
كثفت السلطات الإيرانية وتيرة ملاحقتها للمعارضة في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية الأخيرة، حيث شنت حملة واسعة شملت اعتقالات ومصادرة ممتلكات وإغلاق شركات تابعة لشخصيات بارزة بتهمة “التحريض على الاضطرابات”.
أعلن مكتب المدعي العام في طهران عن فتح قضايا قانونية ضد 25 شخصية، من بينهم 15 رياضياً وممثلاً، بالإضافة إلى أعضاء في “دار السينما”، مع التهديد باستخدام أصولهم لتعويض الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة في حال إدانتهم، وفق فينانشال تايمز، الأربعاء 21 يناير 2026.
لم تقتصر الإجراءات على الأفراد، بل امتدت لتشمل القطاع التجاري والإعلامي، حيث أفاد التلفزيون الرسمي بتحديد 60 مقهىً اتهمت بدعم “أعمال إرهابية”. كما أغلقت السلطة القضائية صحيفة “هام-ميهان” الإصلاحية الرائدة بعد تغطيتها لحالة المستشفيات أثناء الاحتجاجات، في حين واجهت وكالات أنباء ومواقع إخبارية اتهامات بنشر “أخبار كاذبة”، وسط استمرار القيود المفروضة على شبكة الإنترنت في البلاد.
في سياق متصل، طالت حملة المصادرات قطاع الأعمال، حيث أفادت وكالة “تسنيم” للأنباء باعتقال رجل الأعمال “محمد سعدينيا”، صاحب سلسلة مقاهٍ ومركز تسوق رئيسي، ومصادرة كافة ممتلكاته التي قدرت قيمتها بنحو 30 تريليون ريال (ما يعادل 21.5 مليون دولار). وذكرت السلطات أن هذه القيمة توازي حجم الأضرار التي لحقت بالعاصمة طهران خلال المظاهرات، والتي تتهم الحكومة “محرضين مدججين بالسلاح” و”إرهابيين” مدعومين من الخارج بالوقوف وراءها.
من جانبه، وجه قائد الشرطة الإيرانية، أحمد رضا رادان، تحذيراً شديداً لقادة الاحتجاجات، ملوحاً بـ “عقاب شديد”، بينما منح مهلة ثلاثة أيام لمن وصفهم بـ “المنخدعين” للاستسلام مقابل تخفيف الأحكام. كما شدد مكتب المدعي العام على تجريم أي تعاون أو تداول للمعلومات مع القنوات الفضائية المعارضة التي تبث من الخارج، معتبراً إرسال الصور أو مقاطع الفيديو إليها بمثابة “تعاون مع جماعات إرهابية”.
بالتوازي مع الإجراءات القمعية، سعت حكومة الرئيس مسعود بيزشكيان إلى تخفيف حدة التوترات عبر حزمة من الحوافز الاقتصادية والوعود الخدمية. وأعلنت السلطات عن تصنيف أكثر من ثلثي القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات كـ “شهداء”، ما يمنح عائلاتهم امتيازات مالية وتعليمية ووظيفية واسعة، في محاولة لاستيعاب غضب الأسر المتضررة، بمن في ذلك أولئك الذين لم يكن لأبنائهم تاريخ في النشاط السياسي بحسب رويترز.
وعلى الصعيد المعيشي، أعلنت وزارة الإسكان عن خطة لتسليم 120 ألف منزل جديد للأسر ذات الدخل المحدود، بينما كشف وزير التعليم عن تخصيص مكافآت ضخمة للمعلمين بقيمة 20 تريليون ريال. وتأتي هذه الخطوات في إطار استراتيجية مزدوجة تهدف إلى ضبط الأمن من جهة، ومحاولة معالجة المظالم الاقتصادية التي كانت الشرارة الأولى لانطلاق الاحتجاجات من جهة أخرى.
تسببت حالة عدم اليقين السياسي في تزايد وتيرة نزوح رؤوس الأموال من إيران نحو الخارج، حيث يسعى المستثمرون لحماية ثرواتهم من المخاطر السياسية وتقلبات العملة وفق بلومبرج في 16 يناير 2026. وصرح وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بأن الولايات المتحدة ترصد تحويلات مالية من إيران تقدر بعشرات الملايين من الدولارات عبر قنوات متعددة، في مؤشر على رغبة القطاع الخاص في البحث عن بيئات استثمارية أكثر استقراراً بعيداً عن ضغوط العقوبات والاضطرابات الداخلية.
وفي هذا السياق، تبرز دول الجوار كوجهات محتملة لهذه التدفقات. ويرى محللون أن تصاعد المخاطر السياسية يدفع المستثمرين الأجانب والمحليين إلى سحب أصولهم أو نقلها عبر قنوات رسمية وغير رسمية، في نمط يشبه ما شهدته اقتصادات أخرى واجهت أزمات جيوسياسية مماثلة.
