
لّف قرار وزير التربية والتعليم بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، محمد القريو، بشأن فصل التلاميذ الذكور عن الإناث بعد “تجاوزات سلوكية” رُصدت داخل مدارس خاصة ودولية تبايناً مجتمعياً واضحاً، بين منتقدين اعتبروه يعكس استمرار أزمة غياب المنظومة التعليمية، وتجاهل الأزمات الحقيقية التي تعيشها المدارس، ومؤيدين يرونه ضرورة لحماية التلاميذ في سنوات المراهقة، والحد من سلوكيات دخيلة على المجتمع.
وصدر القرار على خلفية نقاش ليبي واسع أحدثه مقطع فيديو انتشر على منصات التواصل الاجتماعي يظهر تلميذاً في المرحلة الإعدادية يحتضن تلميذة داخل إحدى المدارس الخاصة، ما اعتبره ليبيون مشهداً لا يناسب الذوق المجتمعي العام المحافظ. قبل أن يتضح أن الطفلين شقيقان يدرسان في نفس المدرسة، وأن الطفل احتضن أخته بعد تميّزها المدرسي في ذلك اليوم.
وأكدت الوزارة في قرار فصل الذكور عن الإناث في المرحلتين الإعدادية والثانوية أنه “يهدف إلى ضمان بيئة تعليمية منضبطة وآمنة تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع الليبي، ومنع أية مظاهر اختلاط داخل الفصول والأنشطة المدرسية“.
يقول المعلم جبريل وصل، من مدينة الخمس شرق طرابلس، إن القرار لا يساعد في دفع المجتمع نحو كسر القيود الموروثة، موضحاً لـ”العربي الجديد” أن “تلك القيود لم تعد تناسب الحاضر في ظل التحديات التي يعيشها النشء، ما يحتم استيعابهم ضمن مقاربات تقبل بالانفتاح تحت رقابة أسرية ومدرسية، بدلاً من عزل الجنسين بعضهم عن بعض”. بدورها، قالت آمنة الجديدي إن لهذا القرار دافعاً آخر يتعلق بنظرة الرأي العام للمدارس الخاصة، وارتباطها في أذهان الناس بالتربح بغض النظر عن أي قيد أخلاقي أو تربوي.
وتقف الجديدي في منتصف المسافة بين المؤيدين والرافضين للقرار، قائلة لـ”العربي الجديد” إن “الجدل حول الاختلاط يمثل عمق الأزمة بقدر ما يكشف عن طريقة تعاطي وزارة التعليم مع واقع القطاع من خلال ردود أفعال مؤقتة تتكرر مع كل جدل اجتماعي. قرارات فصل الذكور عن الإناث صدرت أكثر من مرة خلال السنوات الماضية في ظروف مشابهة، لكنها بقيت في معظمها بلا تنفيذ فعلي على الأرض“.
وتتساءل عن موقف الوزارة من القضايا الأساسية التي تثقل كاهل المدارس وقطاع التعليم بالكامل منذ سنوات، من دون أن تقدم الوزارة لها حلولاً، ومن بينها إعلان الحكومة في عام 2023 عن 385 مدرسة صفيح موزعة في أنحاء البلاد، وإطلاقها مشروعاً لإنشاء 1500 مدرسة، مضيفة: “ما مآلات هذا المشروع في ظل استمرار المدارس متهالكة وتعاني تصدعات وسوء صيانة وانقطاع الكهرباء والمياه؟“.
وتوضح الجديدي: “هناك العديد من المشكلات التي يعانيها قطاع التعليم، من بينها ضعف تأهيل المعلمين، وغياب التدريب المستمر، وشكاوى أولياء الأمور من استمرار اعتماد طرق التلقين التقليدية بدلاً من تطوير مهارات التفكير والتفاعل لدى الطلاب، إضافة لمشكلات تدني الرواتب مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، ما أدى إلى عزوف كثيرين عن المهنة، وتسبب في موجات احتجاج وإضرابات متكررة أثرت على انتظام الدراسة“.
وتتابع: “بدلاً من الاهتمام بكل تلك الأزمات تصدر وزارات التعليم المتعاقبة قرارات عشوائية بعيدة عن الواقع، من بينها قرار إدخال لغات أجنبية جديدة مثل الإيطالية والفرنسية، في حين لا تزال المدارس تعاني نقصاً في معلمي اللغة الإنكليزية، فضلاً عن التراجع الملحوظ في مستوى تعليم اللغة العربية، وكذلك قرارات اعتماد التعليم عن بعد في ظل تدني البنية التحتية التقنية في كثير من المناطق، وتخلف مستوى المواد التعليمية المرتبطة بالتقنية نفسها“.
وتعتبر الجديدي أن “ضبط أوضاع المدارس الخاصة أمر ضروري بعدما تحول التعليم إلى مجال للاستثمار غير المنضبط، لكن تعاطي الوزارة مع واقعة فيديو الطفلين كشف عن تدني مستوى تعاملها مع الواقع، إذ أصدرت قرار الفصل بين الجنسين من دون التثبت من صحة الواقعة. هل قدمت الوزارة أي اعتذار للطفلين بعد اكتشاف أنهما شقيقان، أو أبدت اهتماماً بما تعرضا له من أذى نفسي داخل المدرسة وفي محيطهما الاجتماعي؟ خصوصاً أن طريقة التعامل الرسمية مع الواقعة ساهمت في توسيع دائرة الإساءة إليهما“.
