دينس جيف: ولاية ترامب الثانية ضربت ثوابت السياسة الأمريكية

يرسم المحلل الإستراتيجي الأمريكي، دينس جيف، صورة قاتمة لملامح العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا أنها حملت سلسلة من “الصدمات” العنيفة على الصعيدين الداخلي والخارجي.  ويرى جيف في حوار مع “إرم نيوز” أن السياسة التي ينتهجها الرئيس الجمهوري وضعت التحالفات التاريخية للولايات المتحدة في وضع حرج، حيث باتت الروابط مع الحلفاء التقليديين تعاني تدهورًا غير مسبوق.

وفي الوقت الذي تتآكل فيه هذه الشراكات، يشير جيف إلى تهاون لافت من قبل ترامب تجاه روسيا، التي ظلت لعقود الخصم اللدود لواشنطن. هذا التحول الجذري في بوصلة السياسة الأمريكية يثير مخاوف عميقة بشأن مستقبل التوازن الدولي والقواعد التي حكمت الأمن العالمي منذ نهاية الحرب الباردة.

وفيما يأتي نص الحوار..

ما أبرز المكاسب التي حققها ترامب للولايات المتحدة في العام الأول من ولايته الثانية؟ وما النهج الذي كان محط انتقادات ورفض من وجهة نظرك؟

وقّع ترامب قوانين تُخفّض الضرائب على أصحاب الثروات الطائلة، وواجه معارضة شديدة وإدانة واسعة واحتجاجات واسعة النطاق بسبب إساءة استخدام وكالة الهجرة الفيدرالية لسلطاتها، حيث إنه في عهد الرئيس السابق جو بايدن، كان ضباط إدارة الهجرة والجمارك يركزون على ترحيل الأشخاص غير الشرعيين من المجرمين الخطرين أو من يشكلون تهديداً للأمن القومي، أو من دخلوا البلاد حديثاً.

أما في عهد ترامب، فلا تُركّز إدارة الهجرة والجمارك على المجرمين الخطرين، بل تُمارس التنميط العنصري بشكل عدواني، مُستهدفةً ذوي البشرة السمراء، وتُلقي القبض على المهاجرين غير الشرعيين دون إعطاء الأولوية للمجرمين الخطرين، كما تشنّ حملات مداهمة على المدارس الابتدائية والثانوية العامة، ودور العبادة، والمستشفيات، والمحاكم، إنه يُفرّق الناس عن عائلاتهم ومجتمعاتهم، ويُشتّت شمل العائلات والمجتمعات.

الجمهوريين قلقون بشأن حظوظهم في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 بسببه، في ظل ما أقدم عليه وتسبب في تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها، حيث يشعر الأمريكيون بالإحباط من غلاء المعيشة الذي وعد بتخفيفه.

كيف ترى العام الأول من ولاية ترامب في تعامله مع الحلفاء بداية من الحرب في أوكرانيا وصولا إلى أزمة غرينلاند؟

لقد كانت كارثة بكل المقاييس، تهاون ترامب مع روسيا خصمنا اللدود منذ عقود، بينما اتخذ إجراءات متهورة وعقابية ضد حلفائنا، وضع هذه الرسوم الجمركية المبالغ فيها دون أي أساس منطقي، صدم حلفاءنا وأثار غضبهم، وأخلّ بالتوازن الاقتصادي العالمي، كذب على الشعب الأمريكي حين ادعى أن الرسوم الجمركية ليست ضريبة، عندما تضطر الشركات في الدول الأخرى لدفع رسوم لبيع منتجاتها في الولايات المتحدة، فإن ذلك يؤدي إلى فرض أسعار أعلى على المستهلكين الأمريكيين، لقد حكم بفوضى عارمة، وبحسب مزاجه في القرارات.

أوكرانيا حليف قوي لواشنطن، لكن مع ترامب تركت الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا به في موقف شديد الضعف، وهذا أمر مخزٍ، فقد العديد من الأوكرانيين أرواحهم لأن واشنطن لم تقف إلى جانب كييف، لقد وعد خلال حملته الرئاسية عام 2024 بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا في اليوم الأول من ولايته الثانية، التي بدأت في 21 يناير/ كانون الثاني 2025، ومنذ ذلك الحين، انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي واستضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وأعلن وسط ضجة كبيرة أنه يتوقع التوصل إلى اتفاق بين البلدين. لقد مضى على توليه منصبه 365 يومًا، وقد فشل، لقد منح بوتين وقتًا إضافيًّا لمواصلة عدوانه على أوكرانيا.

كيف تحولت علاقة الولايات المتحدة مع الحلفاء في ظل سياسة ترامب؟

أصبحت علاقات واشنطن مع دول كانت حليفة لها لقرون في حالة يرثى لها، بما في ذلك بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وبالطبع الدنمارك ومعها غرينلاند، لا تملك الولايات المتحدة أي حق في ملكية هذه الجزيرة، فهي دولة تتمتع بحكم شبه ذاتي ولا يرغب سكانها في أن يكونوا تابعين للولايات المتحدة، إنه أمرٌ جنوني أن يعتقد أن بإمكان أمريكا ببساطة أن تقتحم دولة وتستولي عليها، من خلال حلف الناتو، تستطيع واشنطن التفاوض على اتفاقيات تُعزز وجودها في غرينلاند، ولكن التباهي هو دافعه.

يتزايد القلق بين الجمهوريين في الكونغرس إزاء نهج ترامب المتهور تجاه غرينلاند، وقد يجدون سُبلًا لعرقلته؛ ما  سيُلحق الضرر بسلطته ورئاسته، لقد جلب السخرية العالمية للولايات المتحدة.

ما تقييمكم لما قام به ترامب في فنزويلا من اعتقال الرئيس؟

من المرجح أن ترامب انتهك القانون الدولي باختطافه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقد قدم قائمة متغيرة باستمرار من المبررات لفعله هذا، في البداية، ادعى أن فنزويلا تقتل آلاف الأمريكيين بتصدير الفنتانيل، لكن الأخير لا يأتي من فنزويلا، بل الكوكايين، الذي يُصدّر معظمه إلى أوروبا، ثم قال إن الأمر يتعلق بكون مادورو تهديدًا للفنزويليين والديمقراطية، لكنه أيّد تنصيب نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، رئيسةً جديدةً للبلاد، ورودريغيز هي في جوهرها امتداد لمادورو، إذ حافظت على رجاله وسياساته.

لم تكن الولايات المتحدة تعترف بمادورو رئيسًا للبلاد، بل هو من اختار رودريغيز نائبةً له، كما أصدر مؤخرًا عفوًا عن رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، الذي سبق إدانته في محكمة أمريكية بتهم مماثلة تتعلق بالاتجار بالمخدرات. هذا التناقض يُفند مبررات ترامب المعلنة. ثم اتضح أنه سعى لمساعدة صناعة النفط الأمريكية على جني الأرباح، هذا جنون.

ترامب يُضلل نفسه بادعاء أن إدارته تُسيطر على فنزويلا، فماذا سيقول حين تحدث تطورات غير مواتية أو كوارث؟ يُريد الأمريكيون منه التركيز على رئاسة الولايات المتحدة، لا على فنزويلا، إن “انتزاع” ترامب جائزة نوبل للسلام من مُستحقها يُعدّ إحراجًا دوليًّا للولايات المتحدة، يُهاجم غرينلاند بشراسة لأنه شعر بالإهانة.

ما خطة ترامب مع إيران.. وهل يذهب إلى الحرب أم أنه يتبع إستراتيجية جديدة خاصة مع الاحتجاجات التي تهدد النظام في طهران؟

سبق لترامب أن صرّح أنه إذا ارتكبت طهران أخطاءً جسيمة، ستتخذ الولايات المتحدة إجراءات عقابية، لكن دول الشرق الأوسط وإسرائيل أقنعته بالعدول عن ذلك، على الأقل حتى الآن، أعتقد أنه سينتظر بضعة أسابيع حتى يرى مدى سوء صورة إيران بعد قتلها لشعبها، ثم إذا رأى أنه يبدو ضعيفًا بعدم تحركه، سيقوم يإجراء وقد يبني جزءًا من حساباته على ما إذا كانت الإجراءات الأمريكية ستسهم في إسقاط النظام الإيراني الحالي، وكذلك على تقييم أجهزة الاستخبارات لما قد يحدث نتيجة للتدخل الأمريكي.

كيف استطاع ترامب أن يتعامل مع القوى الدولية من روسيا إلى الصين خلال العام الأول من هذه الولاية؟

لطالما كان ترامب متملقاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزعم أن تعريفاته الجمركية ستضر بالصين اقتصادياً، لكن الصين أنهت عام 2025 بأكبر فائض تجاري في تاريخها، الحقائق لا تخطئ، فهي تكشف الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *