
بعد 25 عامًا من هجمات 11 سبتمبر/أيلول، لا تزال التداعيات الصحية للهجوم تلاحق المستجيبين الأوائل وعمال الإنقاذ والانتشال والتنظيف، الذين تعرضوا للغبار والدخان والحطام والمواد السامة في موقع مركز التجارة العالمي والبنتاغون.
وتسببت انهيارات المباني والحرائق في انبعاث ملوثات عديدة إلى الهواء، من بينها الأسبستوس والسيليكا والبنزين والمعادن الثقيلة ونواتج الاحتراق، ما جعل المشاركين في عمليات الإنقاذ والتعامل مع آثار الهجمات عرضة للإصابة بأمراض خطيرة، من بينها أنواع نادرة من السرطان.
تشير بيانات برنامج الصحة لمركز التجارة العالمي إلى تسجيل أكثر من 57 ألف حالة سرطان بين الأشخاص المرتبطين بهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، سواء من المستجيبين الأوائل أو عمال الإنقاذ والتنظيف، أو الأشخاص الذين تعرضوا للغبار والدخان والحطام في المنطقة المحيطة بموقع الهجوم.
وتشمل الحالات المسجلة أنواعًا مختلفة من السرطان، من بينها سرطانات الجهاز الهضمي والدم والجهاز التنفسي، إضافة إلى أنواع نادرة نسبيًا، مثل سرطان القنوات الصفراوية وسرطان المرارة.
ولم تقتصر المخاطر الصحية المرتبطة بالهجمات على الإصابات التي وقعت يوم الهجوم، بل امتدت لسنوات طويلة بعده، وفقًا لبيانات البرنامج الصحي.
وبحسب برنامج الصحة، فقد ارتبط التعرض للسموم والملوثات في موقع الهجمات بزيادة خطر الإصابة بـ68 نوعًا من السرطان، ويشمل ذلك أمراضًا ظهرت لدى أشخاص شاركوا في عمليات الإنقاذ والانتشال والتنظيف، أو تعرضوا للغبار والدخان في المنطقة المحيطة بمركز التجارة العالمي.
من بين الأمراض التي ارتبطت بالتعرض للسموم في موقع مركز التجارة العالمي، سرطان القنوات الصفراوية، وهما من السرطانات النادرة التي قد تتطور دون ظهور أعراض واضحة في مراحلها المبكرة، لذلك يُوصف سرطان القنوات الصفراوية أحيانًا بأنه القاتل الصامت.
وتشمل الأعراض المحتملة للمرض ألم البطن، والغثيان أو القيء، واصفرار الجلد والعينين، وظهور كتل في البطن. وقد لا تظهر هذه العلامات في المراحل المبكرة، ما يزيد من صعوبة اكتشاف المرض في الوقت المناسب.
ومن بين مسببات سرطان القنوات الصفراوية والمرارة حصوات المرارة، والتدخين، والتقدم في العمر، والسمنة، والتاريخ العائلي، إلى جانب التعرض لبعض المواد السامة. وتؤكد بيانات برنامج الصحة لمركز التجارة العالمي وجود علاقة بين التعرض للملوثات في موقع هجمات 11 سبتمبر/أيلول وزيادة خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان، من بينها سرطانات القنوات الصفراوية والمرارة.
لا تقتصر التداعيات الصحية الناجمة عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول على الإصابة بنوع واحد من السرطان، إذ أظهرت دراسة تناولت السرطانات الأولية المتعددة ارتفاع معدلات الإصابة بأكثر من سرطان أولي بين المستجيبين للهجمات.
وقارنت الدراسة بيانات 4,815 رجلًا من المستجيبين الذين أُصيبوا بسرطان أولي واحد على الأقل، ببيانات المجموعة المرجعية في قاعدة بيانات برنامج المراقبة الوبائية والنتائج النهائية للسرطان. وتبين أن نسبة الإصابة بأكثر من سرطان أولي كانت أعلى بنحو 84% بين المستجيبين مقارنة بالمجموعة المرجعية، وارتفعت إلى 3.76 مرة بين الذين شُخّصوا بالسرطان للمرة الأولى ضمن الفئة العمرية من 20 إلى 44 عامًا.
كما زادت النسبة بنحو 36% بين من تراوحت أعمارهم بين 45 و54 عامًا. في المقابل، كانت النسبة أقل بنحو 21% لدى الأشخاص الذين شُخّصوا بالسرطان للمرة الأولى في سن 65 عامًا فأكثر، وهو ما يعكس اختلاف معدلات الإصابة باختلاف الفئات العمرية.
كان جاك هيس، عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي، من بين الذين استجابوا لهجوم البنتاغون، وقضى ساعات طويلة في موقع الحطام. وبعد سنوات، أُصيب بسرطان الكلى في المرحلة الرابعة، وأُدرجت حالته ضمن الأمراض التي يغطيها برنامج الصحة لمركز التجارة العالمي.
وتوفي هيس عام 2023 عن عمر ناهز 64 عامًا، فيما أكدت زوجته ساندي أهمية الالتزام بالفحوص الطبية السنوية، خصوصًا للأشخاص الذين تعرضوا للغبار والمواد السامة في أعقاب الهجمات.ورم نخاعي متعدد
عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، كانت ليزا باركر، الصحفية والمنتجة في شبكة «NBC»، موجودة في منطقة مركز التجارة العالمي، وأمضت أسابيع في تغطية عمليات الإنقاذ والبحث عن الناجين. وفي عام 2025، شُخِّصت باركر بالورم النخاعي المتعدد، بعدما أظهرت الفحوص أن 94% من نخاع عظامها كان ممتلئًا بالخلايا السرطانية.
وخضعت للعلاج الكيميائي والعلاج المناعي، ودخل المرض في حالة هدوء، لكنه لا يزال غير قابل للشفاء، ما يتطلب منها إجراء فحوص دم شهرية لمتابعة حالتها الصحية.كتلة في الرقبة تكشف عن سرطان البلعوم
وصل كريس بولز إلى نيويورك بعد ثلاثة أيام من الهجمات، وعمل أكثر من ثلاثة أسابيع في موقع الحطام، وسط الغبار والأسبستوس ووقود الطائرات. وكان بولز، الذي عمل رجل إطفاء لمدة 32 عامًا، يعتقد أن الكتلة التي ظهرت في رقبته أواخر عام 2025 مجرد ورم دهني.
لكن الفحص الطبي كشف إصابته بسرطان البلعوم الفموي، الذي امتد إلى إحدى العقد اللمفاوية. وخضع للعلاج الإشعاعي مرتين يوميًا لمدة تقارب ستة أسابيع، وأنهى العلاج في يونيو/حزيران 2026، فيما أظهر فحص التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني نتائج مطمئنة.
وتكشف هذه الحالات أن الآثار الصحية لهجمات 11 سبتمبر لم تنتهِ بانتهاء عمليات الإنقاذ، بل لا تزال تظهر بعد سنوات طويلة في صورة سرطانات نادرة، أو إصابة الشخص نفسه بأكثر من سرطان أولي، ما يفرض استمرار المتابعة الطبية للمصابين والمستجيبين.
المصدر: الغد
