
يُعدّ استخدام القوة كأداة للتغيير أحد خيارات الإخوان المطروحة بشكل واضح من خلال أدبياتها، كما أنّ تاريخ الجماعة سواء القديم أو الحديث يكشف عن ممارستها العنف في أكثر من مرحلة، وعلى الرغم من ذلك لم تعترف الجماعة مطلقًا بشكل رسمي بذلك، وتنفي دائمًا من خلال قاداتها ورموزها أنّها استخدمت القوة أو مارست العنف طوال تاريخها، كما أنّ أفرادها لا يعترفون بذلك أيضًا إمّا جهلًا وإمّا إنكارًا، والسؤال هنا: لماذا لا تعترف الجماعة بممارسة العنف؟ هل يعني أنّها ترى في ذلك مخالفة شرعية، وفي هذه الحالة لماذا تمارسه؟ أم أنّ هناك أسبابًا أخرى تجعلها لا تعترف بذلك؟
هل القوة إحدى أدوات الإخوان للتغيير؟
حين وضع البنا في رسائله ملامح المشروع الذي تسعى الجماعة إلى تحقيقه، فإنّه وضع استخدام القوة كإحدى الأدوات الرئيسية لتحقيق ذلك المشروع، ولكنّه وضع لها ضوابط وشروطًا معينة، وقد انطلق من خلال مجموعة من الأفكار التي يترتب عليها أنّ استخدام القوة أداة مشروعة؛ حيث انطلق أوّلًا من أنّ الإسلام دين شامل يجب أن يتم تنظيم الحياة بكل جوانبها في ضوء أحكامه، ثم اعتبر أنّ أداة تحقيق ذلك هي أن تقوم دولة يكون من أهم وظائفها تطبيق الشريعة وتحقيق شمولية الإسلام، وانطلق من توصيف للواقع يفيد بأنّ الحكومات والأنظمة القائمة لا تطبق الإسلام، ولا تستجيب في الوقت نفسه لمطالب الجماعة بتطبيقه، وكان يرى أنّ الإخوان هم الأقدر على تنفيذ هذه المهمة، وأنّه يجب أن يتولوا الحكم من أجل ذلك، ومن ثم يصل البنا إلى نتيجة وهي أنّه يجب على الإخوان انتزاع الحكم من أجل تحقيق تلك المهمة وهي تطبيق الشريعة وإقامة دولة الإسلام، ويقول في ذلك:
“قد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالًا لآياته وأحاديث نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في وادٍ والتشريع الفعلي في وادٍ آخر، فإنّ قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفّرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف”. وعن الوسيلة التي سوف تقوم الجماعة بانتزاع الحكم بها يقول البنا: “وسيلة الإخوان المسلمين: أمّا وسائلنا العامة، فالإقناع ونشر الدعوة…، ثم استخلاص العناصر الطيبة…، ثم النضال الدستوري…، أمّا ما سوى ذلك من الوسائل، فلن نلجأ إليه إلا مُكرَهين، ولن نستخدمه إلا مضطرين”. ويوضح في مواضع أخرى ما أطلق عليه “ما سوى ذلك من وسائل” بأنّ المقصود بها استخدام القوة، ويقول: “إنّ الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يُجدي غيرها، وحيث يستكملون عُدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أوّلًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يُقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضا وارتياح”.
كيف مارست الجماعة العنف في الواقع؟
لم يقف البنا عند حدود التنظير ولم يكتفِ بوضع تصور للتغيير في مصر والعالم الإسلامي كله، ولكنّه قام بتكوين جهاز أو تنظيم خاص يختار فيه بعناية عددًا من الأفراد الذين سوف يقومون بالتغيير من خلال تلك الرؤية التي تعتمد على استخدام القوة، وكان ذلك التنظيم الخاص يتكون من (3) أجهزة رئيسية: الجهاز المدني ويتكون من أفراد الإخوان المدنيين، وجهاز الجيش، وجهاز البوليس وهما اللذان يتكوّنان من أفراد الجماعة من الجيش والشرطة. ويتحدث الدكتور عبد العظيم رمضان عن هذا التنظيم، فيقول: “وقد جُهّز هذا الجيش السرّي بالرؤوس المفكرة والعقول المدبرة، والمال الوفير، والأسلحة والمفرقعات والذخائر، ووسائل النقل، وأدوات التراسل والإذاعة، فضلًا عن الأوكار في مختلف الجهات في المدن والريف”.
وعن أهداف هذا التنظيم يذكر الدكتور عبد العظيم رمضان أنّ ما كان يتم الإيحاء به في البداية هو أنّه يهدف إلى الجهاد ضد الإنجليز لتحرير الأراضي المصرية، لكن فيما بعد تم تحويل أفكار الأفراد نحو الداخل تدريجيًا، ويستشهد هنا باعترافات عبد المجيد حسن قاتل النقراشي بما قاله بأنّه في أحد اجتماعات التنظيم تمّ سرد بعض الروايات التي حدثت في صدر الإسلام، والتي تفيد بأنّ قتل المسلمين الذين يعاونون أعداء الإسلام أمر مقرر في الشريعة، ويؤيد ذلك اعترافات محمود عبد اللطيف الذي قام بمحاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية بقوله في صدد الحديث عن أغراض النظام الخاص: إنّ “الغرض منه محاربة أعداء الدعوة الإسلامية”، وقد قام هذا الجهاز السرّي بالفعل بعدة أعمال استخدم فيها العنف والاغتيالات مثل اغتيال الخازندار، وأحمد ماهر، والنقراشي، واستخدام العنف في إطار الصراع مع حزب الوفد في منتصف الأربعينيات وغيرها، إلى أن تم حلّ الجماعة في عام 1948 على إثر اكتشاف وثائق تخص هذا الجهاز فيما عُرف بقضية السيارة الجيب.
