فرنسا في معركة مفتوحة مع الإسلام السياسي

تواصل فرنسا جهودها تجاه تقويض الإسلام السياسي، ومواجهة نفوذه وتغلغله في المجتمع وعبر المؤسسات التعليمية والمنظمات المدنية، وقد بدأت لجنة الشؤون الأوروبية في الجمعية الوطنية الفرنسية مؤخراً مناقشة مقترح قرار تقدم به نواب حزب “الجمهوريين” يهدف إلى إدراج جماعة الإخوان في القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة للبرلمان في 22 كانون الثاني (يناير).  

ويأتي هذا التحرك الأخير ضمن موقف فرنسي لافت بشأن إعادة التقييم والتصدي لتداعيات الإسلام السياسي على المستويين الأمني والمجتمعي، خصوصًا مع تهديده لقيم “الجمهورية”. ويسعى مقدّمو المقترح إلى الدفع باتجاه تغيير الموقف الأوروبي الرسمي من الجماعة. وقال النائب عن حزب “الجمهوريين” إريك بوجيه، في المذكرة التفسيرية المرفقة بالمقترح: إنّ “جماعة الإخوان المسلمين، رغم عدم تبنّيها العلني لأعمال إرهابية، تسهم في تشكيل بيئة فكرية واجتماعية تُغذي مفهوم العدو الداخلي”، على حدّ تعبيره.

يستند حزب “الجمهوريين” في طرحه إلى تقرير صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية في أيّار (مايو) الماضي، حذّر من تنامي نفوذ الجماعة عبر شبكات وجمعيات وأنشطة ذات طابع ديني واجتماعي. في حين تشير المعطيات إلى أنّ النمسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي أقدمت حتى الآن على حظر الجماعة منذ تموز (يوليو) 2021. وبحسب الإجراءات البرلمانية فإنّ مناقشة المقترح داخل اللجنة لا تحسم مصيره النهائي، إذ سيُدرج تلقائيًا في جدول أعمال الجمعية الوطنية خلال ما يُعرف بـ “النافذة البرلمانية” المخصصة لحزب “الجمهوريين”. واعتبر بوجيه أنّ التصويت داخل اللجنة “سيكشف اتجاهات بقية الكتل السياسية”، لافتًا إلى أنّ دعم حزبي “النهضة والحركة الديمقراطية” قد يضمن اعتماد النص في الجلسة العامة.

يُشار إلى أنّ مقترح القرار يختلف عن مشروعات القوانين الملزمة، فهو يتيح للبرلمان التعبير عن موقف سياسي من دون أن يفرض على الحكومة اتخاذ إجراءات تشريعية أو تنفيذية مباشرة. غير أنّ معهد “سي إس إيه” الفرنسي المختص في قياس اتجاهات الرأي العام، قد أجرى استطلاعًا في نيسان (أبريل) العام الماضي، أوضح أنّ 88% من الفرنسيين يؤيدون حظر تنظيم الإخوان المسلمين في فرنسا، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الدعم الشعبي لاتخاذ إجراءات أكثر تشددًا تجاه الجماعة.

وباتت جماعة الإخوان في فرنسا هدفًا للدوائر الرسمية الأمنية والتشريعية والسياسية بما فيها الأحزاب، الأمر الذي تصاعدت وتيرته وحدّته مع ما كشفه تقرير حكومي وصف الجماعة الأم للإسلام السياسي بأنّها تعتمد على تكتيك الاختراق الهادئ والناعم للمجتمع الفرنسي بهدف تفكيك قيمه وتقويض تماسكه وتجانسه، وذلك من خلال وسائط خفية لا تعتمد العنف المباشر، وإنّما من خلال التغلغل التدريجي مجتمعيًا وبناء قواعدهم التي تحلحل القيم العلمانية، وتُسهم في تصفية مبادئها، ومن ثم تعميم أفكارهم وقيمهم المتشددة. 

وبحسب التقرير الذي أعدّه مسؤولان رفيعا المستوى في الإدارة الفرنسية، وتم عرضه على مجلس الدفاع برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون، فإنّ الخطر الذي تمثله الجماعة “بعيد المدى، لكنّه حقيقي”، لما له من تأثير محتمل على المؤسسات الجمهورية ووحدة المجتمع.

وأشار إلى أنّ الإسلام السياسي في فرنسا ينتشر من القاعدة إلى القمة، خصوصًا عبر الدور المركزي لهم من خلال التوغل والتغلغل في مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية، الأمر الذي يوفر لهم حواضن متعددة بحواملها الفكرية المتشددة. وحذّر التقرير ذاته من أنّ هذا المسار يشكل تهديدًا على المديين القصير والمتوسط، لأنّ جماعة الإخوان تعتمد على بنية تنظيمية راسخة، ويتمدد نفوذها، والحال كذلك، على أساس بنى اجتماعية وأنشطة تتخذ أكثر من طابع سواء كان دعويًا أو خيريًا أو تعليميًا.

وكان وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو قد صرح بأنّ هدف الإسلاموية هو إعادة تشكيل المجتمع الفرنسي على أسس طائفية دينية مؤدلجة. وحدد التقرير منظمة “مسلمو فرنسا”، التي كانت باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (فرع جماعة الإخوان المسلمين)، بأنّها لا تتخذ الطابع العدائي الانفصالي والانعزالي بشكل علني، وإنّما تتبنّى نهجًا هادئًا يستهدف المؤسسات. وقدّر التقرير عدد دور العبادة المرتبطة أو القريبة من هذه الشبكات الإسلاموية بنحو (207) أي ما يعادل 7% من إجمالي دور العبادة الإسلامية في فرنسا.

