خمس سنوات على انقلاب البرهان

انقلاب البرهان فتح طريق الإخوان للعبث بمستقبل السودان، لم يكن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 مجرد انقطاع في مسار الانتقال المدني بالسودان، بل محطة مفصلية فتحت الباب أمام أزمة تمددت من ساحات السياسة وصولاً إلى ميادين حرب باتت تهدد وحدة البلاد ومستقبلها.

فحين أقدم المكون العسكري على الإطاحة بالقوى المدنية شريكته في السلطة، وألغى مواد رئيسية في الوثيقة الدستورية، وحل مجلسي الوزراء والسيادي وفرض حالة الطوارئ، تشكل صراع من نوع آخر، فقد بدا أن الماضي بثقله الإخواني لا يزال جاثماً على البلاد يبحث عن موقع في الحكم، أو حريق لا يبقي ولا يذر.  

وبعد خمس سنوات، يجد السودان نفسه عالقاً بين حرب تستنزف موارده ومجتمعه، وتحالفات تتشابك فيها حسابات السلطة والسلاح، وتسوية تتعثر كلما لاحت فرصتها.  وبينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية والسياسية، يبرز السؤال الأعمق: هل يمكن إنهاء الحرب من دون تفكيك جذور الأزمة التي سبقتها، أم أن القوى التي أعادت تشكيل المشهد بعد الانقلاب ما زالت ترى في استمرار الصراع ضمانة لبقائها؟ وهل يملك السودان فرصة للخروج من هذه الحلقة، وما السيناريوهات المطروحة لإنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة؟

وإلى ذلك، قال المحلل السياسي السوداني حافظ كبير في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن السياسات التي انتهجها عبدالفتاح البرهان منذ توليه رئاسة المجلس السيادي أسهمت في تعميق الأزمة السودانية، بدءاً من تعثر استكمال مؤسسات المرحلة الانتقالية، وعدم استكمال التحقيقات في الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين، وصولاً إلى معاداة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، والسماح لقوى النظام السابق (الإخوانية) بالتمدد داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.

«هذه القوى عرقلت محاولات الإصلاح الاقتصادي والسياسي وإصلاح أجهزة الدولة، قبل أن يستعيد البرهان تحالفه معها، وصولاً إلى اعتصام القصر، الذي مهّد للانقلاب على حكومة الثورة في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021»، يضيف كبير.

بدورها، قالت الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية تاج الأصفياء حسن البصري، إن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أوقف مسار الانتقال الديمقراطي، ومهّد لتفاقم أزمة سياسية ومؤسسية انتهت إلى حرب مفتوحة منذ أبريل/نيسان 2023، معتبرة أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل باتت أزمة دولة ومجتمع، تتداخل فيها قضايا الانتقال السياسي، والعلاقة بين السلطة والمواطنين، وموقع السودان في محيطه الإقليمي.

وأضافت هداية، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن السودان، بعد خمس سنوات على الانقلاب وأكثر من ثلاثة أعوام ونصف على اندلاع الحرب، يواجه أزمة وجودية تمس مؤسسات الدولة ووحدة المجال الوطني، بعدما عطّل الانقلاب المسار السياسي وأضعف الآليات التي كان يمكن من خلالها إدارة الخلافات حول السلطة وإصلاح المؤسسة العسكرية وبناء علاقة جديدة بين المدنيين والعسكريين.

وأوضحت أن الحرب حوّلت الصراع على السلطة إلى مواجهة مسلحة واسعة، يدفع المواطنون كلفتها من أمنهم ومعيشتهم وحقهم في التعليم والصحة والاستقرار. وشددت على أن قراءة المشهد لا ينبغي أن تقتصر على الأرقام الإنسانية، بل يجب أن تشمل أزمة الشرعية السياسية، وتراجع قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، وتآكل الثقة بين المكونات الاجتماعية، واتساع اقتصاد الحرب، ومخاطر تفكك المجال الوطني.

وحول العلاقة بين انقلاب البرهان والحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، قالت الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية تاج الأصفياء حسن البصري، إن تفكيك المسار الانتقالي كان عاملاً بنيوياً رئيسياً في تهيئة الظروف للحرب، لكنه لا يمثل التفسير الوحيد لاندلاعها.

وأشارت إلى أن السودان دخل المرحلة الانتقالية مثقلاً بإرث طويل من عسكرة السياسة في عهد نظام الإنقاذ، وتعدد مراكز القوة المسلحة، واختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، إلى جانب مظالم تاريخية لم تُعالج بصورة عادلة.

واعتبرت أن انقلاب أكتوبر 2021 عطّل المسار السياسي الذي كان يمكن أن يوفر إطاراً تفاوضياً لإدارة هذه الخلافات، فيما أدى غياب مرجعية مدنية مقبولة، وتفاقم نفوذ الإسلاميين داخل قيادة المؤسسة العسكرية، إلى زيادة صعوبة دمج قوات الدعم السريع وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وصولاً إلى المواجهة المسلحة.

في السياق نفسه، قال حسب النبي محمود حسب النبي، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية، إن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أعاد السودان إلى مسار وصفه بالأسوأ، معتبراً أن تحالف عبد الفتاح البرهان مع الحركة الإسلامية شكّل تهديداً لحلم السودانيين في تأسيس دولة تقوم على المواطنة والحقوق.

وأضاف، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن السودان، بعد خمس سنوات من الانقلاب، يواجه انهياراً في مؤسسات الدولة وتشريداً لملايين من أبنائه داخل البلاد وخارجها، معتبراً أن ما جرى جاء في سياق مساعٍ من تنظيم الإخوان لمعاقبة الشعب السوداني على إسقاط نظامه بثورة شعبية، بعدما وصل التنظيم إلى السلطة بانقلاب عسكري في يونيو/حزيران 1989.

ويرى حسب النبي أن «فرص الحل أصبحت أكثر تعقيداً، لأن البرهان، لا يملك القرار المستقل، وأن مجموعات إرهابية، وتخضع لعقوبات أو تصنيفات أمريكية، تقود توجهاته وما تبقى من الجيش، وتحمل أجندات انفصالية لا تمثل الشعب السوداني».

وحمل رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية البرهان مسؤولية مباشرة عن الأزمة، بالتوازي مع الإخوان، بل اعتبر أن مسؤوليته أكبر، قائلاً إنه كان بإمكانه إبعادهم عن مؤسسات الدولة خلال الفترة الانتقالية، لكنه مثّل ذراعهم العسكري داخلها.

وأضاف أن الإخوان عادوا إلى التحالف مع البرهان بعد تعثر مساعيهم للاستحواذ على السلطة، وفي أعقاب انحياز قوات الدعم السريع إلى الثورة، لتندلع الحرب التي قال إنها أحرقت السودان. ورأى حسب النبي أن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 جاءت نتيجة مباشرة للانقلاب على المسار الانتقالي وانحياز الجيش إلى أجندة الحركة الإسلامية، مؤكداً أن استمرار الفترة الانتقالية كان سيقود إلى واقع مختلف.

وقال حسب النبي إن الإخوان عادوا سريعاً إلى مؤسسات الدولة بعد الانقلاب، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والخدمة المدنية، مشيراً إلى أن الانقلاب أحدث انقساماً داخل الأجهزة الأمنية بين مؤيد ورافض. وأضاف أن البرهان استعان بالإخوان لمواجهة الدعم السريع، ما أتاح لهم إحكام قبضتهم على قيادة الجيش عبر مستويات قيادية وسيطة موالية للحركة الإسلامية السودانية.

فيما قال المحلل السياسي السوداني حافظ كبير، إن البرهان سلّم مقاليد الدولة إلى الجيش والحركة الإسلامية وتنظيماتها المدنية، التي نشطت عبر مبادرة «أهل السودان» ونظمت مظاهرات عُرفت باسم «مواكب الكرامة» أمام البعثة الأممية، التي كانت تعمل على مساعدة السودان في الانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني.

«إلا أن الشارع السوداني لم يستسلم بعد الانقلاب، واستمرت الاحتجاجات المناهضة له، بالتزامن مع ارتكاب جرائم خلال تلك المرحلة، ليرضخ البرهان مع تعثر المسار الانقلابي، وينخرط في العملية السياسية التي أفضت إلى توقيع الاتفاق الإطاري، لكنه انقلب عليه لاحقاً، قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023»، يقول المحلل السياسي السوداني.

واعتبر أن القوى المتحالفة مع البرهان لا تريد نجاح العملية السياسية، لأنها قد تفضي إلى نظام مدني ديمقراطي يقطع الصلة بالنظام القديم، ويفتح المجال أمام قوى جديدة لمعالجة الأزمات المتراكمة، مشيرًا إلى أن هذا المسار، دفع بالسودان من أزمة سياسية إلى انقلاب عسكري، ثم إلى حرب مدمرة تجاوزت ثلاثة أعوام، فيما تعمقت الأزمة مع مرور الوقت.

وأشار كبير إلى أن انقلاب أكتوبر 2021 غيّر موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، إذ أتاح لقوى كانت تعمل في الخفاء الظهور علناً وتولي أدوار في إدارة الدولة والمؤسسات العسكرية، عبر كوادر محسوبة على النظام السابق، وهو ما كشفته حرب 2023، التي أظهرت دور ونفوذ كتائب وتشكيلات عسكرية، من بينها الدفاع الشعبي وهيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن، إلى جانب كتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية، مثل «البراء بن مالك» و«البرق الخاطف»، في إشعال جبهات القتال.

وضع أفضى إلى أن القوى غير المرتبطة بالحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين باتت تواجه صعوبة في تصدر المشهد، في ظل تحالف يجمع بين قيادة عسكرية تسيطر على الأموال وتنظيمات مسلحة تمتلك السلاح، ضمن شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، بحسب المحلل السياسي السوداني.

وخلص إلى أن البرهان، رغم عمله داخل هذه المنظومة، لا يمتلك السيطرة الكاملة عليها، معتبراً أن النفوذ الأساسي يعود إلى الحركة الإسلامية بقيادة علي كرتي.

وفيما يتعلق برفض البرهان التفاوض مع قوات الدعم السريع، قال رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية حسب النبي، إن الحسم العسكري يظل احتمالاً قائماً، لكنه لن يكون، لصالح البرهان وحلفائه من الكتائب التي وصفها بالإرهابية.

وأكد أن أي مسار تفاوضي ينبغي ألا يقتصر على طرفي الحرب، بل أن يشمل القوى الثورية ضمن حوار وطني تأسيسي يقود إلى بناء دولة وطنية جديدة. وعزا رفض البرهان التفاوض، حتى مع الدعم السريع، إلى أنه لا يملك قرار وقف الحرب، معتبراً أن القرار الفعلي بيد الإخوان، وأن البرهان مجرد واجهة للتنظيم.

في السياق، أكدت هداية أن تحقيق مكاسب ميدانية أو السيطرة على مناطق لا يعني حسم الأزمة السودانية، لأنها تتجاوز المواجهة بين القوات المتحاربة إلى مشكلات الدولة والمجتمع وجذور النزاع.

وقالت إن إضعاف أحد الطرفين عسكرياً لا يضمن إنهاء العنف أو استعادة الاستقرار، في ظل انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة واستمرار المظالم المحلية وغياب التسوية السياسية، وهي عوامل قد تؤدي إلى جولات جديدة من الصراع.

ويرى حافظ كبير المحلل السياسي السوداني، أن الحركة الإسلامية تمتلك خبرة طويلة في إجهاض المفاوضات، مستشهداً بمسارات التفاوض السابقة مع الحركة الشعبية وحركات دارفور، التي انتهت، دون نتائج حاسمة.

وأضاف أن تصاعد العمليات العسكرية كلما ظهرت مبادرات للسلام أو تقدمت الجهود لتهيئة المناخ للهدنة والتفاوض يمثل، نمطاً متكرراً يهدف إلى إبعاد الأطراف عن أي تسوية ممكنة، مشيرًا إلى أن ارتكاب الجرائم والمجازر خلال مراحل التفاوض السابقة أسهم في تعقيد الوصول إلى اتفاقات.

وتسارعت وتيرة القصف الجوي بالطائرات المسيّرة في السودان خلال الأسبوعين الماضيين، مستهدفةً أسواقًا ومناطق مدنية، ومخلفة قتلى وجرحى في صفوف المدنيين. وأعرب كبير عن اعتقاده في أن الحرب تمثل المناخ الأنسب للحركة الإسلامية لاستعادة نفوذها، لأنها تتيح لها تعبئة الشباب تحت شعارات دينية، مثل الدفاع عن الإسلام والشريعة والاستنفار للجهاد، على غرار ما حدث خلال الحرب في جنوب السودان وما يجري حالياً.

وأضاف أن هذه القوى لا تريد السلام، لأنه لن يعيدها بالضرورة إلى السلطة، بل قد يفتح الطريق أمام نظام مدني ينهي نفوذها السياسي والعسكري، ولذلك تدفع، وفق قراءته، البرهان إلى مواصلة الحرب. وحول أسباب تعثر المبادرات الدولية، يقول كبير إن خطاب البرهان يتسم بالتناقض؛ إذ يعلن أحياناً تأييده للسلام، ثم يؤكد في مناسبات أخرى رفضه التفاوض وتمسكه بمواصلة الحرب حتى نهايتها.

وعزا هذا التباين إلى محاولة البرهان الحفاظ على توازن علاقاته الداخلية، عبر طمأنة حلفائه بأنه مستمر في الحرب، مع الاستجابة في الوقت نفسه للضغوط والمبادرات الدولية. لكنه يشير إلى أن البرهان يطرح شروطاً يصفها بالتعجيزية، بما يجعل الوصول إلى تفاوض أو حل سلمي أمراً بالغ الصعوبة. وقبل أيام، اجتمعت 21 دولة و5 منظمات دولية في مقر الأمم المتحدة بجنيف، في إطار “الاجتماع التشاوري السادس حول تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان”، في مباحثات تركزت على ثلاثة محاور: الوضع الأمني، والقضايا السياسية، والبعد الإقليمي للحرب، وهدفت إلى: تنسيق مبادرات الوساطة، وتعزيز خفض التصعيد والتوصل إلى حل سياسي عبر التفاوض، ودعم الوصول الإنساني.

واعتبر كبير أن تقلبات الخطاب تعكس، أن البرهان لا يملك القرار بصورة منفردة، وأن استمراره في السلطة يرتبط بتحالف مع مجموعات تشترط مواصلة الحرب. ويخشى البرهان، أن يؤدي الاتجاه نحو السلام إلى انهيار التحالف القائم على الحرب والسيطرة على موارد السودان بالقوة المسلحة.

وعن أسباب تعثر الجهود الدولية، قالت هداية إن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات، بقدر ما تتمثل في الفجوة بين التوافق الدبلوماسي والقدرة على تغيير حسابات الأطراف المتحاربة على الأرض، مشيرة إلى تعنت البرهان، الذي لا يملك قراره بصورة مستقلة، وإلى نفوذ الحركة الإسلامية في مسار الحرب.

ولفتت إلى تعدد مسارات الوساطة، بما فيها جهود جدة، والتحركات الإقليمية، والآليات التي تضم الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، إلى جانب التحركات التي تقودها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر. ومع ذلك، ظل تحويل هذه الجهود إلى التزام مستدام بوقف الحرب أمراً بالغ الصعوبة.

وأضافت أن اجتماع جنيف في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عُقد لمواصلة تنسيق الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وتخفيف الأزمة الإنسانية، في وقت استمرت فيه هجمات الطائرات المسيّرة والضربات التي تهدد المدنيين والبنية التحتية.

وحذرت الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية تاج الأصفياء حسن البصري، من أن تداعيات الأزمة السودانية امتدت إلى دول الجوار، بحكم تشابك الحدود والأمن والتجارة والموارد وحركة السكان بين القرن الإفريقي والساحل وحوض النيل والبحر الأحمر.

وأوضحت أن النزوح واللجوء يمثلان أبرز هذه التداعيات، إذ استقبلت مصر وتشاد وجنوب السودان أعداداً كبيرة من الفارين من الحرب، فيما تأثرت دول أخرى بحركة السكان واضطراب طرق التجارة والإمداد.

وأشارت إلى بيانات منشورة في عام 2026 تفيد بتسجيل أكثر من 4.6 مليون حركة عبور إلى الدول المجاورة منذ اندلاع الحرب، مؤكدة ضرورة التمييز بين إجمالي حركات العبور وعدد الأشخاص الموجودين فعلياً خارج السودان، لاحتمال عودة بعضهم أو انتقالهم إلى دول أخرى.

وأضافت أن المخاطر تشمل أيضاً انتشار السلاح، وحركة المقاتلين، وشبكات التهريب، واحتمالات امتداد المواجهات إلى مناطق حدودية هشة، فضلاً عن الضغوط على الخدمات في المجتمعات المستضيفة واضطراب التجارة والإمدادات وتأثر الاقتصادات المرتبطة بالسودان.

ورأت أن استمرار تدفق السلاح والتمويل والدعم الخارجي إلى الأطراف المتحاربة يعزز قدرتها على مواصلة القتال ويضعف فرص التسوية. لذلك، اعتبرت أن استقرار السودان يمثل مصلحة مشتركة لدول الجوار، ويتطلب منع التدخلات التي تغذي الحرب، وتأمين الحدود، ودعم اللاجئين والمجتمعات المستضيفة، وتنسيق الجهود لوقف إطلاق النار، مع احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.

اعتبر المحلل السياسي كبير أن التفاوض والتسوية السياسية الشاملة، وليس مجرد هدنة أو وقف مؤقت لإطلاق النار، يمثلان المسار المطروح لإنهاء الحرب، شريطة معالجة جذور الأزمة، ومشاركة المجتمع الدولي بصفته ضامناً وميسراً للعملية وشريكاً في إعادة الإعمار.

وأشار إلى أن السودان يواجه أزمة إنسانية واقتصادية معقدة، إلى جانب مخاطر فشل الموسم الزراعي واحتمال تفاقم انعدام الأمن الغذائي، بما يستدعي تدخلاً ومساعدة من المجتمع الدولي.

ودخلت الحرب في السودان عامها الرابع وسط مجاعة وارتفاع الفقر إلى 70% ونزوح أكثر من 11 مليون شخص، فيما أكدت بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن نحو 12.7 مليون امرأة وفتاة في السودان يحتجن هذا العام وحده إلى الدعم من خدمات مكافحة العنف القائم على النوع، أي ما يعادل أربعة أمثال العدد منذ بداية الحرب.

وشدد كبير على أن معالجة الأزمة تتطلب:

  • استعادة المسار المدني الديمقراطي
  • التعامل مع المشكلات الهيكلية للدولة
  • بناء جيش واحد مهني لا يمارس السياسة أو الاقتصاد ولا يتدخل في الحكم، بل يقتصر دوره على حماية البلاد من التهديدات الخارجية.

وأضاف كبير، أن المؤسسة العسكرية القائمة، تمثل أحد أبرز التحديات أمام استقرار السودان، في ضوء تاريخها الطويل في خوض الحروب. لكنه يرى أن التحالف الذي يقود البلاد لا يمتلك القدرة أو الرغبة أو الإرادة اللازمة للانخراط في انتقال سياسي جديد، لأنه يقدم مصالحه الأيديولوجية والضيقة على المصلحة الوطنية.

وخلص كبير إلى أن إخضاع هذه القوى لمسار الحل التفاوضي يتطلب ممارسة ضغوط دولية عليها، بما يدفعها إلى معالجة جذور الأزمة، وإشراك القوى السياسية صاحبة المصلحة في التغيير في صياغة حلول دائمة. 

فيما اختتم حسب النبي رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية، قائلا: إن أزمة السودان تتطلب تشخيصاً دقيقاً وحلولاً جذرية تفضي إلى تأسيس دولة جديدة على أساس المواطنة والحقوق، منتقداً استمرار قطاعات من النخبة السياسية في تبني رؤى قديمة والسعي إلى التأثير في شكل السودان بعد الحرب.

وشدد على أن الشعب السوداني لن يسمح باختطاف مستقبل البلاد بعد الحرب، داعياً النخب السياسية إلى العمل مع الإرادة الوطنية الساعية إلى تأسيس «السودان الجديد».

وحددت خمسة عوامل رئيسية تعرقل تحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة:

  • تضارب حسابات الأطراف المتحاربة: إذ يقل استعداد الأطراف لوقف القتال عندما يعتقد كل منها أنه قادر على تحسين موقعه بالقوة.
  • تعدد المصالح الخارجية: فالاختلاف حول مستقبل السودان أو العلاقات مع القوى المتحاربة يضعف الضغط الجماعي.
  • تعدد مسارات الوساطة: إذ قد يتحول تعدد الوسطاء إلى تنافس على قيادة العملية أو إلى إرسال رسائل متعارضة.
  • ضعف آليات التنفيذ والرقابة: فإعلان الهدنة لا يكفي دون آليات للتحقق من الالتزام، ورصد الخروقات، وضمان وصول المساعدات وتحديد عواقب الانتهاكات.
  • قصور المسار السياسي المدني: إذ لا يمكن اختزال الأزمة في اتفاق بين القيادات العسكرية، من دون معالجة مسألة شرعية الحكم وأساسه الدستوري.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل السودان

وحول المسارات المحتملة للمرحلة المقبلة، قالت هداية إنه لا يمكن الجزم بسيناريو واحد، لكن يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية تتأثر بتوازنات الميدان، ومواقف الأطراف الخارجية، وقدرة القوى المدنية على بلورة بديل سياسي مقبول.

أولاً: استمرار الحرب والاستنزاف.

يظل هذا السيناريو قائماً إذا استمرت الأطراف في الاعتقاد بإمكانية الحسم العسكري، وتواصل تدفق السلاح والتمويل، وفشلت الضغوط الدولية في تغيير حساباتها. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والخدمي، وتفاقم النزوح، واتساع اقتصاد الحرب، وارتفاع مخاطر الانقسام المؤسسي والمجتمعي.

ورأت أن الحد من هذه المخاطر يتطلب تقليص مصادر تمويل الحرب وإمدادها، واحترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وتنسيق الضغوط الدولية والإقليمية لوقف العمليات العسكرية.

ثانياً: تسوية تفرضها الضغوط وتوازنات الحرب.

قد تتجه الأطراف إلى التفاوض مع ارتفاع كلفة القتال، أو تغير حساباتها الميدانية، أو تزايد الضغوط الخارجية. وقد تبدأ التسوية بهدنة إنسانية محددة، يعقبها وقف أوسع لإطلاق النار، ثم مفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية ومستقبل السلطة.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب آليات للمراقبة وضمانات للتنفيذ، والتزاماً بوقف التصعيد وفتح الممرات الإنسانية ومنع تجدد القتال.  وحذرت هداية من أن تتحول التسوية إلى إعادة إنتاج الشراكة العسكرية التي أضعفت الانتقال السابق، أو إلى تقاسم جديد للسلطة بين حاملي السلاح على حساب المجتمع والقوى المدنية، بما قد يقود إلى فشلها وتجدد الحراك الثوري.

ثالثاً: انتقال سياسي جديد يعيد تأسيس الدولة.

وأوضحت أن هذا السيناريو لا يعني العودة الحرفية إلى ترتيبات ما قبل انقلاب 2021، بل بناء انتقال جديد يستفيد من إخفاقات التجربة السابقة. ويتطلب ذلك وقفاً مستداماً لإطلاق النار، وتوافقاً مدنياً واسعاً، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وإطاراً دستورياً انتقالياً يحدد صلاحيات المؤسسات ويضمن المساءلة ويمهد لحكم مدني شرعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *