
يختتم مونديال 2026، اليوم الأحد، بلقاء يصعب التكهن بنتيجته بين إسبانيا والأرجنتين في نهائي بنكهة أوروبية أميركية. وهذه هي المرة الثانية عشرة التي تجمع فيها المباراة النهائية بين منتخب أوروبي ومنتخب من أميركا الجنوبية أو اللاتينية، واللافت أن القارة العجوز لم تفز في تلك المواجهات إلا 3 مرات فقط، فيما كان الفوز من نصيب القارة الأميركية 8 مرات، بما يشير إلى التفوق الأميركي الكاسح، خاصة في ظل وجود منتخبي البرازيل والأرجنتين.
من المدهش أنه، ورغم مشاركة منتخبي البلدين في معظم دورات كأس العالم عبر التاريخ، فإنهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة فقط، قبل 60 عامًا، في المونديال الوحيد الذي فازت به إنجلترا. وانتهت المباراة بفوز الأرجنتين بهدفين لهدف، أي إنه لا يوجد تاريخ من المواجهات المونديالية يسمح للمحللين وعشاق الإحصائيات ببناء تصورات حول مسار المباراة أو فرص فوز أي فريق منهما.
لكن محبي راقصي التانجو متفائلون لأسباب عدة، أبرزها أن الأرجنتين، وفي المرات الثلاث التي حصدت فيها اللقب، اقتنصته من منتخبات أوروبية؛ من هولندا الأسطورية بعد مباراة ملحمية عام 1978 بثلاثة أهداف لهدف، ثم من ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف لهدفين في مباراة مثيرة في مونديال المكسيك عام 1986، والمرة الثالثة الملحمية أيضًا كانت في قطر 2022، بعد تعادل في الأشواط الأصلية والإضافية بثلاثة أهداف لكل منتخب، ابتسمت الكرة في نهايتها لميسي ورفاقه، وأظهرت وجهها العادل.
أما خارج المونديال، فالمدهش أيضًا أنهما لم يلتقيا سوى في لقاءات ودية، إذ خاضا 13 مباراة ودية، ولم يجمعهما أي لقاء رسمي في كأس القارات أو البطولة التي تقام أحيانًا بين بطل أوروبا وبطل أميركا الجنوبية. وكانت نتائج المباريات الودية متكافئة؛ إذ تعادلا مرتين، وفازت إسبانيا في 6 لقاءات، والأرجنتين في 5.
ومن اللافت أيضًا أن مشاركتهما في مونديال 1982، على وجه الخصوص، كانت محزنة للمنتخبين ومتطابقة النتائج. فبالنسبة إلى إسبانيا، كان صادمًا أن تودع البطولة من الدور الثاني رغم أنها الدولة المستضيفة، أما الأرجنتين، حاملة اللقب، فخرجت من الدور ذاته بعد وقائع غريبة، من بينها طرد الأسطورة مارادونا.
تباين مسار المنتخبين حتى النهائي بشكل كبير، ففي حين كان وصول إسبانيا إلى هذه المباراة تقليديًا بدرجة ما، رغم صعوبة أكثر من مباراة، كان عبور منتخب الأرجنتين «بالنار والدموع»، مثل التي رأيناها على وجه ميسي عقب مباراة دور الـ16 الشهيرة أمام منتخب مصر.
شهد مسار إسبانيا مفاجأة وحيدة وإنجازًا فريدًا حتى الآن؛ فالمفاجأة هي التعادل في المباراة الافتتاحية أمام منتخب الرأس الأخضر دون أهداف، أما الإنجاز فهو أن شباك الفريق لم تستقبل سوى هدف واحد، وكان ذلك في دور الثمانية أمام بلجيكا، في مباراة صعبة حسمتها إسبانيا في الدقائق الأخيرة.
في دور المجموعات، تعادلت مع الرأس الأخضر دون أهداف، ثم فازت على السعودية برباعية، وفازت على الأوروغواي بهدف نظيف. وفي الأدوار الإقصائية، فازت على النمسا بثلاثية، وفي دور الـ16 على جارتها البرتغال بهدف، ثم بهدفين لهدف على بلجيكا في أصعب المواجهات التي خاضتها إسبانيا في مشوارها، ثم أقصت فرنسا بهدفين لتصعد إلى النهائي.
في دور المجموعات، لم تواجه أي صعوبات، وفازت في مبارياتها الثلاث على الجزائر بثلاثية، ثم النمسا بهدفين، ثم الأردن بثلاثية. لكن الصعوبات بدأت منذ الدور التالي مباشرة، حتى بدا أن هذا المنتخب لن يصل إلى دور الثمانية. ففي مفاجأة غير متوقعة، ظهر منتخب الرأس الأخضر ندًا كبيرًا لراقصي التانجو، لتذهب المباراة إلى أشواط إضافية بعد انتهاء الوقت الأصلي بالتعادل بهدف لكل منهما، وتتقدم الأرجنتين بهدف ثانٍ في الوقت الإضافي، ثم يرد الرأس الأخضر بالتعادل أيضًا، قبل أن تحسم الأرجنتين المباراة بهدف ثالث في الدقيقة 111.
وفي دور الثمانية، فاز منتخب الأرجنتين على منتخب مصر بثلاثة أهداف لهدفين، في مباراة شهدت جدلًا تحكيميًا كبيرًا. وتقدمت مصر بهدفين حتى الدقيقة 80، قبل أن تتمالك الأرجنتين نفسها وترد بثلاثية في 10 دقائق، ليشاهد العالم، في حدث نادر، دموع النجم ليونيل ميسي تتساقط، وكأنه غير مصدق عبور هذه المحنة.
ثم فازت على سويسرا بثلاثة أهداف لهدف بعد أشواط إضافية، وعلى إنجلترا بهدفين لهدف في الدقائق الأخيرة، في تكرار مطابق لسيناريو مباراة الفراعنة.
وفي حال فوز الأرجنتين اليوم، سيكون ميسي والأرجنتين قد حققا إنجازًا نادرًا بالفوز باللقب في نسختين متتاليتين. ورغم أنها مباراة بلا توقعات، فإن المشوار القاسي والمجهد الذي خاضه المنتخب اللاتيني ربما يكون البوابة التي تعبر بها إسبانيا إلى التتويج.
