
تُعدّ عقيدة التمكين لدى الإخوان عمليةً متدرجةً وطويلة الأمد لترسيخ النفوذ والسلطة داخل المجتمع، وهي واحدة من أهم المفاهيم المحورية في الفكر الحركي للجماعة، حيث تشير إلى المرحلة التي تصل فيها إلى السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع لتصبح قادرة على تطبيق مشروعها الإيديولوجي دون مقاومة.
لم يُذكر التمكين نصًا في أدبيات حسن البنا الأولى، لكنّه تطوّر لاحقًا في كتابات سيد قطب، والمنظّرين الحركيين، ووثائق التنظيم الخاص داخل الجماعة، حيث وضع مؤسس الجماعة، نموذجًا للتمكين يتميز بالتدرج، مُحددًا (7) مراحل متداخلة لتحقيق هذا الهدف، تبدأ بالإصلاح الفردي وتنتهي بالقيادة الإسلامية العالمية، وهو ما ورد في (رسالة التعاليم)، التي ذكر فيها مراحل “الفرد المسلم ـ البيت المسلم ـ المجتمع المسلم”، ورسالة المؤتمر الخامس التي شرح فيها أهداف الجماعة السياسية، ورسالة نحو النور، التي قدّم فيها رؤيته للحكومة الإسلامية.
في مذكرات الدعوة والداعية ذكر البنا مراحل التمكين، وهي: تمكين الإيمان في النفس التي ركز في المرحلة الأولى منها على غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة في الفرد، بحيث يصبح الإيمان قوة ذاتية توجه السلوك والشخصية. ثم المرحلة الثانية وهي توطيد الأسرة والمجتمع المسلم، ودعم هذه الرؤية بخلايا إخوانية منظّمة وقيادة هرمية وأقسام متخصصة لضمان الاستمرارية الإيديولوجية والانتشار الاجتماعي.
المرحلة الثالثة لدى البنا هي ترسيخ المشروع الإسلامي في الدولة المستهدفة، وتعزيز الهيمنة الثقافية للجماعة عبر المدارس والمراكز الاجتماعية والخدمات، من أجل تحقيق المرحلة الرابعة وهي السعي التدريجي للحكم الإسلامي (سلميًا إن أمكن) وفي هذا الإطار، قال: “نريد الحكومة المسلمة التي تحكم بيننا بقوانينها”، لذا فقد شجع على الانخراط العملي في الهياكل القائمة للدول متى أمكن ذلك. وأخيرًا تحقيق التمكين من خلال التحالفات التكتيكية إذا لزم الأمر حيث قال: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”.
لقد كانت خطة التمكين لدى حسن البنا هي العمل من أجل امتلاك القاعدة التنظيمية الصلبة، وبناء أفراد ملتزمين بالفكرة والتنظيم، من خلال التربية والبيعة، ثم السيطرة على مؤسسات التأثير مثل النقابات، الجامعات، الجمعيات الخيرية، الإعلام، شبكات التمويل، ثم اختراق الدولة عبر التوظيف، التحالفات السياسية، أو استثمار المناخ الديمقراطي للوصول إلى السلطة، وبعدها فرض المشروع الإيديولوجي عندما ترى الجماعة أنّ ميزان القوة يسمح لها بتنفيذ رؤيتها دون مقاومة، وتُسمّى هذه اللحظة “التمكين”.
التمكين لدى سيد قطب
يختلف التمكين لدى سيد قطب عن حسن البنا، إذ يراه الأوّل تمكينًا ثوريًا، فقد رفض المنهج التدريجي، ووسّع مفهوم الجاهلية ليشمل المجتمعات العلمانية المعاصرة (بما في ذلك المجتمعات المسلمة) مُركّزًا على نموذج الطليعة الثورية التي يجب أن تنفصل إيديولوجيًا عن المجتمع الجاهلي قبل أيّ عمل سياسي، واعتبر الحضارة الغربية تهديدًا وجوديًا.
إنّ التمكين عند سيد قطب هو ثوري انقلابي، حيث يرى أنّ المجتمع يعيش حالة جاهلية شاملة، تحتاج إلى طليعة مؤمنة منعزلة تعيد بناء الإسلام من جذوره وتقضي عليها، يقول: “لا بدّ من طليعة تمضي في خضم الجاهلية تزاول نوعًا من العزلة الشعورية”. ويعتبر أنّ المجتمع بكل مؤسساته “قد فسد من الداخل”، وفق ما ورد في كتابه “معالم في الطريق”، وبالتالي لا يمكن إصلاحه بل يجب هدمه ثم إعادة بنائه، لأنّ مفهوم الجاهلية ليس بمعناه الأخلاقي أو الديني التقليدي، بل هي جاهلية بنيوية، أي هي نظام شامل مضاد للإسلام، يشمل المجتمعات العلمانية المعاصرة، والأنظمة السياسية، والقوانين، والمؤسسات، والمجتمعات الإسلامية التي لا تطبّق “الحاكمية”.
يرى سيد قطب في كتابه “معالم في الطريق” أنّه لكي يحصل التمكين لا بدّ أن يكون التغيير جذريًا وثوريًا، يبدأ بقطيعة كاملة مع المجتمع الجاهلي، ثم بناء “طليعة مؤمنة” لإسقاط النظم القائمة وإقامة الحاكمية الإلهية.
التمكين لدى الإخوان المعاصرين
بلور يوسف القرضاوي طورًا جديدًا للتمكين في كتابه “فقه الأقليات”، وقدّم خطة للمسلمين المقيمين في الغرب تسمح لهم بالمشاركة الاستراتيجية في الأنظمة الديمقراطية مع الحفاظ على الإيديولوجيا المعارضة للعلمانية، مُركّزًا على الاستيطان، أي إنشاء المؤسسات واعتماد التدرج كنهج عملي، وجعل قضية فلسطين قضية مركزية لحشد الجاليات المسلمة في الغرب.
أمّا عليّ الصلابي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فقد تحدث عن التمكين المقاتل، الذي يمزج بين الأساليب الثورية والمؤسسية، ويركّز على مفهوم “الجهاد الشامل” في جميع المجالات (الاجتماعية والسياسية).
أدّت فلسفة التمكين المعاصر التي أسهم القرضاوي فيها بشكل رئيسي ثم عليّ الصلابي في الاستراتيجية التي تمّ وضعها للتمكين في الغرب ثم العودة إلى الشرق عبر خطط طويلة وقصيرة الأمد، كما ورد في “المشروع” عام 1982، و”المذكرة التفسيرية” عام 1991، وكلاهما وضع إطارًا عالميًا طويل الأمد (خطة 100 عام) للتوسع الإسلامي عبر التغلغل المؤسسي وبناء التحالفات والهياكل الاجتماعية الموازية، مع الاستخدام التكتيكي للحريات الديمقراطية، في “عملية جهادية حضارية تسعى إلى “إزالة الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل و”تخريبها” كما ورد في خطة المشروع، التي ورد فيها مجالات للتطبيق العملي، وهي التأثير على السياسات، واختراق الأقليات.
الخلاصة، تُعدّ المرحلية توأمًا تكتيكيًا ومكملاً ضروريًا لعقيدة التمكين لدى الجماعة بأشكالها السابقة، حيث تسمح بتوفير المرونة التكتيكية اللازمة لتحقيق هدف التمكين طويل الأمد، وهو ترسيخ النفوذ الإسلامي والسيطرة على المجتمع، والمقصود منها التكيف المؤقت لحماية الإخوان حتى يتحقق التغلغل المؤسسي الكامل، عن طريق الموازنة بين الثبات الإيديولوجي والمرونة التكتيكية (من أجل تحقيق الهدف النهائي إقامة الخلافة على المقاس الإخواني).
ماهر فرغلي كاتب وباحث مصري
