احتجاجات فرنسا: روايات مختلفة خلال محاكمة المتهمين بالتخريب

مثُل عدة متهمين تم توقيفهم خلال مظاهرات 17 تشرين الأول/أكتوبر التي شهدتها فرنسا وأثارت الصدمة، أمام محكمة باريس الثلاثاء، حيث واجهوا اتهامات بالعنف ضد الشرطة، ومقاومة الاعتقال، أو إخفاء أغراض مسروقة. وجاءت المحاكمات في ظل أجواء مشحونة خصوصا بعد أن دعا وزير العدل إلى اتخاذ “أقصى درجات الحزم” حيال الموقوفين ورحّب بعدة أحكام قضائية بحقهم، وهو ما انتقده محامون.

انتظر كثيرون الثلاثاء طويلا أمام إحدى قاعات المحكمة القضائية في باريس، قبل نصف ساعة من بدء الجلسات الخاصة بالموقوفين على خلفية أعمال العنف والشغب التي تخللت مظاهرات 17 تشرين الأول/أكتوبر. وقال شرطي كان يقف بجوار الطابور ويرمق أشخاصًا في طليعة الحشود بابتسامة مرحة: “أنتم على عجلة من أمركم! معكم حق، لن تكفي الأماكن للجميع”، حسبما رصدت فرانس24 خلال تواجدها في المكان.

وعند الظهيرة، توافد عدد كبير من الصحافيين ومجموعات من الطلبة، وأشخاص فضوليون، لحضور محاكمة الأشخاص الذين تم توقيفهم على خلفية أحداث العنف والنهب التي تخللت المظاهرات. وكانت الجلسات قد انطلقت فعلا الإثنين، وشملت بشكل رئيسي المتظاهرين الذين قبض عليهم قبل بدء الأحداث، وبشكل رئيسي بتهمة “حيازة أسلحة“.

وفي ظل العدد الهائل من الموقوفين، بعد أن تم وضع 2513 شخصًا في الحبس الاحتياطي خلال يوم واحد فقط، قالت السلطات إنها قد لجأت إلى تدابير استثنائية لمواجهة هذا الوضع، من ذلك: فتح أربع قاعات للمثول الفوري أمام القضاء بشكل متزامن، بدلاً من قاعة واحدة أو اثنتين كما هو معتاد. وتم أيضًا اتخاذ إجراءات “للتدقيق الإضافي” للأشخاص عند مدخل المحكمة لتفادي أي تجاوزات محتملة، وفق ما قال أحد الشرطيين.

قبيل انطلاق الجلسات، جاءت مجموعة مكونة من عدد من هيئات المحامين لتوجيه رسالة إلى رئيسة المحكمة، بغرض الاحتجاج على طريقة تعامل السلطات مع المتظاهرين، وللتنديد بلجوء الحكومة إلى “القمع كرد وحيد” على المطالب المرفوعة من قبل المحتجين.

في هذا السياق، قال المحامي أرييه أليمي لرئيسة المحكمة بنبرة استياء: إن “دورنا كمحامين، يقتضي أن نرفض أي تدخل من وزير سعى إلى توجيه قلمكم خلال الأيام المقبلة”، في إشارة إلى التوجيهات التي أصدرها وزير العدل الفرنسي الذي دعا الثلاثاء إلى “أقصى درجات الحزم” خلال زيارته لمحكمة مدينة ليل. وكان جيرالد دارمانان عبّر عن رضاه بعد حبس 149 من الأشخاص الذي اتهموا بالتورط في أعمال التخريب والنهب، على هامش مظاهرات السبت، وأكد أن أكثر من 800 شخص قد “أُحيلوا إلى القضاء” للمثول أمام المحاكمة.

في قاعة المحاكمة الفورية، مثل المتهم الأول: فيكتور. ب، شاب نحيل كان يرتدي قميصًا وسروالاً جينز أسودي اللون، مع آثار كدمة واضحة تحت عينه اليسرى. واجه هذا الطالب في مجال السمعي البصري، والذي يبلغ 21 عامًا وينحدر من مدينة سارتروفيل في ضواحي باريس، اتهامات بالمشاركة في إقامة الحواجز مع مجموعة مكونة من مئات الأشخاص، وأيضًا بإلقاء الحجارة ومقذوفات أخرى على القوى الأمنية، مع ترديد عبارة “ACAB”، وهي اختصار لعبارة إنكليزية تقول إن “كل رجال الشرطة أوباش”. كما قال عناصر الشرطة الذين اعتقلوه في محضر الضبط القضائي إنه كان “عدائيًا للغاية وعنيفًا“.

في المقابل، ردّ فيكتور. ب، بصوتٍ واهن، واصفًا ما حدث عبر رواية مختلفة تمامًا، حيث أكد أنه كان قد جاء للمشاركة في المظاهرة مع صديقته، التي فقد أثرها وسط الحشود قبل أن ينتابه الخوف بعد أن تدخلت قوات مكافحة الشغب. وقال إنه سقط على الأرض وتعرض للضرب من قبل عناصر الشرطة مشيرا إلى أنه تلقى عدة ضربات بالهراوات على مستوى الرأس. لكن رئيسة الجلسة قالت إن “الطبيب رصد إصابات سطحية” فقط.

كما ردّ الشاب على اتهامات الشرطة قائلا: “لم أرم أبدا الحجارة (على قوات الأمن)، ولم أردد عبارات معادية للشرطة”. لكن ماذا عن الحواجز؟ يوضح الشاب من جانبه أنه قام فقط بإزاحة لوحٍ خشبي كان ملقى على النيران المشتعلة في حاوية قمامة. وحين سُئل حول حيازته لقنبلة دخانية لدى توقيفه، أجاب بأنه كان ينوي استخدامها مع أصدقاء أحضروا كاميراتهم لتصوير فيلمٍ قصير. ردّت عليه الرئيسة: “ألم يكن يجدر بك التفكير أكثر؟”. يتأتئ الشاب المتهم: “لم أكن لألقيها أبدا على قوات مكافحة الشغب“.

من جانبه، قال والد المتهم، الذي كان حاضرا في القاعة، ودعي للتعليق: “هو فتى طيب. لا أعرف ما الذي يفعله هنا. في الحقيقة، أنا مصدوم جدا”. على وقع كلمات والده، ذرف فيكتور بعض الدموع.

لكن المدعية العامة قالت إنها رأت “استعدادا وتصميما من قبل المتهم”، حيث إنه كان قد جاء إلى المظاهرات مرتديا قناعا وحاملاً لسلاح، والتمست بالنظر إلى ذلك عقوبة السجن لمدة 5 أشهر مع الإيداع الفوري في الحبس، برغم خلو سجله العدلي من أية سوابق.

في المقابل، رافع محاميه، بأن موكله كان “في المكان الخطأ في الوقت الخطأ”، مؤكدا على أنه جاء للمشاركة في مظاهرة سلمية. وتساءل الدفاع مستنكرًا: “هل هذه هي الأسلحة، قناع وقنبلة دخانية؟ فلنعتقل إذًا كافة أنصار كرة القدم!”، قبل أن يختتم المرافعة بالدعوة إلى تبرئة موكله.

لاحقًا، مثُل كل من لامين ب. وكذلك سفيان ر.، اللذين يبلغان 38 و34 عاما أمام هيئة المحكمة. واتهم الصديقان بالسرقة الجماعية والإضرار بمساحة عرض محل “لوي فيتون (Louis Vuitton)” داخل متجر “لو برنتان (Le Printemps)” في شارع “هوسمان” بباريس. وألقي القبض على كليهما في صبيحة اليوم الموالي للأحداث أي في 18 تشرين الأول/أكتوبر، عند حدود الساعة السابعة، داخل المتجر الذي تعرض للاقتحام خلال الليل.

الغريب في الأمر، أن المتهم الثاني كان يرتدي حذاءً رياضيًا لنفس هذه العلامة التجارية الفاخرة حيث ألقي القبض عليه، وكان يحمل على ظهره سترة سوداء، وكانا لا يزالان مزودين بالأجهزة المضادة للسرقة. واعترف المتهم بالسرقة إلا أنه رفض الإدلاء بأي تصريحات أخرى.

أما صديقه، فنفى الاتهامات جملة وتفصيلاً وزعم أنه كان فقط يريد شراء الملابس لأطفاله، وقال إنه وجد نفسه محبوسا داخل المتجر رغمًا عنه. وتابع أنه لم يستطع الخروج فقرر الذهاب إلى الحمام لتدخين سيجارة. وأضاف في روايته أنه قام بشرب الكثير من زجاجات الويسكي والفودكا التي أحضرها معه، وشدد على أنه لم يعد يتذكر كل ما حدث بعدها.

أمام هذه الرواية، سألته رئيسة الجلسة: “هل تأخذ معك زجاجات الخمر حين تذهب لشراء الأغراض لأطفالك؟”. فاكتفى بالرد: “سمحوا لنا بالدخول معها (زجاجات الخمر)!”. كذلك، أكد المتهم أنه توجه من تلقاء نفسه إلى أحد أعوان الأمن في الصباح الباكر، بعد أن حاول الاتصال بالشرطة لمرتين بدون جدوى.

في سياق نفس الجلسة، استعرضت رئيسة المحكمة السجل الحافل للمتهم لامين، الذي أدين لما لا يقل عن 22 مرة في السابق تتعلق بأعمال العنف، السرقة، مقاومة الاعتقال، إهانة موظف عمومي أثناء أداء مهامه، إلى جانب القيادة بدون رخصة السياقة. واعترف لامين، أب لخمسة أطفال وينتظر مولوده السادس، بأن لديه “مشكلة مع الكحول”. لكنه حاول التركيز في رده على الاتهامات على وظيفته الجديدة التي يشغلها منذ شهرين كعامل مؤقت في مجال البناء. من جهته، فإن لدى صديقه سفيان، الذي يعمل منذ عام كسائق لرافعة مستودعات لدى شركة أمازون، صحيفة سوابق عدلية حافلة، رغم ذلك، أكد أنه التزم بحسن السلوك منذ خروجه من السجن في 2018.

لكن بالنسبة إلى المدعي العام، فإن المتهمين هما شخصان انساقا وراء الرغبة في الكسب السريع، و”حاولا الاستفادة من الأحداث المؤسفة” التي شهدتها البلاد في عطلة نهاية الأسبوع، والتمس عقوبات تتناسب مع ظروف كل واحد منهما على حدة. في المقابل، حاول محامي الدفاع تصوير الأحداث بما يشبه “حلم يقظة” الذي عاشه شخصان كانا فقط “يجربان الملابس والكراسي المريحة” للعلامة التجارية الفاخرة، وطالب بتبرئتهما.

وتوالى الموقوفون على قفص الاتهام. في كل مرة تطرح عليهم رئيسة الجلسة نفس السؤال: “هل تريد أن تُحاكم بشكل فوري؟”. فحين تنتهي فترة الاحتجاز لدى الشرطة، يجب عرض الموقوفين على القضاء في ظرف 20 ساعة. إلا أن البعض منهم يطلبون مهلة إضافية لتحضير دفاعهم، على غرار بليردا م.، الذي اتهم بالتورط في أعمال عنف على هامش مظاهرات السبت. ويطرح ذلك تساؤلاً جوهريًا: هل يجب وضعهم في الحبس أو الإفراج عنهم في انتظار المحاكمة؟

في هذا السياق، قال محاميه إن موكله مندمج اجتماعيًا ويعمل. رغم ذلك، التمست المدعية العامة له الحبس الاحتياطي بالنظر إلى خطورة الأفعال المنسوبة إليه. لكن آخرين، أبدوا رغبة في المحاكمة الفورية، رغم تعذر العثور على محاميهم لتواجده أصلاً في قاعات المحاكمات الأخرى. هذا حال الشاب مصطفى. د (18 عاما) والذي تمت محاكمته في نهاية يوم الثلاثاء.

يتابع هذا المتهم تكوينا للعمل كمشرف ورشة بناء وليس لديه أي سوابق عدلية، وهم متهم اليوم بإلقاء مقذوفات على الشرطة، مقاومة الاعتقال وحيازة أغراض مسروقة. حيث تم توقيفه وبحوزته سبعة أزواج من النظارات الشمسية وقميص من علامة نايكي. رغم ذلك، نفى المتهم التورط في أعمال العنف، وقال إنه قاوم عناصر الشرطة خلال اعتقاله لأنه لم يكن يستطيع التنفس خلال القبض عليه، وأكد أنه التقط النظارات والقميص بحسن نية. وأضاف: “وجدتها ملقاةً على الأرض، لم أكن أعلم أنها سرقة”.

لكن رئيسة الجلسة ردت عليه: “تعم الفوضى من حولك، وأنت لا ترى سوى هذا؟” وتابعت: “تعلم جيدًا أن مصدر النظارات هو متجر تعرض للنهب؟”، أومأ المتهم برأسه في هدوء، من دون أن ينبس ببنت شفة. عقب ذلك، التمست المدعية العامة إنزال عقوبة السجن النافذ بحقه نظرا إلى الاتهامات الموجهة ضده.

وفي انتظار المداولات، أفرغت قاعة الجلسة من الحضور. في الممر، كان أحد الأشخاص يسير بلا توقف ذهابًا وإيابًا والقلق البالغ بادٍ عليه حيث كان يبحث عن ابنه، شاب اعتُقل هو الآخر في عطلة نهاية الأسبوع بحي “لي هال (Les Halles)” في العاصمة الفرنسية. وقال الرجل بانزعاج: “كنت مضطرا للطلب بإلحاح كبير من أقسام الشرطة (أثر ابنه) حتى عرفت أنه سيمثل أمام المحكمة اليوم (الثلاثاء). أتفهم أن الشرطة تتلقى الكثير من المكالمات، لكن مع ذلك!”. حاولت محامية مساعدته لكن بدون جدوى.

لاحقًا، عاد القضاة إلى قاعة المحكمة للنطق بالأحكام. تمت إدانة فيكتور ب. ومصطفى د. وحُكم عليهما تواليًا بالسجن 6 أشهر و10 أشهر مع وقف التنفيذ، حيث أفلتا من السجن النافذ بفضل خلو سجلاتهما العدلية من أية سوابق. أما في قضية محل لوي فيتون، فقد حُكم على لامين ب. بالسجن لمدة 10 أشهر وفق نظام الحرية النصفية [يتيح للمحكومين مغادرة المؤسسة العقابية للقيام بأنشطة محددة – ملاحظة المحرر]، ما سيسمح له، وفق القاضية، بمواصلة عمله خلال النهار، وقضاء الليل خلف القضبان.

لكن بالنسبة إلى صديقه سفيان، فحُكم عليه بالخضوع للمراقبة الإلكترونية (السوار الإلكتروني) لمدة ستة أشهر.

ومن المقرر أيضا عقد جلسة لاحقا للنظر في الدعوى المدنية الخاصة بتعويض الأضرار المالية التي لحقت بالعلامة التجارية الفرنسية الفاخرة. وفي الأخير، أفلت بليردا من عقوبة الحبس الاحتياطي في انتظار صدور الحكم بحقه، مع وضعه تحت الرقابة القضائية، ما يلزمه بالتوجه إلى مركز الشرطة بشكل أسبوعي حتى موعد الجلسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *