
تواجه موسكو موقفًا قد يكون كارثيًا في مالي. فقد تقدمت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين(JNIM)، المتحالفة مع القاعدة، نحو عاصمة مالي، باماكو، مُسجلة خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية والعاملين الروس من فيلق أفريقيا، التابع للدولة وبديل مجموعة فاغنر. وخلال أكتوبر ونوفمبر 2025 فرضتJNIM عمليًا حصارًا اقتصاديًا على باماكو من خلال استهداف قوافل الوقود وخطوط الإمداد، ما يهدد بدفع الحكومة العسكرية نحو الانهيار. توضح الأزمة كيف أن مالي، بعد انسحاب القوات الفرنسية قبل ثلاث سنوات لصالح شراكة مع روسيا، تكافح الآن لاحتواء تصاعد الإرهاب.
يخشى محللون أن يؤدي الفشل إلى منح القاعدة انتصارًا وزعزعة استقرار منطقة تعاني بالفعل من عدة عوامل وبيئة خصبة للتطرف والإرهاب، بما في ذلك فروع تنظيم داعش. ومع وجود نحو 25 مليون ماليّ، معظمهم في الجنوب الخاضع للحكومة، وسط الصراع، يقترح الخبراء أن روسيا قد تضطر للتحول من الحل العسكري إلى الدبلوماسي لتجنب تكرار السيناريو المحرج الذي واجهته مؤخرًا في سوريا، حيث أطاح فرع سابق للقاعدة بالحكومة المدعومة من موسكو في دمشق.
واقع التطرف والإرهاب في مالي
يؤكد الخبيرفي مكافحة الإرهاب أنطون مارداسوف: “أن روسيا تكرر أخطاء الماضي بالسماح للساسة الماليين بتحديد الاستراتيجية العسكرية بدلًا من دفعهم نحو التفاوض. ويشير إلى أن السيطرة على مالي مهمة لموسكو ليس فقط من منظور رمزي بل عملي، إذ تعد مالي عضوًا رئيسيًا في تحالف دول الساحل (AES)، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، وكلاهما يستضيف وحدات روسية، ونظرًا لقلة الفرص الاقتصادية لموسكو في المنطقة، فإن الدعم الأمني يبقى وسيلة التأثير الرئيسية”. قبل عامي 2020 و2021 التي أوصلت العقيد أسيمي غويتا إلى السلطة، كانت مالي تعتمد بشكل كبير على فرنسا لمكافحة المتطرفين الذين ظهروا بعد تمرد الطوارق في 2012.
على الرغم من استعادة المدن الرئيسية في البداية، لم تسطتع القوات الفرنسية في هزيمة المتطرفين، ما أثار استياء شعبيًا أدى إلى انسحابها في العام 2022. بعد ذلك، عمّقت مالي شراكتها مع روسيا، ما أدى إلى وصول مقاتلي مجموعة فاغنر. وتجدر الإشارة إلى أن منطقة الساحل شهدت تصاعدًا للمشاعر المعادية لفرنسا، إضافة إلى الانقلابات العسكرية في بوركينا فاسو والنيجر، لتؤدي إلى تأسيس تحالف دول الساحل عام 2023. بحلول 2023، شهدت مجموعة فاغنر انقسامًا بعد تمرد قصير قام به زعيمها يفغيني بريغوجين ضد وسيا، وتوفي بعد شهرين في حادث تحطم طائرة، ما دفع موسكو لإعادة تنظيم المجموعة تحت سيطرتها المباشرة، مع نقل عملياتها الأفريقية إلى فيلق أفريقيا.
على الرغم من استمرار حرب أوكرانيا، تظل موسكو واثقة من قدرتها على النفوذ الاستراتيجي، خصوصًا في أفريقيا. فقد قدرت الاستخبارات البريطانية في يوليو 2025 أن روسيا نشرت نحو 2000 عنصر من فيلق أفريقيا في مالي، مدعومين بقوة نارية كبيرة تشمل دبابات، منظومات صواريخ وطائرات تكتيكية. ومع ذلك، لم يمنع هذا الانتشار المكثف من تكبد خسائر كبيرة، حيث اعترفت الحكومة المالية مؤخرًا بـ”خسائر كبيرة” خلال معركة كبرى ضد الطوارق وJNIM، التي أعلنت عن قتل ما يصل إلى 50 روسيًا و10 جنود ماليين. تختبر هذه التطورات مدى تأثير روسيا المتنامي في أفريقيا، حتى مع توقيعها صفقات دبلوماسية وتجارية وطاقة نووية جديدة مع مالي. زيارة غويتا إلى موسكو في يونيو عززت هذا التقارب، رغم استمرار التحديات التشغيلية، والتي تعقدها إدعاءات استخباراتية أوكرانية بدعم كييف السري للمتطرفين في بعض الهجمات.
رغم تعزيز التعاون الأمني، يظل JNIM خصمًا متأقلمًا. تأسس في 2017 من اندماج جماعات “جهادية”، بما فيها القاعدة في المغرب الإسلامي، ووسع عملياته من المناطق الريفية إلى الحضرية، مثل الهجوم المفاجئ على مطار باماكو الدولي أواخر 2023. ويبتعد JNIM عن الهجمات المباشرة على الأهداف المحصنة، ويعتمد على تكتيكات مناورة وحصار اقتصادي للضغط على الحكومة، خصوصًا من خلال استهداف قوافل الوقود، ما أثر بشكل كبير على الحياة اليومية ووظائف الدولة. تلعب الديناميات العرقية دورًا مهمًا في توسع JNIM. فقد كان يعتمد تاريخيًا على تجنيد الطوارق، لكنه نجح مؤخرًا في اختراق الأغلبية البامبارا، وهي العمود الفقري للحكومة والجيش المالي. ومن خلال استغلال العلاقات الاقتصادية التاريخية بين الفلاحين البامبارا والرعاة الفولاني، وسّع JNIM قاعدة دعمه.
تكتيكات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين “JNIM”
تشير المعلومات الصادرة عن مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED) إلى أن JNIM يدمج حرب العصابات مع تكتيكات متنوعة مثل الطائرات المسيّرة، ويحقق وتيرة عملياتية عالية. كما طور مصادر تمويل متعددة، مما يصعّب استهداف موارده. وسجلت ACLED نحو 200 حدث مرتبط بـJNIM منذ بداية سبتمبر، بما يشمل هجمات واشتباكات واختطافات. تمتد تأثيرات JNIM إلى 6 دول أفريقية على الأقل.
مالي وبوركينا فاسو هما المسرحان الرئيسيان، حيث يخوض صراعات متعددة الجبهات ضد القوات الحكومية، والوحدات الروسية، ومنافسيه من داعش. وقد شل الحصار الذي يفرضه جزءًا من الاقتصاد المالي، بينما يهدد توسيع نشاطه الدول الساحلية مثل بنين وتوغو ونيجيريا. ويشير المحللون إلى أن هدف JNIM الأوسع هو زعزعة استقرار الحكومات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو، وتحفيز احتجاجات أو انقلابات قد تؤدي إلى أنظمة أكثر قبولًا لمطالبه، بما في ذلك تطبيق الشريعة واعتراف بسلطته الإقليمية.
عامل معقد آخر هو المنافسة بين الجماعات الجهادية، يواجه JNIM تحديًا متصاعدًا من ولاية الساحل التابعة لداعش (ISSP)، وهو لاعب أكثر خطورة. وفي بوركينا فاسو، أودت الاشتباكات بين الطرفين بمئات القتلى قبل هدنة مؤقتة. وأفاد الخبراء أن بعض مقاتلي JNIM انضموا إلى داعش، ما غيّر ميزان القوى. هذه الحرب “بين الجهاديين” المستندة إلى انقسامات أيديولوجية وعرقية قديمة تضيف طبقة من عدم اليقين وتهدد بمزيد من زعزعة الاستقرار في الساحل.
يخوض كل من JNIM وISSP حربًا معلوماتية متقدمة. وعلى الرغم من شهرة داعش في الاستراتيجيات الرقمية، فقد أنشأ JNIM حضورًا قويًا على الإنترنت من خلال مؤسسات إعلامية مثل Az-Zallaqa، ويطلق حملات دعائية متعددة اللغات تستهدف جماهير محددة، مسلطًا الضوء على فساد الحكومة، التدخل الأجنبي، وفشل الدولة. ويستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، التطبيقات المشفرة، والإذاعات المحلية لتعظيم أثر حصاره على الوقود، عبر نشر صور الشاحنات المحترقة والمحطات الفارغة، لتعزيز شعور الناس بانهيار الدولة.
على الرغم من خبرة روسيا في الحرب المعلوماتية، أصبحت هدفًا رئيسيًا لدعاية JNIM التي تصور موسكو كمحتل، على غرار ما قامت به داعش خلال تدخل روسيا في سوريا. وقد يمتد هذا الصراع الدعائي إلى خارج أفريقيا، كما حدث في هجمات داعش المعلنة على الأراضي الروسية. يظهر JNIM أيضًا أنشطة شبيهة بالحكم، مثل تسوية النزاعات، المحاكم المحلية وتوزيع الموارد، لتعزيز شرعيته.
ويبرز نفسه كمقدم للعدالة والأمن، ما يقوي تأثيره السياسي والاجتماعي. تثير هذه التطورات تساؤلات صعبة للمجتمع الدولي. فقد عجزت التدخلات الأجنبية السابقة كالفرنسية والروسية عن معالجة جذور التطرف، مثل التهمييش، الفقر، والجهل، حيث ركزت فقط على تصفية القادة. ويؤكد المحللون أن نجاح JNIM يعود جزئيًا إلى قدرته على تقديم حماية، استقرار اجتماعي، فرص للانتقام وحوافز اقتصادية للسكان المحليين. يكرر نهج روسيا النهج الفرنسي بالاعتماد على القوة العسكرية مع إهمال الاستراتيجية السياسية. وكلاهما فشل في كبح زخم JNIM، بينما كانت القوات الحكومية المالية أحيانًا مسيئة وغير فعالة.
تسلط أزمة مالي الضوء على حدود الحلول العسكرية الخارجية، ومرونة الجماعات الجهادية الحديثة، والصراع الجيوسياسي الناشئ في أفريقيا. ويبرز مزيج JNIM من التمرد، الحكم المحلي، الحرب الاقتصادية والتأثير الرقمي تحوله إلى واحد من أكثر فروع القاعدة تأثيرًا واستراتيجية في المنطقة.
وسيحدد مسار هذا الصراع مستقبل مالي واستقرار منطقة الساحل الأوسع. إذا انهارت الحكومة المالية، ستصبح الخيارات الدولية محدودة. وقد تكون سياسة “الانتظار والترقب” أكثر الخيارات واقعية، مع إمكانية بعض الانخراط المحدود إذا أبدت JNIM سمات براغماتية، كما حدث مع طالبان أو جماعات أخرى حكمت أراضٍ.
تُظهر الأزمة الحالية في مالي محدودية الحلول العسكرية التقليدية أمام الجماعات الجهادية الحديثة مثل JNIM، التي استطاعت دمج الحرب التقليدية مع الحصار الاقتصادي، الاستغلال الاجتماعي والسياسي، والعمليات المعلوماتية الرقمية. نجاح JNIM في توسيع نفوذها العرقي والجغرافي يعكس قدرة هذه الجماعات على استغلال الانقسامات المحلية والفراغات الحكومية، ما يزيد من صعوبة إعادة الدولة إلى سيطرة فعالة.
أظهرت الشراكة الروسية مع الحكومة المالية، رغم تعزيزها بالقدرات العسكرية لفيلق أفريقيا، محدودية التأثير العسكري المباشر، حيث تكبدت القوات الروسية والمالية خسائر كبيرة في المواجهات الأخيرة. وتعكس هذه التجارب فشل نموذج الاعتماد الكلي على القوة العسكرية، سواء من قبل فرنسا أو روسيا، في تحقيق استقرار دائم، خصوصًا دون معالجة جذور التمرد والفقر والفساد المحلي.
يُظهر توسع JNIM إلى دول الساحل الغربية الأخرى وامتداد المنافسة مع داعش (ISSP) على الصعيد الإقليمي، إمكانيات زعزعة أكبر للاستقرار، حيث يمكن أن تؤدي صراعات بين الجماعات الجهادية نفسها إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة، مع تأثير مباشر على الأمن والاقتصاد المحلي والدولي. من المرجح استمرار الأزمة على مسارين متوازيين: الأول، تصاعد التوترات العنيفة مع مخاطر سقوط الحكومة المالية وتوسيع نفوذ JNIM، والثاني، احتمال تدخل دبلوماسي محدود من القوى الإقليمية والدولية لتجنب انهيار الدولة، مع احتمال تفاوض محدود مع الجماعة إذا أظهرت بعض المرونة السياسية.
يبدو أن الحلول العسكرية وحدها لن تكون كافية، وأن التعامل مع JNIM يتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين الدبلوماسية، التنمية الاقتصادية، والإصلاحات المحلية لتعزيز الشرعية الحكومية. كما أن الفضاء الرقمي أصبح أداة استراتيجية للجماعات الجهادية، ما يجعل مراقبته وإدارته جزءًا لا يتجزأ من أي خطة مستقبلية للحد من تأثيرها.
خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
