
ما زال التيار الأصولي والإقصائي هو السائد في أغلب مناقَشات الفكر الإسلامي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر الكارثية، التي أعطت المتطرِّفين والأصوليين موقعًا بارزًا لم يكونوا ليَحلُموا به يومًا. ومن جانب آخر فإن العلاقة بين العالمَين الإسلامي والغربي حاضرة بقوة في التاريخ الحديث للفكر الإسلامي. في واقع الأمر، كانت بداية المواجهة بين العالمَين هي التي جرت تحدي الحداثة ـ بكل قيمها على غرار التقدم والقوة والعلم والعقل ـ لتخترق المجتمعات التقليدية، وتنتهك بالتالي هُويَّاتها الراسخة. إلا أن رد الفعل لم يكن سلبيا على الدوام. ركز أي رد فعلٍ سلبي على الغزو العسكري، واحتلال الأرض، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية.
تبين هذا الدراسة “إصلاح الفكر الإسلامي: تحليل تاريخي نقدي” للمفكّر الراحل د.نصر حامد أبو زيد، والصادرة بالإنجليزية عام 2006 والتي ترجمتها للعربية دينا غراب، وصدرت أخيرا 2024 عن مؤسسة هنداوي، كيف حاول المفكرون المسلمون الإصلاحيون من مصر وإيران وحتى إندونيسيا منذ وقت مبكر تخليص الإسلام من التفسيرات التقليدية والتي تركِّز على الشريعة، ونزعوا إلى إبراز قيم إسلام ثقافي ومستنير وديناميكي. ويرفض الكثير من خلفائهم المعاصرين الإسلامَ الجامدَ الذي تدعمه الأنظمة السياسية السلطوية والمحافظون؛ فهم يريدون أن يحلَّ محله إسلام حديث وروحاني وأخلاقي. لكن للأسف الحداثة باعتبارها منتجًا غربيًّا، والمعادلة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين التغريب، لا يزالان هما المهيمنَين خارج هذه الدوائر الفكرية.
يقول أبو زيد “من أسباب اختزال الإسلام في نموذج الشريعة هو التهميش التدريجي للفلسفة الإسلامية وعلم الكلام الإسلامي منذ القرن الخامس الهجري؛ أي، القرن الثاني عشر الميلادي. فقد كان الفلاسفة وعلماء الكلام المخالفون للمنهج المتبع يتعرضون للاضطهاد أو الهجوم من جانب الفقهاء والسلطات السياسية. من العلامات على هذا الطريق “المحنة” التي تلت مرسوم الخليفة المأمون عام 833 الذي فرض مذهب خلق القرآن لدى المعتزلة، واضطهد المعارضين لهذا الاتجاه. وقد استمر هذه الأمر 15 عامًا تقريبا. وفي القرن الثاني عشر في الأندلس، حين التمس الخليفة الدعم في حروبه ضد الملوك الكاثوليك، أقدم على نفي عالم الكلام المرموق ابن رشد وحرق كتبه. وكان من الأنصار الآخرين الكُثر الذين أُعدموا الصوفيان الجليلان الحلاج (الذي أُعدم عام 910) والسهروردي (شهاب الدين يحيى، الذي أُعدم عام 1191).
