
بعد نحو 7 سنوات من توقيع الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا، عاد الخلاف حول حدود شرق البحر المتوسط إلى الواجهة، لكن هذه المرة بتحول لافت في موقف البرلمان الليبي، الذي انتقل من رفض الاتفاق إلى المصادقة عليه، وسط اعتراضات مصرية ويونانية، وتوسع التعاون بين أنقرة وطرابلس في استكشاف النفط والغاز.
ويطرح هذا التحول تساؤلات حول تداعيات الاتفاق على حقوق مصر البحرية، خصوصًا مع تعارض المطالبات بشأن ترسيم الحدود والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، فإلى أي مدى يمكن أن يؤثر الاتفاق على مصالح القاهرة رغم رفضها له؟
بدأت القصة في نوفمبر 2019، عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج مذكرة لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، شملت المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وهما منطقتان تتمتع فيهما الدول بحقوق استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها.
رسمت المذكرة خطًا بحريًا بين تركيا وليبيا، لكنها أثارت اعتراض اليونان بسبب تجاهل الحقوق البحرية لجزرها، خصوصًا كريت، فيما رفض مجلس النواب الليبي الاتفاق عام 2020، وأصدر قرارًا بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
وفي أغسطس 2020، وقعت مصر واليونان اتفاقًا لترسيم جزء من حدودهما البحرية، مع السماح باستكمال الترسيم لاحقًا، بينما حدد الاتفاق التركي الليبي خطًا بحريًا لا تسمح بنوده بتعديله وفق إجراءات المراجعة المنصوص عليها فيه.
يبدأ الخلاف من طريقة رسم الحدود البحرية، إذ حددت مذكرة تركيا وليبيا عام 2019 خطًا بين نقطتين يشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، بينما رسمت مصر واليونان عام 2020 خطًا من 5 نقاط لتحديد جزء من حدودهما الاقتصادية البحرية، مع ترك المجال لاستكمال الترسيم لاحقًا بالتفاوض مع الدول المعنية.
ويتمثل الخلاف الجغرافي الأبرز في احتساب حقوق الجزر اليونانية، خصوصًا كريت، إذ يقوم الترسيم التركي الليبي على اتصال بحري بين البلدين لا يمنح الجزر اليونانية الواقعة بينهما الأثر الذي تطالب به أثينا، بينما يستند الاتفاق المصري اليوناني إلى احتساب حقوق تلك الجزر في تحديد المناطق البحرية، ما يؤدي إلى تداخل المطالبات بشأن أجزاء من شرق المتوسط.
أما الاختلاف القانوني، فيتعلق بإمكانية تعديل الحدود، إذ تسمح اتفاقية مصر واليونان بمراجعة نقطتي البداية والنهاية عند الاتفاق مع دول مجاورة، بينما تمنع المذكرة التركية الليبية تعديل أحكام خط الترسيم وفق إجراءات المراجعة الواردة فيها، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية جديدة يتطلب معالجة الخلاف حول الحدود وحقوق الدول الأخرى.
لم يتوقف الخلاف عند الاتفاقيات البحرية، إذ أصدرت مصر في ديسمبر 2022 القرار الجمهوري رقم 595، الذي حدد حدودها البحرية الغربية في المتوسط، متضمنًا خطًا يمتد شمالًا بمحاذاة خط طول 25 درجة شرقًا، وفق نص القرار المنشور على الجريدة الرسمية.
وفي يونيو 2025، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية الحكومية لإجراء دراسات جيولوجية في 4 مناطق بحرية، إلى جانب بحث تنفيذ مسوحات زلزالية بطول 10 آلاف كيلومتر، بهدف دراسة الموارد المحتملة.
وفي سبتمبر 2025، كشفت صحيفة كاثيميريني اليونانية أن سفينة الأبحاث النرويجية “رامفورم هايبريون” أجرت مسوحات زلزالية لصالح مصر قرب حدودها البحرية الغربية، شملت مناطق تطالب بها ليبيا وجزءًا من منطقة بحرية مرتبطة باتفاقات التنقيب مع شركة البترول التركية الحكومية.
عاد الاتفاق إلى الواجهة في 20 أكتوبر، بعدما صوت مجلس النواب الليبي بالإجماع على اعتماده، وألغى قراري رفض المصادقة وقطع العلاقات السياسية مع تركيا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الليبية عن المتحدث باسم المجلس عبدالله بليحق.
رحبت الخارجية التركية بالتصويت، في بيان على موقعها الرسمي، معتبرة أن المذكرة تحمي مصالح البلدين وفق القانون الدولي، بينما رفضت اليونان القرار، مؤكدة أن الاتفاق يتجاهل الحقوق البحرية لجزرها.
وفي اليوم التالي، أعلنت الخارجية المصرية، في بيان، رفضها القاطع للتصديق، وجددت تمسكها ببطلان المذكرة، معتبرة أنها تمس حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، ومؤكدة احتفاظها بحق حماية حدودها البحرية المعلنة.
تتركز المخاطر في تعارض المطالبات البحرية التركية الليبية مع اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان عام 2020، بسبب الخلاف حول الحقوق البحرية للجزر اليونانية، خصوصًا كريت، ما يثير نزاعًا بشأن المناطق التي يحق لكل دولة استكشاف مواردها الطبيعية واستغلالها.
ويمتد الخلاف إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري لمصر، خصوصًا قرب حدودها الغربية مع ليبيا، حيث تتعارض بعض المطالبات الليبية مع الحدود التي أعلنتها القاهرة عام 2022، ما قد يؤثر في حقوق التنقيب عن النفط والغاز.
وقد يؤدي استمرار هذه المطالبات المتعارضة إلى تعقيد إصدار تراخيص التنقيب وتنفيذ بعض مشروعات الطاقة والربط البحري مع أوروبا. رغم تصديق البرلمان الليبي على الاتفاق، فإنه لا يصبح ملزمًا لمصر التي لم توقع عليه، لكن تحول موقف البرلمان من الرفض إلى الموافقة يمنح الاتفاق دعمًا سياسيًا أوسع داخل ليبيا، بالتزامن مع توسع التعاون مع تركيا في استكشاف موارد المتوسط.
ومع تمسك القاهرة برفض الاتفاق وتحذيرها من المساس بحقوقها البحرية، واستمرار الخلاف بشأن الحدود وموارد الطاقة، يبقى السؤال: هل يتصاعد النزاع بين الأطراف المعنية، أم تنجح الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى تسوية تراعي حقوق الجميع؟
