تصريحات ترامب حول إدراج الإخوان على قوائم الإرهاب

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إشعال الجدل العالمي حول وضع تنظيم الإخوان المسلمين عندما صرّح مؤخراً بأنّ إدارته تدرس بجدية إدراج الجماعة على لوائح الإرهاب الأمريكية، في خطوة من شأنها ـ إن تحققت ـ أن تغيّر معادلة الحركة الإسلاموية الأكثر انتشاراً في العالم. ورغم أنّ مطالبات مماثلة ظهرت خلال فترة رئاسته الأولى، إلا أنّ عودة الملف إلى واجهة النقاش تعكس رؤية جديدة داخل الدوائر الأمريكية حول طبيعة التهديد الذي تمثله الجماعة كشبكة عابرة للحدود، تمتد جذورها من الشرق الأوسط إلى أوروبا والولايات المتحدة نفسها.

تمثل تصريحات ترامب لحظة فارقة تتجاوز مجرد نقاش سياسي في واشنطن؛ فهي تضع التنظيم أمام اختبار وجودي على المستوى الدولي، وتفتح الباب أمام تداعيات قانونية واقتصادية وأمنية قد تُربك بنية التنظيم وامتداداته وشبكاته المالية والإعلامية، وتثير مخاوف عميقة داخل الدول التي تستضيف عناصر وواجهات تابعة للجماعة، خصوصاً في أوروبا التي شهدت تنامياً واضحاً لنفوذ الإخوان عبر عشرات المراكز والجمعيات التي تندرج تحت عباءة “المشاريع الخيرية” و”العمل الدعوي“. 

وبالنظر إلى النفوذ التاريخي للجماعة داخل بعض مؤسسات الضغط والدبلوماسية العامة في الغرب، فإنّ العودة الأمريكية إلى الحديث عن “تصنيف محتمل” تعني أنّ الغطاء الدولي الذي تمتعت به لسنوات طويلة بات مهدداً  بصورة غير مسبوقة.

عودة ترامب لطرح ملف الإخوان من جديد تعكس تغيراً في البيئة السياسية والأمنية داخل الولايات المتحدة. فمن جهة تصاعدت التحذيرات من تنامي نشاط جماعات الإسلام السياسي في الداخل الأمريكي، سواء عبر التغلغل داخل الجاليات أو عبر لوبيات ومنظمات تعمل تحت عناوين حقوقية ومدنية ومن جهة أخرى باتت التهديدات العالمية الأكثر انتشاراً ـ خصوصاً الإرهاب المعولم والتمويلات المشبوهة ـ تتطلب إعادة تقييم دور الجماعة كمصدر إلهام فكري وعملي لعشرات التنظيمات المتطرفة.

وتتزامن تصريحات ترامب مع ضغوط متزايدة من حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم مصر والإمارات والسعودية، وهي الدول التي صنّفت الإخوان تنظيماً إرهابيّاً منذ سنوات. وبالتالي فإنّ إعادة فتح الملف تمثل أيضاً تناغماً مع الأولويات الأمنية لحلفاء واشنطن، وتؤشر إلى إعادة صياغة منظومة التحالفات الأمريكية في المنطقة بعد التراجع الذي شهدته المرحلة السابقة. في الوقت نفسه يستفيد ترامب من الملف انتخابياً، إذ إنّ الصوت اليميني المحافظ يرى في الجماعة تهديداً مباشراً للقيم والسياسات الأمريكية، ومن ثم تبدو التصريحات موجّهة للجمهور الداخلي بقدر ما هي موجّهة للخارج.

كيف سيؤثر التصنيف المحتمل على البنية التنظيمية للإخوان؟

يمتلك تنظيم الإخوان شبكة واسعة من الأفرع والمكاتب الإدارية حول العالم، إضافة إلى شركات اقتصادية ومؤسسات إعلامية وجمعيات خيرية تعمل كواجهات للتنظيم. وفي حال اتخذت الولايات المتحدة قراراً رسمياً بالتصنيف، فإنّ أول ما سيتأثر هو هذه البنية الممتدة التي تعتمد في جزء كبير من قوتها على وجود غطاء قانوني يتيح لها العمل في العلن.

ويشمل التصنيف الأمريكي ـ إذا تمّ ـ فرض عقوبات مباشرة على أيّ فرد أو كيان يقدّم دعماً مالياً أو لوجستياً للتنظيم، وهو ما يعني عملياً تجفيف جزء كبير من موارد الإخوان المالية التي تمر عبر بنوك وشبكات تحويل تعمل في أوروبا وأمريكا الشمالية. كما قد يؤدي التصنيف إلى ملاحقة قيادات الإخوان المقيمين في الولايات المتحدة أو الحاصلين على إقامة دائمة، وهو ما سيجبر التنظيم على إعادة توزيع مراكزه القيادية.

وقد تمتد التأثيرات لتطال البنية الداخلية للجماعة نفسها، إذ من المتوقع أن تتصاعد الانشقاقات بين تيارات متنافسة داخل الإخوان، خاصة بين الجناح “الإصلاحي” الذي يسعى إلى تجميل صورة التنظيم في الغرب، وبين الجناح “التقليدي” الذي يتمسك بخطاب أكثر تشدداً وارتباطاً تاريخياً بفكر سيد قطب والتنظيم الدولي. وقد تشهد السنوات المقبلة إعادة تشكّل شاملة في هيكل الجماعة، مع احتمال انتقال بعض مراكز الثقل إلى دول أكثر مرونة تجاه التنظيم مثل تركيا أو ماليزيا.

تُعدّ أوروبا مركزاً حيوياً لعمل الإخوان منذ خمسينيات القرن الماضي، إذ نجحت الجماعة في إنشاء عشرات المراكز الإسلامية والاتحادات والروابط التي تعمل كأذرع فكرية وتنظيمية. وإذا اتخذت الولايات المتحدة خطوة التصنيف، فمن المتوقع أن ينعكس ذلك مباشرة على السياسات الأوروبية، سواء على مستوى الرقابة أو التشريعات الداخلية.

بعض الدول الأوروبية ـ مثل النمسا وفرنسا وألمانيا ـ تشهد بالفعل تشدداً واضحاً تجاه جماعات الإسلام السياسي، خاصة بعد تقارير أجهزة الاستخبارات التي تؤكد وجود روابط بين الإخوان وبعض الخلايا المتطرفة. وبالتالي، قد يؤدي القرار الأمريكي إلى تعزيز هذا الاتجاه وإعطاء غطاء سياسي وقانوني إضافي لتضييق الخناق على الجماعة في أوروبا.

وقد يفتح القرار الباب أمام تجميد أصول مالية مرتبطة بواجهات إخوانية تعمل تحت مسميات جمعيات خيرية أو مراكز ثقافية، خصوصاً تلك التي تتلقى تحويلات من الشرق الأوسط. وأكثر ما يقلق الإخوان هو احتمال إدراج بعض مؤسساتهم الأوروبية ضمن لائحة الكيانات المتعاونة مع منظمة مصنّفة إرهابياً، وهو ما يعني تجفيف البيئة الحاضنة التي وفّرت لهم عشرات السنين من الحرية والتمويل.

يعتمد الإخوان على جهاز إعلامي واسع يمتد من قنوات فضائية تبث من إسطنبول إلى منصات رقمية وصفحات تواصل اجتماعي موجّهة للجاليات العربية في الغرب. ويُعدّ هذا الجهاز أحد أهم أدوات بقاء التنظيم وتأثيره السياسي. لكن في حال مضت الولايات المتحدة نحو التصنيف الإرهابي، فمن المتوقع أن تتعرض هذه المنصات لملاحقات قانونية وضغوط مالية.

ستصبح المنصات الإعلامية الإخوانية مُعرّضة لإغلاق حساباتها أو تقييد وصولها إلى الجمهور بسبب ارتباطها بتنظيم مصنّف. وقد تُجبر بعض الشركات التقنية الكبرى على اتخاذ خطوات لضمان عدم استخدامها في الدعاية لصالح منظمة إرهابية، وهو ما يعيد الجماعة إلى مرحلة من العزلة الإعلامية المشابهة لما حدث بعد أحداث 2013 في مصر.

ومن التأثيرات المتوقعة أيضاً تراجع قدرة الإخوان على صياغة خطاب دعائي موجّه للغرب، إذ إنّ وضعهم على قوائم الإرهاب سيفقدهم أحد أهم أوراقهم: تقديم أنفسهم كـ “تيار معتدل” قابل للتعاون. وسيضعف هذا التأثير قدرتهم على التواصل مع مراكز بحثية ومنظمات حقوقية لطالما اعتمدوا عليها في تحسين صورتهم أو الضغط لصالحهم في ملفات معيّنة.

إذا تحولت تصريحات ترامب إلى قرار رسمي، فإنّ مستقبل الإخوان سيشهد تغيرات جذرية. فمن الناحية السياسية ستفقد الجماعة أحد أهم منافذها للتأثير الدولي، وستصبح محاصرة بين تصنيفات عربية وأخرى غربية محتملة. ومن الناحية التنظيمية قد تدخل في مرحلة من إعادة ترتيب الصفوف داخليّاً، مع احتمال انهيار بعض مؤسساتها أو اندماجها تحت واجهات جديدة.

وفي السياق الإقليمي قد يدفع التصنيف بعض الدول الحاضنة ـ مثل تركيا ـ إلى إعادة حساباتها، خاصة في ظل الضغوط الدولية ورغبة أنقرة في تحسين العلاقات مع واشنطن. وقد يؤثر القرار على علاقات الإخوان بحلفائهم في ليبيا وتونس واليمن، حيث تعتمد الجماعة بشكل كبير على الشرعية السياسية والدعم الخارجي.

أمّا على صعيد الفكر والهوية، فقد تضطر الجماعة إلى مراجعة خطابها التقليدي الذي يقوم على ثنائية “التمكين” و”المظلومية”، وربما تتجه ـ كما حدث مع تنظيمات مشابهة ـ إلى المزيد من السرّية واللّامركزية، وهو ما قد يزيد من احتمالات ظهور أجنحة أكثر تشدداً.

تكشف تصريحات ترامب عن لحظة مفصلية في مسار تنظيم الإخوان، وقد تكون بداية نقطة تحول كبرى في وضع الجماعة دوليّاً. وبينما لم يتحول الحديث بعد إلى قرار رسمي، إلا أنّ مجرد طرح الملف بهذا الزخم يعكس حجم القلق المتزايد من دور الإخوان عالميّاً، ويدفع باتجاه إعادة تقييم جذرية للوجود والتنظيم والبنية المالية والدعائية للجماعة.

وفي حال اكتملت الخطوة الأمريكية بالفعل، فإنّ الإخوان سيواجهون أكبر ضربة دولية منذ تأسيس تنظيمهم قبل ما يقرب من قرن؛ الأمر الذي سيترك آثاراً عميقة على مستقبلهم وقدرتهم على الاستمرار كشبكة سياسية وتنظيمية عابرة للحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *