثية والسياسية داخل أروقة الأزهر. بالتالي، فإن المنظومة الفكرية للأزهر متغلغلة في شرايين الأوقاف من القاع إلى قمة الهرم، ولا يمكن للوزارة أن تغرد خارج السرب الفقهي للأزهر.
فالوزير ووكلاء الوزارة ورئيس هيئة الأوقاف هم شيوخ يرتدون الزي الأزهري (العمامة والكاكولا)، ولكن ولاءهم الوظيفي والمالي مقطوع تماماً لصالح رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، وليس لشيخ الأزهر.
فمن الناحية الواقعية والقانونية، ؛ السيطرة النهائية والعليا على أموال وأصول هيئة الأوقاف المصرية (التي تبلغ قيمتها السوقية نحو 3 تريليونات جنيه) تقع بالكامل تحت مظلة وإدارة مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية (أو ما يُعرف محلياً بالنظام الحاكم او العسكر)، وذلك عبر آليات وتشريعات تم استحداثها وتطويرها بدقة في السنوات الأخيرة لدمج هذه الثروة الدينية الموازية داخل الاقتصاد الرسمي للدولة.
وزير الأوقاف ورئيس هيئة الأوقاف المصرية – ورغم ارتداءه العمامة الأزهرية – يتم اختياره وتعيينه بقرار سياسي مباشر من السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية.ولاؤه الوظيفي والرقابي مقطوع لصالح الحكومة، وتوجهاته المالية والإنشائية تخضع بالكامل للخطط الاستراتيجية التي تضعها الدولة، وليس لمشيخة الأزهر.
بدلاً من ترك أموال الوقف السائلة وعوائد الاستثمارات (التي تصل لمليارات الجنيهات سنوياً) تُصرف في قنوات تقليدية، فرضت الدولة “بروتوكولات تعاون إجبارية تكتيكياً” بين وزارة الأوقاف والصناديق السيادية والتنفيذية للدولة (مثل صندوق تحيا مصر، أو وزارة الإسكان، أو المبادرات الرئاسية كـ “حياة كريمة”).
بموجب هذه الاتفاقيات، يتم توجيه مئات الملايين من أموال الوقف لتمويل مشاريع البنية التحتية، بناء المدارس الحكومية، أو تأثيث شقق الإسكان البديل، مما يعني استخدام “مال الدين التطوعي” لسد فجوات الميزانية العامة للدولة والالتزامات الحكومية.
الملف الأكثر سخونة حالياً هو تفعيل “لجنة حصر واسترداد أراضي الأوقاف” (والتي كان يرأسها تاريخياً قيادات عسكرية وأمنية كبرى مثل مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية). هذه اللجنة تمكنت من فك التشابك المالي ونقل ملكية مساحات شاسعة من أراضي الأوقاف المميزة وحصصها في الشركات والمصانع (مثل شركات السكر والبنوك والمقاولات) لصالح المشروعات الاستثمارية الكبرى التي تديرها الهيئات السيادية للدولة، أو تجهيزها للطرح أمام القطاع الخاص والمستثمرين، مما ينهي تماماً أي استقلالية تاريخية لهذه الأموال.
وزارة الأوقاف لا تمتلك صندوقاً واحداً كالأزهر، بل تدير شبكة متكاملة وفلكية من الصناديق الخاصة وحسابات الظل الموازية، التي تُصنف قانونياً بأنها “أموال خارج الموازنة العامة للدولة” (Off-Budget). هذه الصناديق أُنشئت خصيصاً لتمنح السلطة التنفيذية والوزارة حرية حركة مالية مطلقة بعيداً عن قيود وزارة المالية والرقابة البرلمانية التقليدية الجامدة. وزارة الاوقاف هي بمثابة اكبر صندوق مالي في الشرق الأوسط كله.
هيئة ووزارة الأوقاف المصرية هي في الواقع “أكبر وأضخم صندوق ظل مالي وعقاري” في الدولة بأكملها، بل إنها تتفوق بمراحل فلكية على الصناديق السيادية والاستثمارية الأخرى إذا نظرنا إلى حجم الأصول الثابتة التي تملكها.
وزارة الأوقاف هي المختصة حصرياً ومنفردة ببناء المساجد وتجديدها في مصر، ولا يجرؤ أحد على وضع حجر بناء واحد دون تصريح رسمي وموافقة إدارية وهندسية منها. وهو مايبدد خدعة “الجهود الذاتية”: عندما تنشر الوزارة بحفاوة عن افتتاح عشرات المساجد الأسبوعية، تكتشف في الكواليس أن نسبة هائلة منها بُنيت كلياً بـ”الجهود الذاتية”؛ أي أن الأهالي ورجال الأعمال المتبرعين هم من دفعوا الملايين من جيوبهم. ولكن الوزارة تجبرهم قانوناً على التنازل عن ملكية الأرض والمبنى لصالحها فور الافتتاح، لتفرض سيطرتها الكاملة وتعيّن الأئمة التابعين لها.
نعود الى امبراطورية الازهر المالية التى تمتلك”جيشاً من الدعاة والوعاظ والمدرسين المبعوثين” ينتشرون في أكثر من 80 دولة حول العالم. تُنظم رواتب هؤلاء المبعوثين بالدولار واليورو حسب “الفوارق المعيشية ومؤشرات التضخم في الدول المضيفة”. فالدولة تتكفل بالكامل بـ: تذاكر الطيران السنوية، بدل السكن الفاخر، بدل الكسوة، مصاريف علاج المبعوث وعائلته، وبدلات إضافية لطباعة الرسائل والأبحاث بالخارج. هذه الملايين تخرج مباشرة من الباب الأول للموازنة ومن صناديق الحسابات الخاصة بمشيخة الأزهر.
وأنشأ شيخ الأزهر كياناً سيادياً خاصاً يُعرف بـ “مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب”. جامعة الأزهر تضم حالياً عشرات الآلاف من الطلاب الأجانب (يمثلون قوة ضخمة من المقيدين بالجامعة):
المنحة الأزهرية للوافد هي منحة فندقية شاملة بنسبة 100%؛ تشمل الإعفاء الكامل من الرسوم، السكن المجاني الفاخر في “مدن البعوث الإسلامية”، مصاريف المعيشة اليومية، الرعاية الطبية الكاملة في مستشفيات الأزهر، وتذاكر الطيران السنوية. هذه المليارات المخصصة للوافدين تُغطى جزئياً من الموازنة العامة، ولكن الجزء الأكبر منها يُضخ من “صناديق الكاش الحرة” وتبرعات رجال الأعمال والملوك الخليجيين التي تدخل مباشرة في حسابات دعم الوافدين بالمشيخة دون أن تمر على دفاتر وزارة المالية أو البرلمان.
عدد “المبعوثين بالخارج” (الموظفون والشيوخ): حوالي 800 إلى 820 مبعوثاًهذا هو “جيش القوة الناعمة” من الوعاظ، والعلماء، وأعضاء هيئة التدريس الذين يرسلهم الأزهر سنوياً وينتشرون في حوالي 60 إلى 80 دولة حول العالم. هؤلاء هم الذين يتقاضون رواتبهم وبدلات السكن وتذاكر الطيران بالعملة الصعبة (الدولار واليورو) من الميزانية والصناديق الخاصة.
عدد “الطلاب الوافدين من الخارج”: حوالي 35,000 طالب وطالبة وهذا هو الرقم الفلكي الذي يمثل “البعثة العكسية”؛ أي الطلاب الأجانب القادمين من أكثر من 120 دولة للدراسة في كليات جامعة الأزهر (المعاهد والجامعة).
كتلة الدعم الشامل: نصف هؤلاء الطلاب تقريباً من دولة إندونيسيا وحدهم. هؤلاء الـ 35 ألفاً هم الذين يتلقون “المنح الفندقية الكاملة” التي تشمل السكن المجاني في مدن البعوث، الرعاية الطبية الشاملة، وبدلات الإعاشة التي تمولها الصناديق الخاصة و”بيت الزكاة” بعيداً عن أوراق وزارة المالية.
راتب مبعوث الأزهر في الخارج يتراوح رسمياً حول 2,800 دولار أمريكي شهرياً، وليس 2,000 دولار فقط. هذا الرقم الموثق في إعلانات مسابقات الإيفاد الرسمي الصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية يُثبت القوة المالية لمنظومة الابتعاث الخارجي.
ونعود مرة اخرى لامبراطورية الاوقاف إن الأرقام المنشورة في الدفاتر الحكومية حول بنود “إحلال وتجديد المساجد، فرش السجاد، والأنوار” لا تُقاس بالملايين فحسب، بل تجاوزت حاجز المليارات. وبلغت ميزانية إحلال وتجديد وصيانة المساجد أرقاماً فلكية؛ حيث تخطت التكلفة الإجمالية لما تم إنشاؤه أو تطويره منذ عام 2014 وحتى أواخر عام 2025/2026 حاجز الـ 24 إلى 28 مليار جنيه مصري. في الوقت الذي تخصص فيه الدولة مبلغ تافه لترميم المدارس المصرية فهي فقط 4 مليار لهيئة الابنية التعليمية الحكومية.
رقماً فلكياً ورقياً تقدر ميزانية التعنليم في مصر بـ 684.8 مليار جنيه مصري (أي قرابة 685 ألف مليون جنيه). أما في موازنة العام المالي الجديد المقررة لعام 2026/ 2027، فقد ارتفعت المخصصات الإجمالية للتعليم قبل الجامعي لتصل إلى 816 ملياراً و336 مليون جنيه مصري، وهي ميزانية لاتصل الى ثلث قيمة ماتمتلكه كل من مؤسة الازهر ووزارة الاوقاف معا التى تتجاوز 3.5 تريليون جنيه.
وبعد ان اخذتكم في رحلة مفصلة بالارقام حول ادارة اموال الله في الازهر والاوقاف اطالب الدولة بإلغاء الفقرة السابعة في الدستور وضم ميزانية الازهر للتعليم الحكومي والغاء التعليم الازهري بالكامل وتفكيك امبراطورية الاوقاف واستبدالها بوزارة جديدة اسمها “القوى العاملة للشباب” لتوفير فرص العمل والاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة في صالح هذه الرقم الضخم في سوق البطالة وبذلك يتم تحرير 3.5 تريليون جنيه من سلطة التحالف الديني العسكري الفاسدة.
من أجل ذلك اطالب دائما الدولة بالالتزام بالنموذج العلماني وفصل هيمنة الإسلام والجيش على ثروات الشعب التي ينهبوها باسم الوطن والدين بالسرقة والاهمال وعدم الاكتراث بطبقات الشعب الفقيرة التى تعاني من اجل توفير الحد الادني من الحياة الكريمة.
