
80% من الأوروبيين قلقون إزاء احتمال تعرّض القارة لاعتداء روسي (رويترز)
- الجنرال فابيان ماندون يدعو الفرنسيين لـ”قبول خسارة أبنائهم” إذا اندلعت مواجهة مع روسيا.
- خبير دولي: العبارة التي استخدمها ماندون تعكس توجّهًا إستراتيجيًا متشددًا.
- فياض: استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر مستويات مرتفعة من القلق الشعبي الأوروبي.
- خبير عسكري: روسيا لا تنوي مهاجمة أوروبا وجلّ ما أراده بوتين هو منع أوكرانيا من الانضمام للناتو.
تتواصل الضّجة التي أثارها الجنرال فابيان ماندون، رئيس أركان الجيوش الفرنسية، الذي دعا الفرنسيين بشكل جريء إلى “قبول خسارة أبنائهم” إذا اندلعت مواجهة مع روسيا. ومع مرور الأيام، لا تزال هذه العبارة تتمدّد “ككرة ثلج”، ويثير انتشارها هلعًا سياسيًا وإعلاميًا غير مسبوق، حتى بدت كأنها قرعٌ مفاجئ لناقوس الحرب داخل قلب أوروبا. وتترافق هذه الدّعوة مع خطوات عمليّة تقوم بها دول أوروبيّة، في طليعتها فرنسا وألمانيا، لتعزيز جيوشها عدداً وعتاداً.
في خضم هذه الضجة، يبرز سؤال محوريّ “هل إنّ فرنسا تمهّد الرأي العام لمرحلة أكثر خطورة مما يُقال”؟ كما تتزايد الأسئلة بشأن مدى اقتناع الأوروبيين فعلًا بخطر هجوم روسي محتمل، ولماذا اختار ماندون تحديدًا مخاطبة رؤساء البلديات في هذا التوقيت الحسّاس، وما إذا كان خطابه يعكس تحولًا إستراتيجيًا حقيقيًا أم مجرد مبالغة عسكرية تُضخّم التهديد الروسي.
لفهم أبعاد هذه الرسائل المثيرة للقلق، قدّم الجيوسياسي والخبير في الاقتصاد الدولي ميشال فيّاض، في حديث لمنصّة “المشهد” قراءة تفكّك خلفيات الخطاب وتكشف أن القضية أعمق وأعقد مما بدا، إذ اعتبر أن العبارة التي استخدمها ماندون “قبول خسارة أبنائنا” تعكس توجّهًا إستراتيجيًا متشددًا داخل المؤسسة العسكرية الفرنسية.
وأكد فيّاض أنّ “الخطاب ينطلق من اقتناع بأن فرنسا قد تواجه صراعات عالية الحدّة خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو ما يفسّر تشديد ماندون على ضرورة الاستعداد لتضحيات بشرية واقتصادية عبر تبنّي اقتصاد حرب ومفهوم الصمود الوطني”.
ورأى أنّ هذه “الرؤية قد تكون مبالغًا فيها، إذ تخاطر فرنسا بالدخول في مسار تصعيديّ مع روسيا على حساب أولويات أمنية أكثر إلحاحًا، مثل تهديد التنظيمات الإسلامية المتطرفة”. وأشار فيّاض إلى أن “استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر مستويات مرتفعة من القلق الشعبي الأوروبي يصل إلى 80% في بعض الدول إزاء احتمال تعرّض القارة لاعتداء روسي”.
وشدّد على أن “تصريحات قادة مثل وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس ورئيسة وزراء إستونيا السابقة ومسؤولة السياسة الخارجية في المفوضية الأوروبية حالياً كايا كالاس أسهمت في ترسيخ هذا الشعور”. ومع ذلك، اعتبر فيّاض أن “موسكو، المُنهكة عسكريًا بفعل حرب أوكرانيا، ليست في وضع يسمح لها بمهاجمة حلف الناتو”، معتبرًا أن “تضخيم هذا الخطر يعرقل أي مسار تفاوضي ويحجب التهديدات الأكثر إلحاحًا داخل أوروبا”.
وشدّد فيّاض على أن “توجيه الخطاب إلى رؤساء البلديات لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان خطوة محسوبة إداريًا وإستراتيجيًا”. وأوضح أن البلديات تمثل حلقة الوصل الأكثر قربًا وتأثيرًا على المواطنين، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في أيّ تعبئة مدنية أو اقتصادية إذا تدهورت الأوضاع. وأشار فيّاض إلى أن هذه المقاربة تركّز على:
- توعية السكان بمخاطر الحرب المحتملة.
- تعزيز القدرة على مواجهة التضليل الإعلامي.
- تنظيم الجاهزية المحلية في حال تعبئة وطنية واسعة.
ورغم ذلك، اعتبر فيّاض أن هذه الخطوة قد تبعد الانتباه عن أولويات ملحّة، في مقدمتها مكافحة التطرف الإسلامي، وتدفع باتجاه خطاب معادٍ لروسيا قد يعقّد فرص السلام في أوكرانيا.
روسيا لا تنوي مهاجمة أوروبا
وفي سياق موازٍ، قال الخبير في الشؤون العسكريّة والإستراتيجيّة، العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني سعيد القزح، لمنصة “المشهد” إن روسيا لا تنوي مهاجمة أوروبا وجلّ ما أراده فلاديمير بوتين هو منع أوكرانيا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي لكي لا تصبح صواريخ الناتو على مسافة 150 كيلومترا من موسكو. وأضاف الخبير العسكري أن كلام الجنرال الفرنسي فابيان ماندون يجب أن يؤخذ على محمل الجد، معتبراً:
- الأوروبيون أخطأوا في دعم فولوديمير زيلينسكي وتشجيعه على خوض الحرب.
- كتبت قبل سنتين مقالاً على إثر الهجوم الأوكراني المضاد على منطقة كورسك الروسية، فنّدت فيه أسباب عبثية هذا الهجوم واستحالة نجاحه، وبالتالي فإن روسيا “يستحيل أن تخرج مهزومة من هذه الحرب.
وشدد القزح على أهمية الدور الأميركي الساعي إلى إنهاء الحرب عبر خطة سلام يفرض فيها الرئيس دونالد ترامب على كييف قبول التنازل عن جزء كبير من الأراضي التي سيطرت عليها روسيا، “علماً أن بوتين يعتبر أن بلاده استعادتها لأنّ سكان الدونباس هم روس ويتحدثون اللغة الروسية”.
ولفت إلى أن الخطة تتضمن وضع سقف لعدد الجيش الأوكراني هو 600 ألف جندي، وإدراج بند في الدستور يمنع انضمام كييف إلى الناتو.
ورأى أنّ زيلينسكي ضعيف ويجب إزاحته والإتيان برئيس “متصالح” مع فكرة السلام مع موسكو، مشيراً إلى أن الرئيس الأوكراني ازداد ضعفاً في ظل فضائح فساد كبيرة تكشّفت خيوطها أخيراً.
خلاصة القول إنّ خطاب الجنرال الفرنسي لم يكن مجرد جملة صادمة، بل يعكس تحولًا في المزاج الإستراتيجي الفرنسي. غير أن تضخيم “الخطر الروسي” قد يجرّ أوروبا إلى مسارات تصعيدية غير محسوبة، فيما تبقى التحديات الداخلية أكثر إلحاحًا ووضوحًا.
بين التحذير والمبالغة، يبدو أن القارة أمام مرحلة إعادة تعريف أولوياتها قبل الحديث عن أيّ مواجهة محتملة.
