القصة الكاملة لقيام المغربي محمد بويري بقتل وذبح “ثيو فان جوخ

المخرج الهولندي ثيو فان جوخ قُتل عام 2004 هو ابن حفيد ثيو فان جوخ (شقيق الرسام الشهير فنسنت فان جوخ). أي أن الرسام العالمي فنسنت فان جوخ هو (الخال الأكبر أو العم الأكبر لجد المخرج)، مما يجعلهما من نفس السلالة والعائلة العريقة.

  • هويته: مخرج وممثل ومنتج سينمائي وتلفزيوني هولندي.
  • شهرته: عُرف بآرائه السياسية المثيرة للجدل وانتقاداته الحادة والمستمرة.
  • سبب اغتياله: قُتل في 2 نوفمبر 2004 في أمستردام على يد شاب من اصول مغربية يدعى محمد بويري، وذلك بعد إخراجه لفيلم قصير يسمى “الخضوع” أو “الاستسلام من الاسلام” (Submission) الذي انتقد فيه وضع المرأة  المسلمة

أظهر فيلم “الخضوع” (Submission) للمخرج ثيو فان جوخ والذي كتب نصه الكاتبة آيان حرسي المسلمة السابقة من الصومال علي أربع آيات قرآنية كُتبت على أجساد نساء، استُخدمت هذه الآيات، التي تتناول قضايا القوامة وعقوبة الزنا وأحكام المحيض، لتقديم سردية نقدية حول عنف القرآن ضد المرأة في سياق الفيلم.

نص الآية 2 من سورة النور هو: 

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}

استعرض الفيلم هذه الآية بالذات ليوجه نقدًا سينمائيًا لعقوبة الجلد. حيث ركز العمل على فكرة “الرأفة والشدة” في تطبيق العقوبات الجسدية على النساء في بعض المجتمعات، واعتبرتها الكاتبة آيان حرسي علي نوعًا من القسوة ضد المرأة، وهو ما جعل الفيلم يثير عاصفة ضخمة من الجدل محليًا ودوليًا. 

السبب الحقيقي والرئيسي وراء غضب المسلمين العارم وهياج الرأي العام ضد المخرج ثيو فان جوخ لم يكن يقتصر على اختيار آيات معينة من القرآن، بل كان يعود إلى طريقة العرض البصرية ونوعية الآيات المكتوبة التي اعتبرها المسلمون إهانة بالغة للمقدسات. 

تجسدت عناصر هذا الغضب في الجوانب التالية:

1الآيات الأخرى المكتوبة على الجسد

بجانب آية جلد الزناة، كتب المخرج آيات أخرى تلمس قضايا حساسة جداً تم تفسيرها في سياق السيناريو بشكل هجومي ونقدي حاد: 

  • آية ضرب النساء (سورة النساء – الآية 34): النص الذي يتناول القوامة وحالات النشوز والصلح، حيث كتب المخرج نص {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} على ظهر امرأة تظهر عليها آثار جلد وجروح بالغة. أراد الفيلم عبر هذا المشهد اتهام النص القرآني مباشرة بالتشجيع على العنف المنزلي وضبط العلاقات الزوجية بالقوة الجسدية. 
  • آية المحيض (سورة البقرة – الآية 222): النص الذي يقول {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}. تم عرضها في إطار سينمائي يوحي بأن الأحكام الشرعية تنظر لجسد المرأة كشيء “نجس” أو معيب خلال فتراتها الطبيعية، مما أثار استفزازاً كبيراً بسبب إسقاط الآية في غير موضعها التكريمي والطبّي. 
  • آية الحجاب وغض البصر (سورة النور – الآية 31): وهي الآية الطويلة التي تحث النساء على غض البصر وحفظ الفروج وإبداء الزينة إلا لِـمَحارمهن وضُربت على جسد الممثلة وهي تشتكي في الخلفية الصوتية من القيود الاجتماعية المفروضة عليها. 

ما فجّر غضب المسلمين في هولندا وخارجها لم يكن مجرد نقاش فكري حول الآيات، بل الأمور الآتية:

  • انتهاك قدسية النص: كتابة كلام الله من القرآن، الذي يعتبره المسلمون مقدساً ومطهراً، بالحبر الأسود مباشرة فوق بشرة وجلد امرأة عارية تماماً (تظهر تحت رداء شفاف). 
  • الربط بين الوحشية والقرآن: تعمّد المخرج تسليط الإضاءة والكاميرا على الآيات المكتوبة بحيث تختلط الخطوط العربية للقرآن مع آثار الدماء، الكدمات، وعلامات الجلد الناتجة عن الضرب. واعتُبر هذا توجيهاً صريحاً ومباشراً بأن القرآن هو المتسبب والدافع الأساسي وراء تعذيب واغتصاب النساء. 
  • اسم الفيلم وسياقه: اختيار اسم “الخضوع” (Submission) وهو الترجمة الحرفية التي وضعها صُنّاع العمل لكلمة “الإسلام”، مما جعل الرسالة العامة للفيلم تبدو وكأنها لا تنتقد سلوكيات أفراد، بل تهاجم الدين الإسلامي ككل وتصفه بدين القهر والعبودية للمرأة. 

هذه التوليفة البصرية اعتبرتها الجاليات المسلمة والمؤسسات الإسلامية آنذاك تعدياً صارخاً وتجاوزاً لكل خطوط حرية التعبير الحمراء، مما خلق حالة الاحتقان الشديدة التي انتهت بالحادثة المأساوية واغتيال المخرج في شوارع أمستردام. 

بعد عرض فيلم “الخضوع” واغتيال المخرج ثيو فان جوخ في نوفمبر 2004، شهدت هولندا تحولاً جذرياً وهزّة سياسية واجتماعية غير مسبوقة غيرت شكل المجتمع الهولندي لسنوات طويلة.

1. الاستقطاب السياسي وصعود اليمين السياسي

  • نهاية عصر “التسامح الهولندي” التقليدي: لفترة طويلة، كانت هولندا تُعرف بسياسة “البلاد المفتوحة والمستوعبة لجميع الثقافات”. بعد الحادثة، انهار هذا المفهوم سياسياً، وتصاعد الخطاب الذي يرى أن هناك “صراع حضارات” داخل الدولة.
  • بزوغ نجم خيرت فيلدرز (Geert Wilders): استخدم السياسي الهولندي خيرت فيلدرز الأجواء المشحونة لتأسيس حزبه “من أجل الحرية” (PVV) وتبنى خطاباً شديد الهجوم والنقد للإسلام والمهاجرين، وهو الخطاب الذي بدأ يكتسب شعبية برلمانية واسعة وتصاعد تدريجياً حتى وصل لحكم ومشاركة فاعلة في السياسة الهولندية لاحقاً.

2. تشديد قوانين الهجرة والاندماج

  • شروط صارمة للمهاجرين: فرضت الحكومة الهولندية إجراءات واختبارات قاسية للاندماج (Inburgering). أصبح لزاماً على المهاجرين الجدد تعلم اللغة الهولندية وقبول “القيم الليبرالية الهولندية” كشرط أساسي للإقامة.
  • الرقابة على المساجد والأئمة: بدأت الأجهزة الأمنية والسياسية بفرض رقابة مشددة على التمويل الخارجي للمساجد، وطالبت بأن يكون الأئمة مؤهلين داخل هولندا ويتحدثون الهولندية لضمان عدم نشر أفكار متطرفة.

3. معركة “حرية التعبير” ضد “المقدسات”

  • دعم حكومي لحرية التعبير المطلقة: دافع السياسيون الهولنديون باستماتة عن حق المفكرين والفنانين في نقد الأديان. وأكدت الحكومة أنه لا يمكن تقديم أي تنازلات في مسألة حرية الرأي تحت وطأة التهديد والعنف.
  • إلغاء قانون تجريم تجديف الأديان: لاحقاً، دفع هذا المناخ السياسي البرلمان الهولندي إلى إلغاء القوانين القديمة التي كانت تجرّم “إهانة الذات الإلهية” أو التجديف بالأديان، لتصبح السخرية من الأديان محمية بالكامل بموجب القانون.

4. موجة من العنف المتبادل واستهداف دور العبادة

  • اضطرابات الشوارع: في الأسابيع الأولى التي تلت الاغتيال، شهدت هولندا موجة من الهجمات الانتقامية؛ حيث تعرضت عشرات المساجد والمدارس الإسلامية لمحاولات حرق عمدي وتخريب.
  • استهداف الكنائس: في المقابل، تعرضت بعض الكنائس لعمليات تخريب انتقامية، مما وضع البلاد على حافة فتنة طائفية استدعت تدخل الحكماء من الطرفين لتهدئة الأوضاع.

5. مصير كاتبة نص الفيلم الصومالية آيان حرسي علي (Aayan Hirsi Ali)

  • العزل والحماية الأمنية: الكاتبة الصومالية الأصل التي ألفت سيناريو الفيلم كانت المستهدفة الأساسية في رسالة القاتل التي تركها مغروسة بسكين في صدر المخرج. تم نقلها فوراً إلى مخابئ سرية تحت حراسة مشددة على نفقة الدولة.
  • مغادرة هولندا: بعد ملاحقات سياسية وقانونية حول صحة بيانات لجوئها القديمة، واحتجاج جيرانها على المخاطر الأمنية لوجودها، اضطرت آيان حرسي علي للاستقالة من البرلمان الهولندي ومغادرة البلاد نهائياً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتكمل نشاطها من هناك.

