
لم يكن الإعلان عن أربعة مشروعات عقارية وعمرانية بقيمة استثمارية مستهدفة تبلغ نحو 11 تريليون جنيه مصري، أو ما يعادل قرابة 202 مليار دولار، مجرد خبر اقتصادي عابر. فالاتفاق الذي أُعلن عنه في أكتوبر 2026 بين الحكومة المصرية ومجموعة طلعت مصطفى، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، وضع ثلاثة ملفات في قلب النقاش العام: مستقبل الاستثمار العقاري، وأولويات الإنفاق في بلد يواجه أعباء ديون مرتفعة، والعلاقة بين السلطة السياسية وكبار رجال الأعمال.
وفيما احتفت التغطيات الاقتصادية بضخامة المشروعات واتساع نطاقها الجغرافي، اتجهت انتقادات أخرى إلى السؤال عن كلفة هذه التوسعات وعوائدها الفعلية، وما إذا كانت ستنعكس على حياة المصريين، في وقت تواجه فيه الموازنة العامة ضغوطاً متزايدة من مدفوعات فوائد الدين.
وتشمل المشروعات مناطق في شرق القاهرة والإسكندرية وأبو قير والساحل الشمالي. وتقول الحكومة إن الشراكة يُنتظر أن توفر نحو ستة ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحقق إيرادات ضريبية تقدر بنحو 2.4 تريليون جنيه. لكن هذه الأرقام تظل تقديرات مستقبلية مرتبطة بمراحل التنفيذ، وليست نتائج تحققت بالفعل.
لفت الاقتصادي الأمريكي ستيف هانكي، في منشور على منصة إكس، إلى أن قيمة الاستثمارات المعلنة تتجاوز ضعفي مصروفات الموازنة المصرية السنوية، التي تبلغ نحو 5.2 تريليون جنيه، فيما تصل فوائد الدين إلى قرابة 2.42 تريليون جنيه، أي نحو 46.6% من المصروفات.
وتكشف المقارنة عن حجم الضغوط المالية التي تواجهها الدولة، لكنها لا تعني أن الحكومة ستنفق 11 تريليون جنيه خلال عام واحد، فالقيمة المعلنة تمثل استثمارات مستهدفة موزعة على سنوات، ضمن شراكة لتطوير المشروعات وتشغيلها. لذلك، يتوقف التقييم الاقتصادي على تفاصيل التمويل، والتزامات كل طرف، وتكلفة البنية التحتية، وحجم العائد الفعلي الذي سيعود إلى الخزانة العامة.
وتقول الحكومة إن عوائد الشراكة يمكن أن تسهم في تمويل مشروعات عامة، بينها الإسكان الاجتماعي وتطوير المناطق غير المخططة. ولم يقتصر الإعلان على المشروعات الأربعة، فقد طلب السيسي من مجموعة طلعت مصطفى المساهمة في توفير 200 ألف وحدة سكنية للإيجار، في خطوة أعادت البعد الاجتماعي إلى واجهة النقاش.
ويطرح هذا التوجه سؤالا حول قدرة مشروعات عقارية بهذا الحجم أن تحقق عائداً اجتماعياً يتجاوز قيمة الاستثمارات والأرباح؟ لا تكفي الإجابة بعدد الوحدات المعلن عنها، فالأثر الاجتماعي يتوقف على قيمة الإيجار، ومواقع الوحدات، وتوافر المواصلات والخدمات، وشروط الاستحقاق، ومدى تناسب التكلفة المعلنة مع مداخيل الأسر المستهدفة.
وتضيف سيرة رئيس المجموعة بعدا آخر إلى النقاش. فقد أدين هشام طلعت مصطفى في قضية مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم. قُتلت تميم في دبي، وأُدين مصطفى في مصر بتهمة دفع أموال إلى ضابط الشرطة السابق محسن السكري لتنفيذ الجريمة. وبعد إلغاء حكم أولي بالإعدام وإعادة المحاكمة، صدر بحقه حكم بالسجن 15 عاماً، بينما صدر بحق السكري حكم بالسجن 25 عاماً في القضية. وفي عام 2017، شمله عفو رئاسي في عهد السيسي.
وفي أغسطس/آب 2023، قضت محكمة جنايات القاهرة بقبول طلب رد اعتباره في القضية، وهذا إجراء قانوني تترتب عليه آثار تتعلق بالحقوق والآثار الجنائية، لكنه لا ينبغي عرضه باعتباره براءة قضائية جديدة من الوقائع التي صدر بشأنها حكم الإدانة.
وفي يوليو/تموز 2025، أُسقطت دعوى مدنية أقامها رياض العزاوي أمام المحكمة العليا في لندن، طالب فيها بتعويضات عن أضرار نفسية وعاطفية قال إنه تعرض لها بسبب مقتل تميم. ووفقاً لرويترز، استند إسقاط الدعوى إلى مسائل إجرائية، من بينها عدم الإفصاح عن معلومات تتصل بالتأخر في رفعها، كما رأت المحكمة أن دبي هي المكان الأنسب للنظر فيها إذا استمرت الإجراءات.
هذه الوقائع تفسر لماذا تستدعي عودة اسم هشام طلعت مصطفى إلى واجهة المشهد الاقتصادي أسئلة تتجاوز قيمة المشروعات الجديدة. لكنها لا تثبت، في ذاتها، وجود صلة غير مشروعة بين ماضيه القضائي والاتفاق الاستثماري الحالي.
كما أن السؤال الذي يتبادر لأذهان المتابعين يتمحور حول كيف تطور موقع المجموعة في الاقتصاد المصري، وما شروط شراكاتها مع الدولة، ومدى خضوع تخصيص الأراضي وتقاسم العوائد للشفافية والرقابة.