وفي الوقت الحالي استخدمت الجماعة العنف خلال سنوات ما بعد 2013 بعد سقوطها من الحكم، وأنشأت بعض التنظيمات والكيانات المسلحة التي قامت بالعديد ممّا أُطلق عليه العمليات النوعية، وقامت الجماعة بعمل تأصيل شرعي لهذا المسار من أجل تبريره لأعضائها، كما استندت إلى أدبيات وكلام البنا لتوضيح أنّ استخدام القوة وممارسة العنف يُعدّ منهجًا أصيلًا عند الإخوان، وأنّه أحد أدوات التغيير المطروحة لديها، وقد أصدرت الجماعة في سبيل ذلك دراسة بعد 2013 بعنوان “فقه المقاومة الشعبية” وضحت من خلالها ذلك، وممّا جاء فيها أنّ “الانتقال إلى العمل النوعي لا يُعدّ تغييرًا في منهج الجماعة، لكنّ المواقف تتغير، كما أنّ السلمية ليست من ثوابت الإسلام ولا الجماعة”، وأيضًا “أفرد البنا رسالة خاصة للجهاد، وقد حدد البنا للحركة الإسلامية متطلبات الجهاد في رسالة المؤتمر الخامس قائلًا: في الوقت الذي يكون فيه معشر الإخوان (300) كتيبة كل كتيبة قد جهزت نفسها إيمانيًا بالعقيدة وفكريًا بالثقافة وبدنيًا بالرياضة عند ذلك طالبوني أن أخوض بكم لجج البحار وأتصدى لكل جبار عنيد”.
وأشارت الدراسة أيضًا إلى إمكانية استخدام القوة من جانب الإخوان، وبيّنت موقف البنا حين قال: “إنّ الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها”، وعن موقف جماعة الإخوان فيمن تستخدم القوة ضدها، بيّنت أنّها غير قاصرة على المحتلين، بل تتسع لتقويم الحكومات الفاسدة، وقد قال البنا: “النصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد”.
على الرغم من ذلك لم تعترف الجماعة بشكل رسمي بأنّها مارست العنف أو استخدمت القوة في سبيل تحقيق أهدافها أو في إطار صراعاتها المتكررة مع الأنظمة الحاكمة، ربما فقط تأتي شهادات من بعض الأعضاء، سواء ممّن تركوها أو ممّن لم يخرجوا عنها ولكنّهم سجلوا بعض شهاداتهم في مذكراتهم، الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالًا عن السبب الحقيقي في عدم الاعتراف بذلك؟
ويمكننا تقديم (4) أسباب تفسّر هذا الموقف الثابت للجماعة تجاه استخدام العنف؛ السبب الأوّل يعود إلى طبيعة الجماعة القائمة على البراجماتية والمراوغة وعدم التصريح بكل ما تحمله من أفكار، حيث طبيعة الجماعة قائمة على اتخاذ العديد من المواقف المتناقضة حسب الظروف، والإعلان عن الأفكار بما يتناسب مع كل مرحلة ومع الظروف المحيطة، وليس لها ثوابت سواء على مستوى الفكر أو الممارسة، وهذا نهج وضعه البنا نفسه فقد كان لا يصرّح بكل تفاصيل المشروع الذي وضعه إلا حين تتهيأ الظروف، وكان لا يعلن عن كل مرحلة إلا حين تتوفر الشروط اللازمة لها، وكان الكثير من تفاصيل التنظيم الخاص وممارساته لا يعلم بها كل الإخوان حتى من المعاصرين له.
والسبب الثاني هو أنّ الجماعة تدرك أنّ العنف سوف يتم استنكاره من شريحة كبيرة من المجتمع المصري، ولذلك تقوم بممارسته لكن دون أن تعلن عن ذلك بشكل واضح حتى لا تفقد جزءًا مهمًّا من القاعدة الشعبية المؤيدة لها، وحتى تستطيع في وقت لاحق وظروف أخرى أن تقدّم نفسها كفاعل سياسي دون أن تضطر إلى إجراء مراجعات لأفكار ومواقف سابقة، والسبب الثالث هو أنّ الجماعة ترغب دومًا في أن تكون في موقف الضحية، لأنّ هذا يكسبها تعاطفًا شعبيًا كبيرًا تجيد استغلاله وتوظيفه في استمرار الحضور والتأثير في المجتمع وتحقيق المكتسبات السياسية والتنظيمية.
والسبب الرابع هو أنّ الجماعة لها فروع في دول عديدة، ولها حضور ونشاط في دول أوروبية وأمريكية من خلال العديد من المؤسسات والكيانات المختلفة، وهذه الدول تتيح لها الانتشار والتأثير بشكل كبير، كما أنّها تمثل لها ملاذات بديلة تستطيع من خلالها العمل في أوقات الأزمات التي تحدث لها في دول المنشأ، كما يأتيها دعم مالي كبير من الإخوان الموجودين في تلك الدول، وبالتالي لا يمكن لها أن تعترف بممارسة العنف، لأنّ ذلك سوف يؤثر على صورتها وعلى موقف تلك الدول منها وعلى حضورها فيها وعلى قدرتها على ممارسة أنشطتها.
