
يحيي الرئيس الأميركي الذكرى الأولى لعودته إلى البيت الأبيض بعد حملة سياسات “صادمة” وسّعت صلاحياته على مستوى الولايات المتحدة “المنقسمة”، وأعادت تشكيل علاقة واشنطن بالعالم الخارجي، ومع دخوله عامه الثاني، يبدو أن الرئيس الجمهوري يتحرك دون قيود تذكر، من واشنطن إلى بقية الولايات الأمريكية، ومن بكين إلى موسكو، ومن غزة إلى غرينلاند، ومن أوروبا إلى كندا وصولا إلى دول أميركا الجنوبية فأفريقيا، يحاول الرئيس الجمهوري مقايضة استقرار النظام العالمي بـ”صفقات سريعة” دون “بنية تنفيذية راسخة“.
دشّن ترامب ولايته الثانية بحزمة أوامر تنفيذية غير مسبوقة، أعادت تشكيل دور الدولة الفدرالية، شملت تقليص القوى العاملة المدنية وتسريح آلاف الموظفين الحكوميين، وتفكيك أو إغلاق وكالات حكومية، وخفض المساعدات الإنسانية داخليا وخارجيا، إلى جانب إطلاق حملات واسعة لمداهمة وترحيل المهاجرين، ونشر قوات الحرس الوطني في ولايات ومدن يديرها ديمقراطيون.
أقرّ قانونا كبيرا لخفض الضرائب والإنفاق، ولاحق خصومه سياسيا وقضائيا، وهاجم جامعات ووسائل إعلام، وقيّد الوصول إلى بعض اللقاحات. توسّع نفوذ البيت الأبيض على حساب الكونغرس بطريقة لم تشهدها البلاد منذ عهد فرانكلين روزفلت، فيما بدا القضاء ساحة اشتباك حول شرعية قراراته السريعة والصادمة.
شهدت الولايات المتحدة في عام ترامب الأول موجات احتجاج واسعة وغير مسبوقة في التاريخ الأمريكي تحت شعار “لا للملوك”، احتجاجا على النهج السلطوي والاستبدادي في إدارة الرئيس الجمهوري، شارك بها الملايين وعمّت أرجاء الولايات الأمريكية.
كذلك بدأت الولايات المتحدة عام 2026 بموجة واسعة من الاحتجاجات والاضطرابات التي اجتاحت مدنها الكبرى، بعد حادثة مقتل رينيه نيكول غود، مواطنة أمريكية تبلغ من العمر 37 عاما، على يد عنصر من إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس، ومع تصاعد المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، أدى نشر ألفي عنصر إضافي لتعزيز السيطرة على الأوضاع إلى زيادة حدة التوتر، وتوسعت لتشمل أكثر من ألف مظاهرة في مختلف الولايات.
تسبب الإغلاق الحكومي القياسي والاحتجاجات بخسائر كبيرة نتيجة توقف الأعمال وارتفاع التأمين، كما أجبرت الحكومة على زيادة الإنفاق الأمني. وكان ترامب وعد بإعادة تشكيل الاقتصاد، والبيروقراطية الفدرالية، وسياسات الهجرة، وتحرير السوق وخفض الضرائب وتشجيع الاستثمار، وقد استجابت شركات كبرى بإعلانات استثمارية ضخمة، ونفذ جانبا كبيرا من هذا البرنامج، غير أن هذه الاندفاعة رافقتها مخاوف من تضخم، وتفاوت اجتماعي، وارتدادات محتملة لحروب تجارية متجددة.
ويبلغ معدل تأييد ترامب بعد عام على عودته 41% وفق استطلاع أجرته رويترز/إيبسوس الأسبوع الماضي، فيما يعارضه 58% من الأميركيين، في رقم يعد متدنيا مقارنة برؤساء الولايات المتحدة، لكنه ليس الأدنى. وقال الاستراتيجي الديمقراطي أليكس فلويد لرويترز إن “تجاهل ترامب التام لسيادة القانون أو لآليات الضبط والتوازن الأساسية جعل الأميركيين أقل أمانا على كل الأصعدة”، مضيفا أن الناخبين قد يعاقبون الجمهوريين على ما وصفه بـ”السلوك الخارج على القانون“.
وأقر ترامب في مقابلته مع رويترز بأن الجمهوريين يواجهون خطر خسارة السيطرة على الكونغرس في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، مشيرا إلى أن التاريخ لا يكون عادة في صالح حزب الرئيس في انتخابات منتصف الولاية، وطالبهم بالقتال قائلا إن أغلبية ديمقراطية جديدة في مجلس النواب قد تعمد إلى عزله للمرة الثالثة.
وعند سؤاله عن قلق الأميركيين من ارتفاع الأسعار وهي القضية الأبرز لدى الناخبين قبيل الانتخابات كرر ترامب قوله إن الاقتصاد هو “الأقوى” في التاريخ، رغم أن البيانات التي تظهر استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
تقول آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الدبلوماسية هي رد الفعل والاستجابة الأولى لدى ترامب، وإنه يتخذ قراراته بروية، وتضيف إنه يُبقي كل الخيارات مطروحة، فهو قرر إرسال الجيش الأميركي إلى فنزويلا لاعتقال مادورو بعد عدم قبوله عرضا أمريكيا بالذهاب إلى المنفى في تركيا وفق وسائل إعلام أمريكية، وأمر بقصف ثلاث منشآت نووية إيرانية العام الماضي “بعد فشل التفاوض الجاد“.
أعادت سياسة واشنطن تجاه إيران تفعيل “الضغوط القصوى” لكن بصيغة أوسع مزجت العقوبات الاقتصادية بالأدوات السياسية والعسكرية والتجارية، مع إدخال التعرفة الجمركية كسلاح ضغط على شركاء طهران مؤخرا، وربط الملف النووي بسلوك إيران الإقليمي ونفوذ أذرعها في المنطقة.
ويبقي ترامب على خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران رغم تراجع حدة احتجاجات اندلعت مؤخرا، ويقول ترامب إن باب التفاوض مفتوح لكن بشروط صارمة تتجاوز النووي إلى برنامج طهران الصاروخي وسلوك الحلفاء الإقليميين.
وخلال 2025، قصفت الولايات المتحدة المفاعلات النووية الإيرانية إلى جانب إسرائيل، واستهدفت شبكات التمويل المرتبطة بـ حزب الله في لبنان، وهي تضغط لنزع سلاحه، وكذلك أسلحة الفصائل العراقية المقربة من طهران، إضافة إلى الحوثيين في اليمن.
في سوريا دعم ترامب الرئيس أحمد الشرع بقوة واستقبله بالبيت الأبيض، أما الأكراد، الذين خبروا تقلبات الدعم الأميركي، تتجدد مخاوفهم القديمة حيث تتقدم المصالح بينما تتراجع التزامات الحلفاء دون إنذار. تعرضت قطر خلال سنة ترامب الأولى لقصف إيراني وإسرائيلي في أقسى اختبار لضمان واشنطن أمن الخليج.
في الشرق الأوسط، أثار إعلان ترامب نيته تحويل غزة إلى مكان للاستثمار وريفييرا الشرق الأوسط الخوف لدى الفلسطينيين، الذين ما زالوا يترقبون بقلق ما ستؤول إليه الأحوال والأوضاع في قطاعهم المدمر.
وشكّلت مبادرات ترامب حول غزة ومنها إعلان “مجلس سلام” برئاسته واشتراطات مالية وسياسية غير واضحة، نقطة توتر حتى مع أقرب الحلفاء، فقد أظهرت ردود فعل بنيامين نتنياهو فتورا لافتا منذ وقف إطلاق النار، مرورا بالمفاوضات مع سوريا وحتى إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن “إعلان ترامب عن مجلس السلام يتعارض مع سياسة إسرائيل”، وسط قلق إسرائيلي يخرج إلى العلن من حلول سريعة لملف تديره تل ابيب بشكل يومي، وسط قلق إسرائيلي من فقدان هامش مناورات اعتادت عليه.
يصر البيت الأبيض على اختبار نفوذه حتى داخل معسكره وتحالفاته، ومع أوروبا، اتّسعت فجوة الثقة، بدءا من موقف ترامب من الغزو الروسي لأوكرانيا، والرسوم الجمركية، مرورا باللهجة الحادة في إدارته التي تدعم وتروج لليمين المتطرف والشعبوية، والتشكيك المتكرر بقيمة التحالفات، كل ذلك دفع عواصم أوروبية في مقدمتها باريس إلى إعادة طرح سؤال “الاستقلال الاستراتيجي”، ورغم استحالة القطيعة مع واشنطن، سعى الأوروبيون إلى تنويع خياراتهم في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، داخل الاتحاد الأوروبي.
منذ اليوم الأول، شكل موقف ترامب قطيعة مع الموقف الأميركي التقليدي الرئيس الجمهوري تجنب وصف ما قامت به روسيا بأنه “غزو” لجارتها، وهو يفضل دائما الحديث عن “حرب كان يمكن تفاديها” لولا “سوء الإدارة السابقة”، ورغم تكراره مرارا أنه قادر على إنهاءها بأسابيع، لكنه لم ينجح بذلك حتى اللحظة.
ترجمت إدارة ترامب موقفها عبر تقليص وتيرة الدعم العسكري لأوكرانيا إلى حد كبير، وربطه بشروط، وفي حين تفهم ترامب مطالب روسيا الأمنية، خاصة ما يتعلق بتوسّع حلف الناتو، معتبرا أن تجاهل هذه “المخاوف” “كان خطأ استراتيجيا“، فهو في نفس الوقت ما زال يفاوض أوكرانيا على ما تطلبه من ضمانات أمنية رغم التنازلات التي قدمتها كييف، كل ذلك أربك حلف شمال الأطلسي الذي زادت دوله نزولا عند ضغط ترامب ميزانياتها الدفاعية.
وتم انتقاد موقف ترامب من أوكرانيا في أوروبا بسبب قيامه على منطق “السلام بأي ثمن” حتى لو كان ذلك على حساب سيادة أوكرانيا والقانون الدولي ومبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، وهو ما خفّف الضغط على موسكو، وزاد الضغط على كييف، وأربك أوروبا، وفتح نقاشا حول مستقبل الدور الأميركي كضامن للنظام الدولي.
أعاد ترامب إلى الواجهة ملف غرينلاند، يريد ضمها أو شرائها لـ”حمايتها من روسيا والصين”، واضعا الأوربيين أمام اختبارا مباشرا لمفهوم السيادة الأوروبية، ورد الاتحاد الأوروبي والدنمارك برفض قاطع لأي صفقة تتعلق بالجغرافيا، وأرسلت دول أوروبية بعثات عسكرية إلى الجزيرة، وفيما يهدد ترامب هذه الدول برسوم جمركية بدء من الشهر المقبل، يستعد الاتحاد الأوروبي لرد موحد ربما يصل حد “تفعيل آلية مكافحة الإكراه“.
لم تسلم كندا، الشريك الأقرب، من توترات تجارية وسياسية، وأفصح عن رغبته في أن تصبح كندا الولاية الأميركية رقم 51، وإنها ستكون في وضع أفضل بكثير ولن تكون هناك رسوم جمركية، وستنخفض الضرائب بشكل كبير، وستكون كندا آمنة تماما من تهديد السفن الروسية والصينية التي تحيط بها باستمرار“.
كرر ترامب ذلك في البيت الأبيض أمام ضيفه رئيس الوزراء الكندي الذي أكد لترامب “أن كندا لن تكون أبدا للبيع”، وأن “هناك أماكن ليست أبدا للبيع“. وتدرس كندا اليوم إمكان إرسال فرقة صغيرة من القوات إلى جرينلاند للمشاركة في مناورات حلف شمال الأطلسي.
قصف الجيش الأمريكي القوارب التي قال إنها تهرب مخدرات قرب شواطئ فنزويلا في البحر الكاريبي، انطلقت في يناير/كانون الثاني 2026 محاكمة الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو أمام محكمة فدرالية في مانهاتن، بعد اعتقاله في كراكاس بعملية أمريكية خاصة، بتهم تتعلق بتهريب المخدرات، وأعلن ترامب أن واشنطن تعتزم الإشراف على “إدارة انتقالية” في فنزويلا إلى حين نقل السلطة، في انسجام مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 التي تعيد إحياء مبدأ مونرو وتستهدف تحجيم النفوذين الروسي والصيني في أمريكا اللاتينية.
أثار اعتقال مادورو انقساماً إقليمياً حاداً جنوبي القارة؛ إذ أدانه قادة يساريون في كوبا وكولومبيا والبرازيل والمكسيك، بينما رحبت به دول أخرى كالأرجنتين وتشيلـي والإكوادور.
في أفريقيا تداخلت سياسات الضغط الاقتصادي مع تراجع الاهتمام التنموي وقطع المساعدات الأمريكية لمعظم دول القارة السمراء، ما فتح الباب أمام حضور صيني وروسي أوسع.
وحذّرت الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء واليونيسيف ومنظمة العفو الدولية من أن التقليص الحادّ والمفاجئ للمساعدات الخارجية الأمريكية، الذي أقرّته إدارة دونالد ترامب بموجب أوامر تنفيذية منذ يناير/كانون الثاني 2025، يهدد حياة وحقوق ملايين الأشخاص حول العالم، وأكدت أن وقف التمويل أدى إلى تعطّل برامج حيوية في الصحة، والأمن الغذائي، والمأوى، ودعم الناجيات من العنف الجنسي، وخدمات اللاجئين وطالبي اللجوء في دول عدة.
وشككت منظمات كالعفو الدولية بإفادات وزير الخارجية ماركو روبيو أمام الكونغرس، معتبرة أن نفي وقوع وفيات نتيجة هذه التقليصات غير دقيق ويتعارض مع الأدلة الميدانية التي توثق ارتفاع المخاطر وحدوث وفيات كان يمكن تفاديها.
مع الصين، عاد التصعيد التجاري والتكنولوجي إلى الواجهة مع فرض رسوم متبادلة، وسط سباق ذكاء اصطناعي، بينما تهدد بكين تايوان أكثر من أي وقت مضى وقامت بأكبر مناورات عسكرية حول الجزيرة الديمقراطية.
التقى ترامب بالرئيس شي جينبينغ في كوريا الجنوبية وقال إنهما اتفقا على “كل شيء”، لكن ما لبث أن عاد ترامب إلى البيت الأبيض حتى عادت بوادر اشتعال حرب تجارية مع بكين، وأقرت واشنطن أكبر صفقة أسلحة لتايوان، بينما فتحت بكين أبوابها للقادة الغربيين الساعين إلى إعادة ترميم علاقاتهم معها ، في ظل تحولات عميقة أحدثتها سياسات ترامب.
وزار بكين الرئيسان الفرنسي والكوري الجنوبي ورئيس الوزراء الكندي، وكذلك يفعل رئيس وزراء المملكة المتحدة كير ستارمر خلال أيام.
تبدو حصيلة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب مزيجا من حضور أميركي صاخب، واستثمارات بأثمان سياسية مرتفعة، بينما تتراكم الخصومات، وتتآكل الثقة، وتسود تساؤلات: هل يمكن لإدارة أقوى دولة في العالم أن تتعامل بمنطق الصدام الدائم مع الجميع، وإلى أي حدّ يمكن للعالم أن يتحمل سياسة تأجيل الحلول أو اختصارها بتغريدة.
