
بعد 14 عامًا من التجوال على سطح المريخ، تواصل المركبة الجوالة “كيوريوسيتي” التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا كشف أسرار جديدة عن الكوكب الأحمر، بعدما رصدت حفرًا صغيرة غير مألوفة أثناء صعودها على المنحدرات الغنية بالكبريتات في جبل شارب داخل فوهة غيل، وفق ما نشره موقع “Science Alert”، الأربعاء 9 سبتمبر 2026.
وأثارت هذه الحفر حيرة العلماء، خاصة أنها تختلف عن التجاويف التي رصدتها المركبة في مناطق أخرى من المريخ، ما دفع الفريق العلمي إلى إجراء فحوص أكثر دقة لمحاولة تحديد كيفية تشكلها، وهو ما تعرضه “شبكة رؤية الإخبارية” في هذا التقرير. عثرت “كيوريوسيتي” على عدد من الحفر الصغيرة أثناء عبورها منطقة “فالي جراند”، وهو وادٍ واسع يشق الطبقات الغنية بالكبريتات في جبل شارب، الذي يقع في قلب فوهة غيل.
وتبدو الحفر على هيئة منخفضات صغيرة وضحلة لكنها واسعة نسبيًا، ولا توجد بالقرب منها حصى أو عُقد معدنية يمكن أن تفسر نشأتها، على عكس بعض التجاويف المشابهة التي رصدها العلماء سابقًا على المريخ.
وعادةً ما تتشكل مثل هذه الفجوات عندما تقاوم الحصى أو التراكيب المعدنية التعرية لفترة أطول من الصخور المحيطة بها، ثم تتآكل وتترك وراءها تجاويف صغيرة، إلا أن هذا التفسير لا ينطبق على الحفر الجديدة التي رصدتها “كيوريوسيتي”.
دفع الاكتشاف الفريق العلمي إلى دراسة المنطقة بصورة أكثر تفصيلًا، حيث استخدمت “كيوريوسيتي” كاميرا التصوير المقربة MAHLI لالتقاط صور دقيقة للحفر، إلى جانب كاميرات “ماستكام” التي التقطت صورًا مجسمة ومتداخلة للمنطقة المحيطة. ويعمل العلماء على دمج هذه الصور لإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد لسطح المنطقة، بما يساعدهم على قياس أبعاد الحفر وأعماقها بدقة، ومحاولة تحديد الآلية التي أدت إلى تشكلها.
تكتسب الحفر أهمية إضافية لأن “كيوريوسيتي” تستكشف حاليًا منطقة جديدة نسبيًا على المريخ، بعدما غادرت في وقت سابق من العام منطقة “بوكس وورك”، وهي تضاريس شبكية تتكون من نتوءات معدنية مقاومة للتآكل، ويعتقد العلماء أنها تشكلت بفعل المياه الجوفية قبل مليارات السنين.
صعودها في جبل شارب، تمر عبر طبقات صخرية غنية بالكبريتات تختلف في تركيبها الكيميائي وملمسها ومقاومتها للتعرية، وهو ما قد يوفر سجلًا جيولوجيًا للتغيرات البيئية التي شهدها المريخ في الماضي.
سجلت “كيوريوسيتي” مؤخرًا محطة مهمة في رحلتها، بعدما تجاوزت ارتفاع 1000 متر فوق نقطة انطلاقها خلال صعودها لجبل شارب، وهو إنجاز احتفل به فريق المهمة في أواخر أغسطس 2026.
ولا يقتصر هدف الصعود على استكشاف المناطق المحيطة، إذ يتيح للعلماء دراسة الطبقات الرسوبية المتراكمة في الجبل، والتي تمثل مراحل مختلفة من التاريخ الجيولوجي للمريخ. ومن خلال تحليل هذه الطبقات، يسعى الباحثون إلى فهم التحولات التي شهدها الكوكب، وكيف انتقل من بيئة كانت تحتوي على المياه إلى عالم جاف كما هو عليه اليوم.
إلى جانب الحفر الغامضة، رصد الباحثون تغيرات في مظهر الطبقات الصخرية المتعاقبة، من بينها طبقات رمادية أكثر خشونة تختلف مقاومتها للتعرية عن الصخور المحيطة. ودفع ذلك العلماء إلى توجيه المركبة لجمع عينات وتحليل تركيبها الكيميائي، بينما لا تزال نتائج هذه التحليلات بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
أما أصل الحفر الجديدة، فلا يزال مجهولًا حتى الآن، إذ قد تكون مرتبطة بعملية تآكل غير معروفة، أو بخصائص فريدة في الصخور، أو بآلية أخرى لم يحددها العلماء بعد. ومن المنتظر أن تساعد البيانات الجديدة التي تجمعها “كيوريوسيتي” في كشف المزيد عن طبيعة هذه الظاهرة وتاريخ المريخ الجيولوجي.