وأشار إلى أنّ الحركة الإخوانية تشهد تراجعًا في نفوذها داخل العالم العربي، مقابل تركيز متزايد على الساحة الأوروبية. ومن ثمّ دعا التقرير الحكومة الفرنسية إلى اعتماد مقاربة مزدوجة تقوم على رفع الوعي العام بمخاطر الإسلام السياسي، وتعزيز الخطاب العلماني، إلى جانب تقديم إشارات إيجابية للجالية المسلمة، من بينها دعم تعليم اللغة العربية ضمن الإطار الجمهوري.

إذًا، أعاد الجدل المتصاعد في فرنسا حول جماعة الإخوان وقوى الإسلام السياسي إلى الواجهة السؤال الذي يتردد بصفة مستمرة وهو: هل تواجه الجمهورية وغيرها من العواصم في الغرب تهديدًا أمنيًا مباشرًا، أم خطرًا أعمق يتمثل في تفكيك تدريجي لقيمها المدنية والقانونية التي تضمن الحرية والتعدد ودولة القانون، ومنها العلمانية؟ حيث إنّه بعيدًا عن المقاربة الأمنية التقليدية المرتبطة بالعنف والإرهاب، باتت السلطات في باريس تنظر إلى الإسلام السياسي بوصفه “مشروعًا إيديولوجيًا” طويل الأمد، يعتمد التغلغل الناعم في المجتمع والمؤسسات بدلًا من الصدام المباشر مع الدولة، وفق ما يشير الكاتب السياسي المقيم في باريس شيار خليل.

ويقول خليل لـ (حفريات): إنّ عدة تقارير رسمية ودراسات صادرة عن مراكز ودوائر بحثية معنية بالإسلام السياسي وقضايا الأمن تشير إلى أنّ جماعة الإخوان المسلمين لا تنشط في فرنسا بوصفها “تنظيمًا هرميًا معلنًا”، بل عبر شبكة واسعة من الجمعيات والمساجد والمنظمات الثقافية التنموية الخيرية والتعليمية. وتابع: “هذه الشبكة، التي تعمل غالبًا تحت مظلة العمل المدني الدعوي والتنموي الخيري، متهمة بالسعي نحو إعادة تشكيل وعي المسلمين الفرنسيين، خاصة الأجيال الشابة والمراهقين، على أسس تتعارض مع مبادئ العلمانية والمواطنة والأسس المدنية الحديثة التي تمثل دولة القانون.” 

ولا تكمن خطورة هذا النموذج في الدعوة إلى العنف، بل في ترسيح الانفصالية والانعزالية من خلال التأثير على المجال العام بقيم دينية وأفكار متشددة تخلق مجتمعات موازية، بحسب الكاتب السياسي المقيم في باريس، موضحًا أنّ الدولة الفرنسية تدرك أنّ “الإخوان لا يتبنون، في السياق الأوروبي، خطابًا جهاديًا صريحًا، لكنّ ذلك لا يقلل من خطورة مشروعهم. فالمقاربة الإخوانية تقوم على إعادة تعريف الهوية والانتماء، وتقديم الولاء الديني على حساب قيم الجمهورية. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره تهديدًا مباشرًا للتماسك الوطني؛ لأنّه يكرّس الانعزالية الإسلاموية عبر المظلومية والصدام مع المجتمع.” 

وتُحذّر تقارير حكومية من أنّ هذا الخطاب، وإن بدا معتدلًا في ظاهره، يهيّئ “بيئة مواتية للتطرف” لاحقًا، عبر نزع الشرعية عن مؤسسات الدولة، وتشويه مفهوم العلمانية، وفق ما يقول المصدر ذاته، حيث يتم وضع العلمانية في خصومة مع الإسلام، وبدلًا من أن تكون الأولى ضامنًا للتعددية والحرية تصبح هدفًا يتم تفخيخه لأنّها تتعدى على المقدّس.

ويوضح الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي الدكتور سامح مهدي أنّ هناك جملة عوامل اجتماعية واقتصادية تلعب دورًا محوريًا في تمدد نفوذ الإسلام السياسي، خصوصًا في الضواحي المهمشة، مع تفشي البطالة وضعف الخدمات والشعور بالإقصاء. ومن ثمّ تنجح قوى الإسلام السياسي، ومنها الإخوان، في ملء الفراغ الذي تتركه الدولة، عبر تقديم الدعم الرعائي والوصائي الاجتماعي والخدمي في آنٍ واحد، الأمر الذي يتم بالتوازي مع دور إيديولوجي مسيّس، وهو ما يمنحها شرعيةً محليةً وتأثيرًا متزايدًا.

ويشير مهدي في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ الاستدارة الأوروبية تجاه الإسلام السياسي تتزامن مع الشعور بمخاطره في الدائرة الأوروبية، الأمر الذي تفاقم بعد حرب العامين في غزة بين حماس وإسرائيل، وتنامي موقف عدائي ضد الدعم الغربي لإسرائيل، والمطالبة باستهداف المجتمعات اليهودية بوجه خاص، موضحًا أنّه لم يكن الموقف الفرنسي من الإسلام السياسي ثابتًا على الدوام؛ فقبل موجة العمليات الإرهابية منذ 2015، ساد قدر من التساهل، وأحيانًا التغاضي عن نشاط بعض الجمعيات الدينية بحجة احترام الحريات العامة.

لكنّ تراكم الهجمات، وظهور الانعزالية والانفصالية الإسلاموية، دفع الدولة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها. من هنا، يمكن القول إنّه مع تصاعد تهديدات الإسلاموية في فرنسا على النحو الذي يمسّ أمنها القومي ووضعها الاجتماعي والسياسي، اتجهت إلى بناء مقاربة مختلفة أكثر حذرًا وتشددًا بعيدًا عن المرونة التقليدية. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *