
هزّ انهيار السندات الحكومية اليابانية أركان الأسواق المالية العالمية، في مشهد وصفه كبار مديري الصناديق بـ “الصادم” لسرعته ونطاقه غير المسبوق. فبعد عقود من الاستقرار والركود السعري، قفزت العوائد بمقدار ربع نقطة مئوية في جلسة واحدة، ما جعل المتداولين في حالة ذهول تام.
لقد ولت الأيام التي كانت فيها طوكيو مصدراً للتمويل الرخيص والاستقرار العالمي، حيث استشرى التضخم الخامد وبدأت السياسات المالية الجديدة، تضغط بعنف على الأسواق، مما دفع العوائد لمستويات قياسية تجاوزت الـ 4%.
يرى الخبراء أننا بصدد “حقبة جديدة” من التقلبات العنيفة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات اليابانية المبكرة في 8 فبراير المقبل، وسط حملات تركز على الإنفاق السخي. وتكمن المخاطرة الأكبر في احتمال سحب المستثمرين اليابانيين لنحو 5 تريليونات دولار من استثماراتهم الخارجية لإعادتها إلى الوطن، بحسب بلومبرج، الاثنين 26 يناير 2026.
ويصف المحللون ارتفاع أسعار الفائدة في اليابان بأنه أشبه بـ”خط صدع مالي” عالمي، حيث تؤدي كل حركة بسيطة في طوكيو إلى ارتدادات عنيفة في أسواق السندات الأمريكية والأوروبية على حد سواء.
صدمة “دافوس” والاتصالات الطارئة
ترددت أصداء انهيار الثلاثاء الأسود في أروقة منتدى دافوس بسويسرا، حيث سيطر القلق على كبار الشخصيات المالية العالمية نتيجة الانهيار الحاد في سندات الدين طويلة الأجل. وأدى هذا الاضطراب إلى خسارة فورية بقيمة 41 مليار دولار عبر منحنى العائد الياباني.
ودفع هذا التدهور السريع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، لإجراء اتصال طارئ بنظيرته اليابانية، محذراً من أن صدمة السندات اليابانية تضغط تصاعدياً على عوائد الخزانة الأمريكية، مما يهدد استقرار أكبر اقتصاد في العالم.
ارتفع الين الياباني أمام الدولار بنسبة 1.2% في تعاملات الاثنين المبكرة، حيث بدأ المتداولون الأسبوع في حالة تأهب قصوى تحسبا لتدخل السلطات اليابانية في السوق عقب انخفاض الين مؤخرا وفق رويترز.
وذكرت وكالة بلومبرج نيوز، أن العملة اليابانية سجلت اليوم 153.81 ينا لكل دولار، وهو أعلى مستوى لها منذ منتصف نوفمبر، وذلك بعد تحذير وجهته رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي للسوق.
ارتباك المركزي والين
في محاولة لتهدئة العاصفة، ألمح محافظ بنك اليابان “كازو أويدا” إلى إمكانية تدخل البنك لشراء السندات، وهو ما ساهم في استقرار مؤقت للديون لكنه أدى لهبوط حاد في قيمة الين. وتعيش الأسواق حالة ترقب وتوتر بانتظار تدخلات حكومية منسقة بحسب سي إن إن.
وانتشرت تكهنات حول تدخل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للاستفسار عن سعر صرف الين، مما يعكس قلق الإدارة الأمريكية من أن الاضطرابات اليابانية قد تجبر طوكيو على بيع احتياطياتها من سندات الخزانة الأمريكية للدفاع عن عملتها.
تعود جذور الأزمة إلى منتصف عام 2024 عندما بدأ رفع الفائدة، مما أدى لتصفية مراكز استثمارية بقيمة 1.1 تريليون دولار كانت تعتمد على الاقتراض الرخيص بالين. ومع مطلع عام 2026، تفاقمت الاضطرابات مع استمرار ارتفاع معدلات التضخم في اليابان بحسب بلومبرج.
وسجل التضخم الأساسي نسبة 3.1% في عام 2025، وهو العام الرابع الذي يتجاوز فيه هدف البنك المركزي، مما أدى لسقوط حكومات وصعود أخرى تعد بحزم تحفيزية ضخمة زادت من فقدان المصداقية المالية للبلاد.
تواجه اليابان معضلة ديون هائلة تبلغ 230% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الأعلى في مجموعة السبع. وأي توجه نحو زيادة الإنفاق، مثل تعليق ضريبة المبيعات، يترجم فوراً إلى نظرة سلبية تزيد من انهيار السندات.
كما تغيرت تركيبة السوق مع تزايد نفوذ المستثمرين الأجانب الذين يمثلون الآن 65% من المعاملات الشهرية، وهم أكثر ميلاً لتحريك الأموال بسرعة، مما يجعل سوق السندات اليابانية في مرحلة انتقالية هشة للغاية.
بدأت المؤسسات المالية اليابانية الكبرى، مثل مجموعة “سوميتومو ميتسوي”، في إعادة بناء محافظ سنداتها المحلية على حساب الأسواق الخارجية، مدفوعة بارتفاع العوائد المحلية التي بدأت تتجاوز نظيراتها في ألمانيا والصين.
ويتوقع الخبراء أن يقفز عائد سندات العشر سنوات اليابانية ليصل إلى 3.5%، مما سيؤدي إلى تغيير جذري في موازين القوى المالية العالمية وزيادة تكاليف الاقتراض للحكومات والشركات والأسر.
تعاني شركات التأمين اليابانية من خسائر دفترية فادحة بلغت 60 مليار دولار نتيجة انهيار أسعار السندات المحلية، وهو ما يضع ضغطاً إضافياً على النظام المالي ويجبر البنك المركزي على الموازنة بين كبح التضخم وحماية الملاءة المالية للشركات.
وتحاول الحكومة تخفيف الضغط عبر الاعتماد على الديون قصيرة الأجل لتمويل حزم التحفيز، إلا أن رئيسة الوزراء تاكايتشي تؤكد أن الأولوية هي للنمو الاقتصادي حتى لو أدى ذلك لمزيد من الارتفاع في عوائد السندات.
