
تشهد الساحة الكندية في الأشهر الأخيرة حالة من الجدل المتصاعد حول نشاط جماعة الإخوان المسلمين داخل البلاد، في ظل مطالب سياسية ومدنية متزايدة تدعو الحكومة الفيدرالية إلى إعادة تقييم وضع الفرع الكندي للجماعة من منظور أمني وقانوني. هذا النقاش، الذي امتد من أروقة البرلمان إلى منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، يعكس مخاوف تتعلق بطبيعة الأنشطة التي يمارسها الفرع، وحدود ارتباطه بالتوجهات الدولية للجماعة الأم، وتأثير ذلك على السياسة الداخلية والعلاقات الخارجية لكندا.
تستند هذه المطالب، بحسب الجهات الداعية إليها، إلى قناعة بأنّ الفرع المحلي لا يعمل بمعزل عن الشبكة الدولية للإخوان، وأنّ نشاطه السياسي والاجتماعي قد يتقاطع مع مسارات دعم غير مباشر لكيانات مصنفة إرهابية في مناطق أخرى من العالم. ويرى أصحاب هذا الطرح أنّ السماح باستمرار هذا النشاط دون رقابة مشددة قد يفتح المجال أمام استغلال الأراضي الكندية لتعزيز نفوذ إقليمي عابر للحدود، بما يتعارض مع أولويات الأمن القومي الكندي والتزامات البلاد الدولية في مكافحة تمويل الإرهاب والتطرف.
في هذا السياق برزت تقارير إعلامية تناولت دور منظمات مدنية في دفع هذا الملف إلى واجهة النقاش العام. فقد تقدمت منظمة “بناي بريث كندا” بطلب رسمي إلى الحكومة الفيدرالية للنظر في تصنيف فرع الإخوان المسلمين في كندا منظمة إرهابية.
واستندت المنظمة في مطالبتها إلى ما وصفته بأدلة تربط نشاط الفرع بممارسات تمويلية وسياسية اعتُبرت ذات خطورة محتملة على الأمن القومي، معتبرة أنّ هذه الأنشطة قد تتجاوز الإطار المحلي لتصبّ في مسارات خارجية أكثر اتساعًا.
وترى المنظمة أنّ اتخاذ خطوة من هذا النوع من شأنه تعزيز قدرة السلطات الكندية على حماية مؤسساتها المدنية والأمنية من أيّ محاولات اختراق أو استغلال، فضلًا عن توسيع الأدوات القانونية المتاحة لملاحقة الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بالجماعة. وتؤكد أنّ التصنيف، في حال إقراره، سيبعث رسالة واضحة إلى الأطراف الدولية مفادها أنّ كندا ملتزمة بنهج صارم في التعامل مع الكيانات التي يُشتبه في ارتباطها بأنشطة تهدد الاستقرار الإقليمي أو الدولي.
برزت تقارير إعلامية تناولت دور منظمات مدنية في دفع هذا الملف إلى واجهة النقاش العام. فقد تقدمت منظمة “بناي بريث كندا” بطلب رسمي إلى الحكومة الفيدرالية للنظر في تصنيف فرع الإخوان المسلمين في كندا منظمة إرهابية.
وأكدت المنظمة في رسالة بعثت بها الجمعة الماضية إلى وزير السلامة العامة الكندي غاري أنانداسانغاري أنّ “المجتمعات الديمقراطية لا يمكن أن تستمر، إلّا من خلال وضع حدود صارمة في مواجهة الحركات التي تنظم العنف وتموله وتمنحه الشرعية.”
على المستوى البرلماني، انعكست هذه المطالب في نقاشات متكررة داخل اللجان المختصة بالأمن القومي والهجرة والعلاقات الخارجية. ويشير مراقبون إلى أنّ بعض النواب باتوا يدعون إلى تشديد الرقابة على المنظمات والجمعيات التي يُعتقد بوجود صلات تنظيمية أو مالية لها مع جماعة الإخوان، مع التركيز على مصادر التمويل، وطبيعة الشراكات الدولية، ومسارات التحويلات المالية العابرة للحدود. ويأتي ذلك في إطار مراجعة أوسع للسياسات الكندية المتعلقة بمكافحة التطرف، التي شهدت في السنوات الأخيرة تعديلات تشريعية وتنظيمية لتعزيز الشفافية والرقابة.
في المقابل، يرى فريق آخر من الخبراء القانونيين أنّه لا بدّ من إحداث تغييرات قانونية من أجل تصنيف الفرع الكندي للإخوان منظمة إرهابية، وأن يستند القرار إلى معايير قانونية وأدلة واضحة وقابلة للإثبات أمام القضاء. ويرون أنّ التسرع في اتخاذ قرار من هذا النوع قد يفتح الباب أمام طعون قانونية داخلية، ويثير تساؤلات حول التزام كندا بحماية الحقوق المدنية وحرية التنظيم والتعبير، وهي مبادئ راسخة في النظام القانوني الكندي والمواثيق الدولية التي صادقت عليها أوتاوا. ومن ثم وجب بذل جهد تشريعي لمواجهة الخطر الإخواني الذي يهدد البلاد.
وتشير هذه الآراء إلى أنّ الإطار القانوني الكندي يفرض متطلبات محددة لتصنيف أيّ كيان منظمة إرهابية، من بينها إثبات تورطه المباشر أو غير المباشر في أعمال عنف أو دعم مادي أو لوجستي لكيانات مصنفة، وهو ما يستدعي تحقيقات معمقة وتعاونًا وثيقًا بين الأجهزة الأمنية والقضائية والجهات الدولية.
الضغوط الحالية على الحكومة الفيدرالية لا تقتصر على المطالبة باتخاذ قرار إداري أو قانوني محدد، بل تمثل محاولة أوسع لتوجيه السياسة الكندية نحو التوافق مع نهج دولي آخذ في التبلور في عدد من العواصم الغربية والأمريكية اللاتينية لمواجهة خطر الانفصالية الإخوانية. ويستشهد هؤلاء بخطوات اتخذتها الولايات المتحدة والأرجنتين خلال الفترة الماضية لتصنيف فروع جماعة الإخوان ضمن قوائمها للكيانات المستهدفة بإجراءات أمنية وقانونية، معتبرين أنّ هذا السياق الدولي عامل ضغط إضافي على صناع القرار في أوتاوا.
من ناحية أخرى يسلط نشطاء الضوء على البُعد المالي للنقاش الدائر، إذ تركز بعض المطالب على ضرورة تشديد الرقابة على مصادر تمويل المنظمات والجمعيات المرتبطة بالجماعة، والتحقق من مسارات التبرعات والتحويلات المالية التي قد تمر عبر قنوات خيرية أو مؤسسات غير ربحية. ويرى هؤلاء أنّ تعزيز الشفافية في هذا المجال يمثل خطوة أساسية لتعزيز الثقة بين السلطات والمجتمع المدني، ولضمان عدم استغلال النظام المالي الكندي في دعم أنشطة خارجية تتعارض مع القوانين المحلية والدولية.
الإطار القانوني الكندي يفرض متطلبات محددة لتصنيف أيّ كيان منظمة إرهابية، من بينها إثبات تورطه المباشر أو غير المباشر في أعمال عنف أو دعم مادي أو لوجستي لكيانات مصنفة، وهو ما يستدعي تحقيقات معمقة وتعاونًا وثيقًا بين الأجهزة الأمنية والقضائية والجهات الدولية.
وفي السياق ذاته تعمل الأجهزة الأمنية، وفق تصريحات رسمية سابقة، على متابعة أيّ مؤشرات تتعلق بتمويل التطرف أو التحريض على العنف، بالتنسيق مع شركاء دوليين وهيئات رقابية مالية. ويُنظر إلى هذا التعاون على أنّه جزء من التزامات كندا ضمن الأطر الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعلى رأسها مجموعة العمل المالي التي تضع معايير عالمية في هذا المجال.
على الصعيد الإعلامي، أسهمت التقارير والتحقيقات الصحفية في إبقاء الملف المالي للإخوان حاضرًا في النقاش العام، عبر تسليط الضوء على أنشطة مالية غامضة لمنظمات وشخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان داخل كندا وخارجها. ويشير مراقبون إلى أنّ هذا الحضور الإعلامي لعب دورًا في تحفيز منظمات المجتمع المدني على رفع سقف مطالبها، وفي دفع بعض النواب إلى تبنّي خطاب أكثر حزمًا تجاه الجماعة.
في المقابل، تدافع أطراف أخرى عن ضرورة الفصل بين العمل الدعوي أو الاجتماعي المشروع، وأيّ أنشطة يُشتبه في ارتباطها بأجندات سياسية أو أمنية خارجية. ويؤكد ممثلو هذه الأطراف أنّ الجالية المسلمة في كندا تضم طيفًا واسعًا من التوجهات الفكرية والتنظيمية، وأنّ أنشطة الإخوان تضرّ بجهود الاندماج الاجتماعي وتقوض الثقة المتبادلة بين المجتمع والدولة.
ويرى محللون أنّ الحكومة قد تلجأ في المدى القريب إلى خطوات تدريجية، مثل تعزيز آليات الرقابة المالية، وتوسيع نطاق التحقيقات الإدارية، وتكثيف التعاون مع الشركاء الدوليين في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، بدلًا من الإقدام على تصنيف شامل قد تكون له تبعات قانونية وسياسية واسعة. ويعتبر هؤلاء أنّ هذا النهج يتيح للحكومة الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بالاستجابة للمخاوف الأمنية وملاحقة الأنشطة المالية للجماعة.
حسن خليل صحفي مصري
