
قال الدكتور ثروت الخرباوى، الكاتب والمفكر السياسى وعضو مجلس الشيوخ، والقيادى السابق فى جماعة الإخوان، إن الاعتراف الدولى بتنظيم الإخوان كمنظمة إرهابية، لا يقتصر فقط على توصيف قانونى، بل هو إقرار سياسى وأمنى وأخلاقى بأن هذه الجماعة تُمثل خطراً حقيقياً على الأمن والاستقرار، سواء داخل الدول، أو على المستوى الإقليمى والدولى، وهذا الاعتراف يعنى أن المجتمع الدولى بات على قناعة بأن فكر الجماعة وممارساتها، سواء المباشرة أو غير المباشرة، تغذّى العنف والإرهاب.
وأضاف الخرباوى، فى حوار مع الوطن، أن ما يحدث اليوم فى الكثير من دول العالم، هو تأكيد متأخر لصحة الرؤية المصرية. وشدّد على أن مصر لم تتخذ موقفها من جماعة الإخوان بدافع الخصومة السياسية، كما حاول البعض الترويج، بل انطلقت من خبرة تاريخية طويلة مع هذا التنظيم، وفى ما يلى تفاصيل الحوار.
■ فى البداية، كيف ترى الاعتراف الدولى المتزايد بجماعة ما ككيان إرهابى؟
الاعتراف الدولى بأى جماعة ككيان إرهابى لا يقتصر فقط على توصيف قانونى، بل هو إقرار سياسى وأمنى وأخلاقى بأن هذه الجماعة تُمثل خطراً حقيقياً على الأمن والاستقرار، سواء داخل الدول، أو على المستوى الإقليمى والدولى، هذا الاعتراف يعنى أن المجتمع الدولى بات على قناعة بأن فكر الجماعة وممارساتها، سواء المباشرة، أو غير المباشرة، تغذّى العنف والإرهاب، حتى إن حاولت التستّر خلف شعارات دينية أو سياسية، وحين يتم تصنيف جماعة كتنظيم إرهابى، تفرض عليها قيود صارمة، تتعلق بالتمويل والحركة والنشاط السياسى والإعلامى، كما تتم ملاحقة أذرعها المالية والتنظيمية، ومنعها من استغلال الفضاءات المفتوحة فى بعض الدول، والأهم من ذلك، أنه يسقط عنها قناع العمل السلمى، الذى طالما استخدمته كوسيلة للخداع.
■ كيف تقرأ هذا الاعتراف الدولى، فى ضوء الرؤية المصرية تجاه الجماعة؟
– ما يحدث اليوم هو تأكيد متأخر لصحة الرؤية المصرية، مصر لم تتخذ موقفها من جماعة الإخوان بدافع الخصومة السياسية، كما حاول البعض الترويج، بل انطلقت من خبرة تاريخية طويلة مع هذا التنظيم، ومعرفة دقيقة بطبيعته الفكرية والتنظيمية. مصر أدركت مبكراً أن الجماعة مشروع سلطة مغلق، لا يؤمن بالدولة الوطنية، ويستخدم العنف حين تعجز أدواته الأخرى، وحول ما يقال إن الجماعة تخلت عن العنف، فإن هذا الادعاء يتكرّر منذ عقود، وهو غير صحيح، الإخوان لم يتخلوا عن العنف كفكر، بل غيّروا أدواته وأشكاله. التنظيم قائم على فكرة التمكين والسمع والطاعة، ويُعتبر العنف مرحلة من مراحل الصراع، وليس خياراً مرفوضاً من حيث المبدأ، وقد رأينا كيف خرجت من رحم الجماعة تنظيمات أكثر تطرّفاً، وكلها تستند إلى المنابع الفكرية نفسها.
■ هل يمكن القول إن المجتمع الدولى تأخر فى فهم طبيعة الجماعة؟ وكيف ينعكس هذا على الداخل المصرى؟
– نعم، وبوضوح لسنوات طويلة، تعاملت بعض الدول مع الإخوان باعتبارهم تياراً سياسياً معتدلاً، وغضّت الطرف عن خطابهم المزدوج، لكن الواقع فرض نفسه، خاصة بعد تورط الجماعة أو أذرعها فى عمليات عنف، أو دعم تنظيمات متطرّفة، أو استخدام خطاب الكراهية والتحريض، ما نشهده الآن، هو لحظة وعى متأخرة، لكنها مهمة، كما أن ذلك ينعكس فى تعزيز شرعية الموقف المصرى، وفى تفنيد كل الادعاءات التى شكّكت فى قرارات الدولة المصرية بعد 2013، كما يوجّه رسالة واضحة للرأى العام العالمى بأن ما واجهته مصر لم يكن مجرد أزمة سياسية، بل تهديداً وجودياً للدولة والمجتمع، وهذا يُعزز ثقة المواطن فى مؤسسات دولته ورؤيتها الاستراتيجية.
■ كيف تلخص دلالة هذا التحول الدولى؟ وما تأثيره على قدرة الإخوان على التمويل والنشاط الدولى والحملات الدعائية؟
– الاعتراف الدولى بجماعة الإخوان ككيان إرهابى، يمكن تلخيصه فى جملة واحدة، الحقيقة تأخرت لكنها لم تغب، ما حذّرت منه مصر منذ سنوات، أصبح اليوم محل إجماع متزايد، وهذا الاعتراف هو شهادة على صدق الرؤية المصرية، وعلى أن مواجهة التطرّف كانت ضرورة وطنية، وليست خياراً سياسياً، كما أن هذا التصنيف يضرب جماعة الإخوان فى أخطر مناطق قوتها، وهى التمويل والحركة العابرة للحدود، فعلى مدار عقود، اعتمدت الجماعة على شبكة معقّدة من الجمعيات الخيرية، والشركات الواجهة، والمنظمات الحقوقية، لتوفير مصادر تمويل ضخمة، تحت ستار العمل الإنسانى أو الدعوى، ومع تصنيفها ككيان إرهابى، تصبح هذه الشبكات تحت رقابة قانونية ومالية صارمة، وتتعرّض حساباتها للتجميد، كما يُجرّم أى تعامل مالى مباشر أو غير مباشر معها.. أما على مستوى النشاط الدولى، فإن التصنيف يقيّد قدرة الجماعة على التحرّك السياسى، ويمنع قياداتها من السفر، أو عقد لقاءات علنية، ويغلق أمامها منصات كانت تستخدمها للتأثير فى الرأى العام الغربى، وبالنسبة للحملات الدعائية، فإن الجماعة ستفقد كثيراً من مصداقيتها أمام المؤسسات الإعلامية الدولية، حيث لن تعود قادرة على تقديم نفسها كتيار مظلوم أو حركة إصلاحية، بل كتنظيم مُدان قانونياً، وهو ما يُضعف خطابها، ويحد من قدرتها على الحشد والتأثير.
■ كيف يؤثر القرار الأمريكى على موقف الإخوان فى الدول التى لهم فيها نفوذ سياسى أو إعلامى؟
-القرار الأمريكى ستكون له تداعيات واسعة، لأن الولايات المتحدة تُمثل مرجعية مؤثّرة فى السياسات الدولية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، الدول التى كانت توفّر للإخوان مساحات سياسية أو إعلامية، ستجد نفسها تحت ضغط قانونى ودبلوماسى متزايد، خاصة فى ما يتعلق باستضافة قيادات الجماعة، أو السماح لها بممارسة أنشطة إعلامية وتمويلية، كما أن هذا القرار سيجعل كثيراً من الدول تعيد حساباتها، ليس حباً فى مصر، أو خصومة مع الإخوان، ولكن خوفاً من التبعات القانونية والأمنية، سنشهد تراجعاً تدريجياً فى حضور الجماعة داخل العواصم المؤثرة، وتضييقاً على منصاتها الإعلامية، وربما تفكيكاً لبعض شبكاتها السياسية، والأهم أن القرار الأمريكى ينسف آخر أوراق الشرعية الدولية، التى كانت الجماعة تتكئ عليها، ويؤكد أن ما حذّرت منه مصر منذ سنوات، لم يكن ادعاءً سياسياً، بل قراءة دقيقة لطبيعة تنظيم عابر للحدود، لا يؤمن بالدولة الوطنية، ولا بالديمقراطية، إلا كوسيلة مؤقتة للوصول إلى السلطة.
هذا الخطاب هو أحد أخطر أسلحة الإخوان، هم دائماً يقدمون أنفسهم كضحايا، بينما يتجاهلون تاريخهم الحافل بالعنف والتنظيم السرى، الاعتراف الدولى يضرب هذا الخطاب فى مقتل، لأنه يصدر من أطراف لم تكن يوماً فى خصومة مباشرة مع الجماعة، بل كانت أحياناً متعاطفة معها، كما أن هذه الخطوة الأهم هى تفكيك البنية الفكرية للجماعة، وليس فقط ملاحقتها أمنياً، المعركة الحقيقية هى مع الفكر الذى يُبرّر العنف، ويستغل الدين لتحقيق أهداف سياسية.