تلقى المخرج ثيو فان جوخ والكاتبة آيان حرسي تهديدات فعلية ومباشرة بالقتل فور عرض فيلم “الخضوع” في أغسطس 2004، وقبل شهرين كاملين من تنفيذ عملية الاغتيال.

طبيعة التهديدات قبل الاغتيال

  • تهديدات بالقتل مجهولة المصدر: فور بث الفيلم على التلفزيون الهولندي، غمرت رسائل التهديد بالقتل البريد الإلكتروني للمخرج، وتلقى اتصالات هاتفية وعيداً صريحاً بالتصفية الجسدية.
  • الحراسة الأمنية لآيان حرسي علي: نظراً لخطورة التهديدات، وافقت الكاتبة آيان حرسي علي فوراً على خوض نظام حماية أمني صارم ووُضعت تحت حراسة شرطية مشددة على مدار الساعة.
  • موقف ثيو فان جوخ الساخر: رفض ثيو فان جوخ بشكل قاطع الحصول على أي حراسة شخصية أو حماية من الشرطة، وسخر علناً من هذه التهديدات قائلاً جملته الشهيرة: “من سيعير اهتماماً لقرية القرية (أمستردام)؟ ومن سيقتل أحمق المدينة؟”، مؤمناً بأن حرية التعبير في هولندا ستحميه وأن التهديدات مجرد كلام عبر الإنترنت.

لم يكتفِ القاتل “محمد بويري” بالتهديد عن بعد، بل خطط ونفذ جريمته في 2 نوفمبر 2004، وترك رسالة تهديد فعلية ومخيفة ثبتها بسكين طعن بها صدر المخرج بعد إطلاق النار عليه وكاد يفصل رأسه عن جسده بالكامل.كانت الرسالة المكونة من 5 صفحات مكتوبة باللغة الهولندية، وحملت عنواناً واضحاً: “رسالة مفتوحة إلى آيان حرسي علي“. وتضمنت الرسالة ما يلي:

  • وعيد صريح لآيان حرسي علي: أكد القاتل في رسالته أن الدور القادم سيكون عليها، وأنها لن تفلت من العقاب والموت مهما بلغت حراستها.
  • تهديد الساسة والغرب: هاجمت الرسالة النظام السياسي الهولندي والولايات المتحدة الأمريكية، وتوعدت بتدمير ما وصفته بـ”قوى الكفر والشرك”.
  • إطلاق النار: كان ثيو فان جوخ يركب دراجته الهوائية عندما تعرض لإطلاق نار من قبل محمد بويري، مما أدى إلى إصابته وسقوطه.
  • الاعتداء بالسلاح الأبيض: بعد سقوط المخرج، استخدم الجاني سلاحاً أبيضاً كبيراً لتنفيذ اعتداء عنيف على منطقة الرقبة. وذكرت التقارير الطبية والقضائية أن شدة الاعتداء أدت إلى إصابة بالغة جداً في الرقبة وُصفت بأنها “شبه انفصال” (Nearly decapitated)، لكن الرأس ظل متصلاً بالجسد.
  • رسالة التهديد: قام الجاني بغرس سكين في صدر المخرج لتثبيت رسالة تهديد كانت موجهة لشخصية سياسية أخرى. 

تسببت هذه الحادثة، التي وقعت في وضح النهار أمام المارة، في صدمة كبيرة للمجتمع الهولندي وأدت إلى توترات واسعة. وبناءً على هذه الجرائم، أصدرت المحكمة حكماً على محمد بويري في عام 2005 بـالسجن مدى الحياة دون أي احتمال للإفراج المشروط. 

قانونياً وأمنياً، لا تعفى السلطات تماماً من المسؤولية عند رفض الشخص للحراسة، ولكن هذا الرفض يُغير بشكل جذري من قدرة الأجهزة الأمنية على التدخل والتحرك، ولا يُعتبر “إهمالاً متعامداً” من جانبها.

في النظم الديمقراطية والليبرالية (مثل هولندا)، يخضع تقديم الحراسة الشخصية اللصيقة لضوابط قانونية وأمنية دقيقة تلخصت في حالة ثيو فان جوخ كالآتي:

1. مبدأ “الحرية الشخصية” والقانون

  • لا تملك الشرطة أو الأجهزة الأمنية الحق القانوني في إجبار مواطن بالغ على قبول حراسة شخصية لصيقة (برفقة رجال شرطة مسلحين طوال الوقت) إذا كان يرفض ذلك بشكل قاطع.
  • يرى القانون أن إجبار شخص على الحراسة يُعد انتهاكاً لخصوصيته وحريته في التنقل، ما لم يكن الشخص يشغل منصباً سيادياً رسمياً في الدولة (مثل رئيس الوزراء أو الملك).

2. تقييم المخاطر مقابل طبيعة الشخصية

  • الحراسة لآيان حرسي علي: وافقت الكاتبة على الفور على التقييم الأمني وتم نقلها لأماكن سرية وتوفير حراسة مشددة لها لأنها قبلت التعاون مع الأمن.
  • موقف ثيو فان جوخ: كان مخرجاً مستقلاً ويسخر علناً من التهديدات ويرفض تغيير نمط حياته اليومي (مثل ركوب الدراجة بمفرده في شوارع أمستردام). عندما يرفض المستهدف التعاون، يصبح من المستحيل تقريباً على أجهزة الأمن حمايته دون علمه أو رغماً عنه.

الجدل السياسي والحقوقي الذي ثار بعد الجريمة في هولندا لم يكن حول “عدم إجبار ثيو على الحراسة”، بل تركز الانتقاد على إهمال استخباراتي من نوع آخر:

  • تبين لاحقاً أن القاتل “محمد بويري” كان تحت مراقبة جهاز الاستخبارات الهولندي (AIVD) لفترة من الوقت كجزء من مجموعة متطرفة تُعرف باسم “شبكة هوفستاد” (Hofstad Network).
  • الخلل الأمني الحقيقي كان في فشل الأجهزة الأمنية في تقدير مدى خطورة القاتل؛ حيث اعتقدت الاستخبارات قبل الحادثة أن هذه المجموعة لا تشكل تهديداً إرهابياً فورياً أو مسلحاً، ولذلك توقفت عن مراقبة بويري بشكل دقيق قبل أسابيع من الهجوم.

لذلك، من الناحية الإجرائية، لم تهمل السلطات في حراسة ثيو لأنه هو من رفضها، لكنها واجهت انتقادات حادة بسبب الفشل في تحييد الخطر (القاتل) نفسه قبل أن ينفذ جريمته.

بعد وقوع الجريمة، خضع جهاز الاستخبارات والأمن العام الهولندي (AIVD) لتحقيقات برلمانية وسياسية مكثفة كشفت عن ثغرات أمنية خطيرة، وأدت إلى تغييرات جذرية في هيكل الأمن القومي في هولندا.

إليك أبرز ما كشفته التحقيقات والنتائج التي ترتبت عليها:

1. الثغرات التي كشفتها التحقيقات

  • الفشل في تقدير الخطورة: تبين أن القاتل محمد بويري وأعضاء “شبكة هوفستاد” الإرهابية كانوا معروفين تماماً ومسجلين لدى الاستخبارات. ومع ذلك، صنفهم الجهاز كـ “مجموعة من الشباب المتشددين فكرياً” وليس كـ “خلايا إرهابية مسلحة خطيرة”، مما جعلهم خارج دائرة المراقبة اللصيقة.
  • إيقاف المراقبة في الوقت الخطأ: كشفت التحقيقات أن الاستخبارات رفعت المراقبة الفعلية عن محمد بويري قبل أسابيع قليلة من الهجوم، مبررة ذلك بنقص الموارد البشرية والتركيز على أهداف أخرى اعتبرتها أكثر خطورة آنذاك.
  • ضعف التنسيق: كان هناك غياب تام للتنسيق وتبادل المعلومات بين جهاز الاستخبارات المركزي (AIVD) والشرطة المحلية في أمستردام، مما منع الأخيرة من رصد تحركات بويري المريبة في محيط سكن المخرج.

2. التغييرات الأمنية الكبرى بعد التحقيق

أجبرت نتائج هذه التحقيقات الحكومة الهولندية على إعادة بناء منظومتها الأمنية بالكامل لحماية المجتمع:

  • تأسيس منصب المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب (NCTV): تم إنشاء هذه الهيئة كمظلة عليا لتوحيد جهود الاستخبارات، الشرطة، والوزارات السيادية، لضمان تبادل المعلومات الفوري وعدم تكرار الأخطاء التنسيقية.
  • صلاحيات مراقبة أوسع: مُنحت الأجهزة الأمنية صلاحيات قانونية غير مسبوقة للتجسس الرقمي، مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، واختراق المنتديات المتطرفة دون الحاجة لإجراءات قضائية مطولة.
  • الاعتقال الوقائي: تم تعديل القوانين للسماح بالسجن والاعتقال الوقائي لأي شخص يثبت تخطيطه أو تحريضه على أعمال إرهابية، حتى قبل الشروع في تنفيذها.

بسبب هذه التحقيقات، تحول نظام الأمن الهولندي من نظام يعتمد على “رد الفعل” بعد وقوع الجرائم، إلى نظام “استباقي وهجومي” يركز على تفكيك الخلايا المتطرفة في مهدها.

كلمة “هوفستاد” (Hofstad) هي كلمة هولندية تعني حرفياً “مدينة البلاط” أو “مدينة القصر” (Court City). 

يُستخدم هذا المصطلح تاريخياً في هولندا كلقب شعبي لـ مدينة لاهاي (Den Haag)؛ لكونها المدينة التي تضم مقار الحكومة البرلمانية، ومحكمة العدل الدولية، والقصور الرسمية للعائلة الملكية الهولندية (رغم أن أمستردام هي العاصمة الرسمية للبلاد). 

أما في السياق الأمني والقضائي، فقد ارتبط هذا الاسم بالقضية كالآتي:

  • الاسم المشفر: كان مصطلح “هوفستاد” في الأصل اسماً حركياً سرياً (Codename) استخدمه جهاز الاستخبارات الهولندي (AIVD) لتسمية هذه المجموعة أثناء مراقبتها. 
  • السبب: أطلق الأمن هذا الاسم لأن عدداً من الأعضاء المؤسسين والمحركين لهذه الخلية الإرهابية (ومن بينهم مرشدهم الروحي) كانوا يعيشون أو يلتقون في مدينة لاهاي. 
  • التداول الإعلامي: بعد اغتيال ثيو فان جوخ واعتقال أفراد الخلية، تسرب هذا الاسم الرمزي من التحقيقات إلى وسائل الإعلام والصحافة، فأصبح يُعرفون دولياً ومحلياً باسم “شبكة هوفستاد” (Hofstad Network). 

اسم الجماعة تم اطلاقه من قِبل جهاز الاستخبارات الهولندي (AIVD) كاسم شفرة سري لأغراض المراقبة والأرشفة فقط، وذلك لأن نواة الجماعة نشأت في مدينة لاهاي الملقبة بـ “مدينة البلاط” Hofstad.

أما بالنسبة لأعضاء الجماعة أنفسهم:

  • اسمهم الفعلي: لم يكن للجماعة اسم رسمي معلن أو هيكل تنظيمي تقليدي، بل كانوا يطلقون على أنفسهم ألقاباً عامة مثل “جماعة التوحيد” أو مجرد إخوة في الله.
  • أهدافهم الحقيقية: لم يكن هدفهم الواقعي تحويل هولندا بالكامل إلى مملكة إسلامية؛ لأنهم كانوا يدركون صغر حجمهم (مجموعة شباب لا يتجاوز عددهم العشرات). بدلاً من ذلك، كانت أهدافهم تتركز على الانتقام من الشخصيات التي يعتبرونها مسيئة للإسلام (مثل ثيو فان جوخ وآيان حرسي علي) [1.1.2، 1.2.4]، والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت حيوية وساسة هولنديين، بالإضافة إلى السعي لعزل الجالية المسلمة عن المجتمع الهولندي لمنع ذوبانها في الثقافة الغربية.

كشفت التحقيقات والوثائق التي عثرت عليها الشرطة في منازل أعضاء “شبكة هوفستاد” عن قائمة اغتيالات وتصفيات استهدفت أبرز الوجوه السياسية والليبرالية في هولندا آنذاك، ومن أهم هذه الأسماء:

1. آيان حرسي علي (Ayaan Hirsi Ali)

  • صفتها: نائبة في البرلمان الهولندي وكاتبة سيناريو فيلم “الخضوع” .
  • وضعها في القائمة: كانت الهدف رقم واحد والأكثر أهمية للشبكة. وقد ترك القاتل رسالة تهديد صريحة لها مغروسة في صدر المخرج ثيو فان جوخ يتوعدها فيها بالموت، مما جعل السلطات تخفيها تماماً تحت حراسة مشددة .

2. خيرت فيلدرز (Geert Wilders)

  • صفته: عضو البرلمان الهولندي ومؤسس حزب من أجل الحرية (يميني متطرف).
  • وضعه في القائمة: كان مستهدفاً بشدة بسبب تصريحاته ومواقفه الحادة ضد المهاجرين والإسلام. عقب اغتيال فان جوخ، تم نقل فيلدرز إلى معسكرات ومخابئ عسكرية سرية لحمايته، ومنذ ذلك الوقت (وحتى يومنا هذا في عام 2026) يعيش تحت حراسة مسلحة مشددة على مدار الساعة لا تفارقه أبداً.

3. يوزياس فان آرتسن (Jozias van Aartsen)

  • صفته: زعيم الحزب الليبرالي (VVD) في البرلمان الهولندي آنذاك.
  • وضعه في القائمة: أُدرج اسمه كهدف سياسي بارز نظراً لمواقفه الداعمة لحرية التعبير المطلقة ودفاعه عن الخط السياسي للحكومة في مواجهة التشدد.

4. أحمد أبوطالب (Ahmed Aboutaleb)

  • صفته: كان يشغل حينها منصب مسؤول بلدية أمستردام لشؤون التنمية والاندماج (أصبح لاحقاً عمدة روتردام الشهير).
  • وضعه في القائمة: رغم أنه سياسي من أصول مغربية ومسلم، إلا أن الشبكة اعتبرته “خائناً” و”مرتداً” لأنه كان يدعو الجالية المسلمة إلى الاندماج الكامل في المجتمع الهولندي واحترام قوانين الدولة الليبرالية، والوقوف ضد الأفكار المتطرفة.

5. ريتا فيردونك (Rita Verdonk)

  • صفتها: وزيرة الهجرة والاندماج الهولندية في ذلك الوقت (كانت تُلقب بـ “المرأة الحديدية”).
  • وضعها في القائمة: استُهدفت بسبب سياساتها الصارمة جداً ضد الهجرة، ومحاولاتها ترحيل المقيمين غير الشرعيين، وفرض قوانين اندماج قاسية على المسلمين في هولندا.

دفعت هذه القائمة الخطيرة الحكومة الهولندية إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى وتوفير حراسة رسمية لأكثر من 10 سياسيين ومفكرين دفعة واحدة خوفاً من وجود خلايا نائمة أخرى. وأطلقت الشرطة الهولندية، فور اغتيال ثيو فان جوخ، عملية أمنية واسعة النطاق اعتُبرت الأكبر في تاريخ البلاد لتفكيك “شبكة هوفستاد”.

1. حصار لاهاي الشهير (معركة الشوارع)

  • المواجهة المسلحة: في 10 نوفمبر 2004 (بعد ثمانية أيام فقط من الاغتيال)، حاصرت قوات النخبة في الشرطة شقة في مدينة لاهاي تحصن بها عضوان بارزان من الشبكة (جيسون والترز وإسماعيل اخنيفر).
  • إلقاء القنابل: قاوم المتشددون بشدة، وألقوا قنبلة يدوية الصنع على رجال الشرطة، مما أدى إلى إصابة أربعة ضباط بجروح.
  • الاستعانة بالجيش: استمر الحصار العنيف لعدة ساعات، وتم إغلاق المجال الجوي للمنطقة وإخلاء المباني المحيطة، حتى نجحت القوات في قنص المتهمين وإصابتهم ثم اقتحام الشقة واعتقالهم.

2. المداهمات المتزامنة والقبض على “العقل المدبر”

  • اعتقال الموجه الروحي: داهمت الشرطة عدة منازل في أمستردام ولاهاي ورgeneral في نفس التوقيت، واعتقلت الشاب السوري “رضوان الحج عيسى” (المعروف بلقب أبو خالد)، والذي تبين أنه الموجه الفكري والروحي للشبكة الذي كان يعقد لهم جلسات دينية سرية ويحرضهم على العنف.
  • إجمالي الاعتقالات: أوقفت السلطات ما يقرب من 14 شخصاً من نواة الشبكة الصلبة، معظمهم من الشباب المغاربة المولد أو المهاجرين من الجيل الثاني، وصادرت كميات من الأسلحة، والمنشورات التحريضية، وخطط استهداف المنشآت.

3. الأحكام القضائية والتاريخية (2006)

في عام 2006، أسدلت المحكمة الهولندية الستار على القضية بإصدار أحكام مشددة غير مسبوقة في تاريخ القضاء الهولندي:

  • جيسون والترز (الذي ألقى القنبلة): حُكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً (وقد أعلن لاحقاً داخل السجن تراجعه الكامل عن الفكر المتطرف وتفكيره الإرهابي).
  • إسماعيل اخنيفر: حُكم عليه بالسجن لمدة 13 عاماً.
  • بقية الأعضاء: تراوحت الأحكام عليهم بين عامين إلى خمسة أعوام بتهمة “الانتماء إلى منظمة إرهابية تهدد أمن الدولة”.

شكلت هذه المحاكمة نقطة تحول قانونية؛ حيث كانت المرة الأولى التي يُدان فيها أشخاص في هولندا بتهمة “العضوية في تنظيم إرهابي” بناءً على تعديلات القوانين الجديدة.

وصَدَرَ بحق القاتل محمد بويري حكمٌ بـالسجن مدى الحياة (Levenslang) في يوليو 2005، وهو أقصى عقوبة ينص عليها القانون الهولندي.

  • إلغاء عقوبة الإعدام: عقوبة الإعدام ملغاة تماماً في القانون الهولندي منذ زمن طويل؛ حيث أُلغيت في القانون الجنائي العادي عام 1870، ثم أُلغيت تماماً من الدستور الهولندي في جميع الأحوال (بما في ذلك القانون العسكري ووقت الحروب) عام 1983.
  • الالتزام بالاتفاقيات الأوروبية: هولندا موقعة على “الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان”، والتي يحظر بروتوكولها السادس والثالث عشر تطبيق عقوبة الإعدام تحت أي ظرف من الظروف.

طبيعة عقوبة “الحبس المدى الحياة” في هولندا

عقوبة السجن مدى الحياة في هولندا تُعد من أقسى العقوبات في أوروبا لعدة أسباب:

  • حرفية العقوبة: على عكس دول أوروبية أخرى تحول عقوبة “مدى الحياة” إلى إفراج مشروط بعد 15 أو 25 عاماً، فإن العقوبة في هولندا تعني حرفياً بقاء السجين خلف القضبان حتى الموت، ولا يتم الإفراج عن السجين إلا بعفو ملكي نادر جداً (غالباً في حالات الأمراض المستعصية الأخيرة).
  • مكان الاحتجاز الحركي: يقبع محمد بويري حالياً في سجن شديد الحراسة مخصص للإرهابيين (المعروف بـ TA في مدينة فوغت Vught)، ويخضع لرقابة صارمة جداً لمنع نشره للأفكار المتطرفة داخل السجن.
  • موقفه أثناء المحاكمة: رفض بويري الدفاع عن نفسه أو توكيل محامٍ، وصرح علناً للقضاة بأنه لا يعترف بالقانون الهولندي، وأنه لو أُطلق سراحه لكرر فعلته مجدداً، وهو ما جعل القاضي يؤكد في منطوق حكمه أن بويري يشكل خطراً دائمًا على المجتمع ولن يرى النور مجدداً.

معلومة خروج المتهم من السجن خاطئة تماماً وشائعة لا أساس لها من الصحة؛ فالقاتل محمد بويري لم يخرج من السجن ولن يخرج أبداً. ويرجع سبب انتشار هذه الشائعة أو اللبس في المعلومات إلى أمرين محددين:

1. الخلط بين القاتل وأعضاء الشبكة الآخرين

السبب الرئيسي لهذا اللبس هو أن بقية أعضاء “شبكة هوفستاد” (مثل جيسون والترز وإسماعيل اخنيفر) الذين اعتُقلوا في المداهمات، قد أنهوا عقوباتهم بالفعل (والتي كانت تتراوح بين 13 إلى 15 عاماً) وتم إطلاق سراحهم بعد قضاء مدتهم. وظهور بعضهم في وسائل الإعلام لإعلان تراجعهم عن الفكر المتطرف جعل البعض يظن خطأً أن القاتل نفسه قد خُرِج. 

2. حسم وضعه الحالي

  • يقبع محمد بويري حتى اليوم في سجن نيو فوسيفيلد (Nieuw Vosseveld) شديد الحراسة بمدينة فوغت.
  • الحكم الصادر ضده هو السجن مدى الحياة دون أي رخصة أو احتمال للإفراج المشروط (Life sentence without parole).
  • القانون الهولندي يتعامل مع قضية قتل “ثيو فان جوخ” بوصفها خطاً أحمر أمنياً وسياسياً، والقاتل نفسه أعلن في محكمته أنه غير نادم؛ لذا فإن فرصة حصوله على عفو ملكي مستحيلة.  القاتل مستمر في عقوبته داخل محبسه الانفرادي المشدد، ولن يغادر السجن إلا ميتاً. 
  • محمد بويري (مدى الحياة): أُدين بتهمة القتل العمد الفعلي مع سبق الإصرار والترصد لمواطن أعزل في الشارع . في القانون الهولندي، القتل الناجح هو الجريمة الوحيدة التي تستوجب عقوبة السجن مدى الحياة الحقيقية (حتى الموت).

وصف القضية بأنها “خط أحمر” لم يكن يعني تغيير نصوص القانون لتطبيق الإعدام، بل تجسد في أمرين:

  • تعديل القوانين لاحقاً: بعد هذه المحاكمة مباشرة، شعر المشرّعون الهولنديون بذات الثغرة التي ذكرتَها؛ فقام البرلمان بتعديل القوانين الجنائية وتشديد عقوبات الإرهاب والشروع في القتل لتصل إلى 30 عاماً أو مدى الحياة في التعديلات الجديدة، حتى لا تتكرر عقوبة الـ 15 عاماً مع حالات خطيرة مشابهة.
  • تطبيق “مدى الحياة” الحقيقي: في معظم دول أوروبا (مثل ألمانيا أو بلجيكا)، عقوبة “مدى الحياة” تعني مراجعة الحكم والإفراج المشروط بعد 15 أو 25 عاماً. لكن في حالة بويري، أصر القضاء على تطبيق المفهوم الهولندي الصارم (الحبس حتى الموت) دون أي فرصة للمراجعة.

3. برنامج المراقبة الصارم بعد الخروج

حتى بعد خروج جيسون والترز عقب انتهاء سنوات سجنه، فهو لم يخرج للحياة الطبيعية ببساطة:

  • يخضع لرقابة استخباراتية وأمنية لصيقة ومستمرة.
  • أجرى مراجعات فكرية شاملة داخل السجن، وحصل على دكتوراه في التحليل الفكري للحركات المتطرفة، ويتم استغلاله حالياً من الأمن الهولندي كخبير لتفكيك خلايا التطرف ومحاربة فكر الجماعات الإرهابية.

القضاء الغربي يسير وفق نصوص قانونية جامدة ومكتوبة مسبقاً لا يمكن للقاضي تخطيها بناءً على العاطفة أو بشاعة الموقف، وهو ما جعل العقوبة تظهر بهذا الفارق الحاد.

السبب المباشر والوحيد الذي منع السلطات من طرد جيسون والترز (Jason Walters) من هولندا هو أنه مواطن هولندي أباً عن جد، ولد في هولندا، ولا يحمل أي جنسية أخرى. وفقاً للقانون الدولي والدستور الهولندي، لا يمكن لأي دولة في العالم طرد أو ترحيل مواطن يحمل جنسيتها فقط؛ لأن الطرد في هذه الحالة يعني تحويله إلى شخص “عديم الجنسية” (Stateless)، وهو أمر محظور دولياً بموجب اتفاقيات الأمم المتحدة التي وقعت عليها هولندا.

1. طبيعة جنسية المتهم

  • جيسون والترز ولد في مدينة أومين الهولندية عام 1985 لأم هولندية وأمريكي.
  • يحمل الجنسية الهولندية بالولادة، ولم يكن يملك جواز سفر مغربي أو عربي كبقية أفراد الشبكة؛ لذلك لم يكن هناك أي “وطن بديل” يمكن للشحن أو الطرد إليه قانوناً.

2. من هم الذين تم طردهم وسحب جنسياتهم؟

في المقابل، تعاملت السلطات الهولندية بصرامة شديدة مع الأعضاء الآخرين في “شبكة هوفستاد” الذين كانوا يحملون جنسيات مزدوجة (مثل الجنسية المغربية إلى جانب الهولندية):

  • سحب الجنسية: استغلت الحكومة القوانين لتعديل التشريعات لاحقاً، وتم سحب الجنسية الهولندية من عدة أفراد ثبت انتماؤهم للشبكة ويملكون جنسية أخرى.
  • الترحيل الفعلي: بعد انتهاء عقوباتهم أو بمجرد إثبات خطورتهم، تم ترحيلهم ومنعهم من دخول الأراضي الهولندية أو الأوروبية نهائياً باعتبارهم أجانب يشكلون تهديداً للأمن القومي.

3. تعديل القوانين بعد القضية

بسبب هذه الثغرة (وجود إرهابيين يحملون الجنسية الهولندية فقط ولا يمكن طردهم)، عدلت هولندا قوانينها لاحقاً لتقضي بأنه في حال ارتكاب مواطن هولندي لجريمة إرهابية وكان يملك جنسية ثانية، تسقط عنه الجنسية الهولندية تلقائياً ويتم ترحيله فوراً بعد قضاء العقوبة.

لذلك، بقي جيسون في هولندا مجبراً بحكم القانون لأنه مواطن هولندي، وخضع لبرنامج إعادة تأهيل ومراقبة صارمة لمنع ارتداده للفكر المتطرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *