ذعر “الإخوان” في عمّان بعد تصنيف ترامب

حسب قراءات سياسية متداولة، فإن حل حزب “جبهة العمل الإسلامي” سيقود إلى سجال قانوني طويل، في حين أن حل البرلمان، كأداة دستورية متاحة ومن صلاحيات الملك الأردني عبدالله الثاني، قد يشكّل مخرجاً أقل صدامية. وما بين أرصدة بنكية تُسحب خوفاً من مقص الخزانة الأميركية، ومقاعد برلمانية يهددها شبح الحل، يجد “إخوان” الأردن أنفسهم أمام الاختبار الأصعب في تاريخهم منذ عقود.

وسط تصاعد القراءات السياسية في الأردن، يعيش حزب “جبهة العمل الإسلامي”، الذراع السياسي التاريخي لجماعة “الإخوان المسلمين” في المملكة، حالاً من القلق المتزايد، ويتجاوز قلق الإسلاميين تصنيف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعة، إلى مخاوف من تصعيد سياسي داخلي يقود إلى حل مبكر للبرلمان، وبالتالي تصفية الوجود السياسي الأخير لـ”الإخوان” بطريقة غير مباشرة وأقل كلفة سياسية من خيار حل الحزب. ويعتقد مراقبون أن حزب “جبهة العمل الإسلامي” قد دخل في سباق مع الزمن على رغم المناورة السياسية التي يمارسها عبر التكيف ومراجعة النظام الداخلي.

وفق معلومات من مصادر مطلعة داخل حزب “جبهة العمل الإسلامي” ثمة مخاوف من أن يكون القرار الأميركي الأخير مقدمة لضغط سياسي داخلي أكبر، اذ يعتقد مراقبون أن حل البرلمان قد يكون خياراً أسهل للحكومة من مواجهة مباشرة لحزب سياسي قائم، لا سيما في ظل توتر العلاقات.

وأشارت مصادر لـ “اندبندنت عربية” إلى توجيهات من الحزب للأعضاء في البرلمان بـ “ضبط النفس” وتجنب الصدام المباشر مع الحكومة، في محاولة لسحب الذرائع التي قد تؤدي إلى رحيل مبكر للمجلس الذي لم يكمل مدته الدستورية، ما يعني وجود استراتيجية داخلية احترازية تعتمد على تجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، خوفاً من سقف سياسي أعلى قد يدفع نحو إنهاء المشاركة البرلمانية ككل.

وتفسر مصادر إسلامية خشية “الإخوان” من حل البرلمان الآن تحديداً، بالقول إن ذلك يعني فقدان النواب الحصانة التي تحميهم، فضلاً عن حال العزلة التي ستعني ابتعادهم عن مطبخ التشريع والقوانين.

وأكدت مصادر في حزب “جبهة العمل الإسلامي” وجود انعكاسات مالية لقرار ترمب تصنيف “الإخوان” منظمة إرهابية، تمثلت بقيام شخصيات عدة من رموز “الإخوان” بسحب أرصدتهم المصرفية وإغلاق حساباتهم في بنوك أردنية، خشية تجميد هذه الحسابات أو اتخاذ عقوبات مالية لاحقة، أو إدراجها ضمن قوائم سوداء عالمية.

وتعكس هذه التحركات، على رغم عدم وجود تأكيد رسمي من جهات مالية، ذعراً مالياً داخل صفوف الجماعة، وهي خطوة غير مسبوقة في تاريخ حضورها السياسي والاجتماعي في الأردن والذي امتد 80 عاماً.

في الأثناء، يتم، في الصالونات السياسية، تداول أسماء ثقيلة ووازنة من قيادات الجماعة في قائمة متوقعة من قبل واشنطن، ومن بين هذه الأسماء مراقب عام سابق لـ”الإخوان” وقيادات بارزة أخرى بعضها تم اتهامها أردنياً قبل أشهر.

وكانت السلطات الأردنية قد وجهت اتهامات بـ”غسيل الأموال” لعدد من قيادات وكوادر جماعة “الإخوان المسلمين” في شهر مايو (أيار) الماضي، كما حذرت الأشخاص الذين يحتفظون بأملاك تعود للجماعة متوعدة بملاحقتهم بتهم غسل الأموال وتهم أخرى، لكن مراقبين يرون أن القرار الأميركي قد لا يشمل بالضرورة الحزب السياسي “جبهة العمل الإسلامي” مباشرة، وإنما يستهدف الفروع التنظيمية أو الشبكات المالية المرتبطة بالجماعة الأم، الا أن آخرين يفسرون “الذعر المالي” بوجود تداخل تنظيمي بين الحزب والجماعة، إذ إن معظم منتسبي الحزب هم أعضاء في التنظيم المحظور.

وحتى الآن، لا توجد إشارات رسمية تؤكد أن الحكومة الأردنية تتجه نحو هذا الخيار، لكن المخاوف قائمة داخل الأوساط الإسلامية والسياسية، بخاصة في حال تفاقم الاحتكاك بين الكتلة البرلمانية الممثلة للحزب والحكومة، حينها يصبح حل البرلمان خياراً لتفكيك الأداة السياسية والمعقل الأخير لـ”الإخوان” من دون حظر مباشر للحزب الذي يتمتع بوجود قانوني.

في السياق، رصد الكاتب والمحلل السياسي حسين الرواشدة تحركات حزب “جبهة العمل الإسلامي” “المدروسة تماماً” للتكيف مع الواقع الجديد، وشطب المواد الأساسية من نظامه القديم، في محاولة واضحة لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي الأردني.

وقال الرواشدة إن الكتلة النيابية للحزب تمارس دورها التشريعي والرقابي بفاعلية لافتة، “مع بعض الاشتباكات السياسية مع الحكومة التي تحولت إلى أدوات لاستعادة الحضور الاعلامي والسياسي والشعبي داخل المجتمع، في وقت تعاني فيه قوى سياسية أخرى من فراغ واضح في الميدان”، وتحدث عن شطب الحزب مواد أساسية من نظامه القديم، والاستجابة لمعظم المقترحات الرسمية، “ولم يتبقَ سوى مسألة تغيير الاسم، وهي خطوة قد لا تكون بعيدة، في سياق إدراك الحزب أن مرحلة جديدة بدأت، وأن كلفة الاستمرار في الاشتباك المفتوح مع الدولة أو الشارع باتت أعلى من المكاسب”، وأشار أيضاً إلى كيفية طيّ الحزب صفحة الحشد في الشارع، بالإضافة الى تقليص خطابه المرتبط بحرب غزة، مقابل تكثيف حضوره تحت القبة وداخل المجتمع.

وعلى رغم أن سيناريوهات حلّ الحزب لا تزال قائمة، إلا أن تقديرات لدى قيادات في داخله تشير إلى مخاوف من خطوة أخرى تتمثل بحل البرلمان، بوصفه أقل كلفة سياسياً وبما يحمله من إنهاء عملي لآخر مساحة تمثيل سياسي منظّم للحزب، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب مرخّص قانونياً، وهو السيناريو الذي يُنظر إليه داخل أوساط الحزب باعتباره الأخطر.

أما الكاتب محمد العودات فرأى أن التطور الأخطر يتمثل في الأمر التنفيذي الأميركي المتعلق بتصنيف الجماعة في الأردن كمنظمة إرهابية، “وفي حال تفعيل هذا المسار الدولي، فإن التداعيات لن تكون محصورة بالجماعة كتنظيم محظور، بل ستمتد إلى الأذرع السياسية والاجتماعية المرتبطة بها، وعلى رأسها حزب جبهة العمل الإسلامي، ما يضع الحزب، نظرياً على الأقل، أمام مسار قانوني قد يقود إلى تحريك ملفه أمام القضاء بدعوى مخالفته لقانون الأحزاب”، ووفق العودات أيضاً هذا السيناريو، على وضوحه القانوني، “يصطدم بتعقيد سياسي بالغ الحساسية، مفاده بأن الحزب يمتلك كتلة نيابية وازنة قوامها 17 نائباً منتخباً عبر القوائم الحزبية، وبالتالي فإن أي قرار بحله سيعني تلقائياً إسقاط عضوية هؤلاء النواب، وفتح الباب أمام أسئلة دستورية وسياسية حول شرعية المجلس، واحتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة بكل ما تحمله من كلفة داخلية واستحقاقات إقليمية”.

وحسب قراءات سياسية متداولة، فإن حل الحزب سيقود إلى سجال قانوني طويل قد يمتد حتى نهاية عمر المجلس، في حين أن حل البرلمان، كأداة دستورية متاحة ومن صلاحيات الملك الأردني عبدالله الثاني، قد يشكّل مخرجاً أقل صدامية. وما بين أرصدة بنكية تُسحب خوفاً من مقص الخزانة الأميركية، ومقاعد برلمانية يهددها شبح الحل، يجد “إخوان” الأردن أنفسهم في عام 2026 أمام الاختبار الأصعب في تاريخهم منذ عقود، إذ لم تعد المناورة السياسية وحدها كفيلة بضمان البقاء، بينما يحاول الحزب تطهير نفسه من إرث الجماعة المحظورة عبر تعديلات هيكلية وتغيير أسماء بديلة. 

طارق ديلواني  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *