رحلة عبدول السيد من الطب إلى الكونغرس

لم يكن عبدول السيد مجرد مرشح ديمقراطي ينافس على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، بل تحول خلال أشهر إلى أحد أبرز وجوه المواجهة السياسية مع الرئيس دونالد ترامب، بعدما نجح في تجاوز هزيمة انتخابية قديمة، وتحدي قيادات حزبه، وبناء حركة شعبية أعادته إلى صدارة المشهد السياسي في ولاية ميشيغان.

وبينما أظهرت نتائج الفرز فوزه على الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات النصفية، فإن أهمية فوزه تتجاوز حصيلة الأصوات، إذ بات يمثل نجاحا لقدرة التيار التقدمي على الفوز في الولايات المتأرجحة، ووصول أول مسلم في تاريخ الولايات المتحدة إلى مجلس الشيوخ.

وفي المقابل، اختار ترامب تحويل المنافسة معه إلى مواجهة شخصية، وهاجمه بسبب اسمه وديانته ومواقفه من إسرائيل، مطلقاً بحقه اتهامات بالتطرف والإرهاب لم يقدم أدلة تثبتها، في حملة أثارت انتقادات حتى داخل أوساط عربية أمريكية كانت قد ساندت الرئيس الجمهوري.

ووفق وكالة أسوشيتد برس، وصف ترامب السيد خلال تجمع انتخابي في بورت هورون بميشيغان، في 25 أكتوبر/تشرين الأول، بأنه “جهادي”، وشكك في ولائه للولايات المتحدة، بينما رد المرشح الديمقراطي بأن الهجمات تستهدف هويته الدينية لصرف الأنظار عن التداعيات الاقتصادية لسياسات الإدارة.

وتكتسب هذه المواجهة دلالة خاصة لأن السيد لم يصل إلى المشهد السياسي من بوابة المناصب المنتخبة أو العائلات النافذة، بل من قاعات الجامعات ومؤسسات الصحة العامة، قبل أن يصنع شهرته السياسية عبر شبكة من المؤيدين الشباب والعمال والناشطين.

ولد عبد الرحمن محمد السيد، المعروف سياسياً باسم عبدول السيد (Abdul El-Sayed)، في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1984، بمدينة روتشستر هيلز في ولاية ميشيغان، لوالدين من أصول مصرية، قبل أن ينفصل والداه وهو في الثالثة من عمره.

ونشأ مع والده محمد السيد، المهندس الذي هاجر من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراساته العليا في جامعة واين ستيت، وزوجة والده جاكلين، وسط بيئة جمعت بين الهوية المصرية والثقافة الأمريكية.

وتشير سيرته التي وثقتها جامعة كولومبيا إلى أن والده غادر مصر في سياق سياسي اتسم بالتوتر مع السلطة، حاملاً اهتماماً بقضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهو ما ترك أثراً في تكوين ابنه السياسي لاحقاً.

أما عبدول، فقد عاش طفولته وشبابه في ضواحي ديترويت، ودرس في المدارس الأمريكية، وبرز رياضياً قائداً لفرق كرة القدم الأمريكية والمصارعة واللاكروس، قبل أن يتجه إلى دراسة العلوم والطب.

غير أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 شكلت محطة مبكرة في وعيه بهويته؛ إذ روى في مقابلة مع مجلة جامعة كولومبيا كيف تعرض لمضايقات بسبب أصوله العربية بعد الهجمات، ما دفعه إلى التفكير في العلاقة بين الانتماء الديني والعرقي وفرص الاندماج داخل المجتمع الأمريكي.

ولذلك، فإن السجال الذي يواجهه اليوم مع ترامب ليس منفصلاً تماماً عن تجربته الشخصية، بل يعيد إلى الواجهة أسئلة رافقته منذ شبابه بشأن معنى المواطنة الأمريكية وحدود قبول الاختلاف الديني والثقافي.

لم تكن رحلة السيد الأكاديمية تقليدية؛ فقد تخرج في جامعة ميشيغان عام 2007، بعد دراسة الأحياء والعلوم السياسية، ثم حصل على منحة “رودس” المرموقة لمتابعة دراساته في جامعة أكسفورد البريطانية، حيث نال الدكتوراه في الصحة العامة.

وعاد لاحقاً إلى الولايات المتحدة، وحصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا عام 2014، وعمل أستاذاً مساعداً في علم الأوبئة.

لكن السيد لم يسلك طريق الممارسة الطبية التقليدية، بل فضّل الانخراط في الصحة العامة وإدارة السياسات الصحية. ووفق تحقيق نشرته منصة “بوليتي فاكت” في أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإنه يحمل شهادة طب معترفاً بها، لكنه لم يكمل برنامج الإقامة الطبية ولم يحصل على ترخيص لممارسة الطب بصورة مستقلة.

وأصبح عام 2015، وهو في الثلاثين من عمره، مسؤولاً عن إدارة الصحة العامة في ديترويت، ليكون من أصغر المسؤولين الذين تولوا هذا المنصب في مدينة أمريكية كبرى. وهناك ارتبط اسمه بإعادة بناء الخدمات الصحية بعد أزمة إفلاس المدينة، والعمل على قضايا تلوث المياه والرصاص وصحة الأطفال والحد من أضرار تعاطي المخدرات.

وعاد إلى العمل الحكومي بين عامي 2022 و2025، عندما تولى إدارة الخدمات الصحية والإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، قبل أن يستقيل لخوض معركة مجلس الشيوخ. وأتاحت هذه التجربة للسيد بناء خطابه السياسي حول فكرة أساسية، مفادها أن صحة الأمريكيين لا تتحدد داخل المستشفيات وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بالفقر والسكن والتعليم ومستويات الدخل والسياسات الحكومية.

كانت أولى محاولات السيد الكبرى لدخول السياسة عام 2018، عندما خاض الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمنصب حاكم ميشيغان، بدعم من شخصيات تقدمية بارزة، بينها السيناتور بيرني ساندرز. لكن تجربته انتهت بهزيمة ثقيلة أمام غريتشن ويتمر، بفارق تجاوز عشرين نقطة مئوية، ما أبعده عن الواجهة الانتخابية لسنوات.

وخلال تلك الفترة، اتجه إلى الإعلام والكتابة، فأطلق بودكاست “أمريكا ديسكتد” المتخصص في قضايا الصحة والسياسات العامة، وأصدر كتباً من بينها “السياسة الشافية” و”ميديكير للجميع: دليل المواطن”. ولم يكن نشاطه الإعلامي مجرد محطة مهنية، بل تحول تدريجياً إلى وسيلة لبناء قاعدة جماهيرية خارج الهياكل التقليدية للحزب الديمقراطي، خصوصاً بين الشباب والناشطين المهتمين بالعدالة الاجتماعية والرعاية الصحية.

ثم جاءت الفرصة الثانية في أبريل/نيسان 2025، عقب قرار السيناتور الديمقراطي غاري بيترز عدم الترشح مجدداً، ليفتح الباب أمام منافسة على مقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ. بدأ السيد حملته بفريق من أربعة أشخاص، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر الحملات التقدمية نشاطاً في الولاية.

وبحسب أرقام نقلتها وكالة أسوشيتد برس عن حملته، زار 110 مدن، ونظم أكثر من 500 فعالية انتخابية، واستقطب نحو 12 ألف متطوع، مستفيداً من اللقاءات الميدانية والمنصات الرقمية والبودكاست للوصول إلى ناخبين لم تكن الحملات التقليدية تستهدفهم بالقدر نفسه.

وجاءت المفاجأة في الرابع من أغسطس/آب 2026، عندما هزم النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز، المدعومة من شخصيات بارزة في قيادة الحزب، بفارق 14,893 صوتاً، أي بأقل من نقطة مئوية واحدة.

وكان الانتصار لافتاً، خصوصاً أن المجموعات الخارجية المؤيدة لمنافسته أنفقت أكثر من 60 مليون دولار، بينها أكثر من 30 مليون دولار من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» والجهات المرتبطة بها، وفق أسوشيتد برس.

وبالنسبة إلى ساندرز، مثّل الفوز انتصاراً استثنائياً للتيار التقدمي، ودليلاً على إمكانية تحدي المؤسسة الحزبية والمال السياسي. وهكذا انتقل السيد من مرشح خسر قبل ثماني سنوات إلى أحد أبرز رموز الجدل حول مستقبل الحزب الديمقراطي، وما إذا كان قادراً على استعادة الناخبين بخطاب اقتصادي أكثر يسارية ومواقف سياسية أكثر استقلالاً.

لم تبدأ المواجهة بين السيد وترامب بإعلان نتائج انتخابات الكونغرس، بل تصاعدت مع تحوّل ميشيغان إلى واحدة من أهم ساحات الصراع على الأغلبية التشريعية. فالسيد يمثل نموذجاً سياسياً يناقض جانباً كبيراً من خطاب ترامب؛ فهو أمريكي مسلم من أصول مصرية، يدافع عن توسيع الرعاية الصحية الحكومية، وينتقد تشديد سياسات الهجرة، ويرفض سياسات الحرب والرسوم الجمركية التي يعتبرها عبئاً على الطبقة العاملة.

وعلى الجانب الآخر، كان ترامب يدعم الجمهوري مايك روجرز، عضو مجلس النواب السابق ورئيس لجنة الاستخبارات فيه، والذي حاول انتزاع المقعد الديمقراطي في ميشيغان.

ففي أكتوبر/تشرين الأول، وصف ترامب منافس روجرز بأنه «متطرف» و«متعاطف مع الإرهاب»، وأشار إليه باسم “محمد” بدلاً من اسمه المعروف، قبل أن يصعّد هجومه خلال تجمع انتخابي في بورت هورون يوم 25 أكتوبر.

وهناك، اتهمه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، ووصفه بأنه “جهادي”، مستحضراً هجمات 11 سبتمبر للتشكيك في أهليته لدخول مجلس الشيوخ. وأثارت التصريحات انتقادات واسعة، إذ لم تقدم حملة ترامب أدلة تثبت انتماء السيد إلى الجماعة أو ارتباطه بنشاط إرهابي.

ورد السيد باتهام الرئيس بمحاولة استغلال هويته الدينية لإثارة مخاوف الناخبين وصرف انتباههم عن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. وفي تصريحات نقلتها “سي بي إس نيوز”، سخر من تركيز ترامب على اسمه، قائلاً إن الرئيس يستطيع مناداته بلقب “سيناتور” بعد الانتخابات.

ولم يكن الخلاف متعلقاً بالتصريحات وحدها، بل اتخذ بعداً أوسع بشأن موقع المسلمين والعرب الأمريكيين في الحياة السياسية، وطبيعة الخطاب الانتخابي الموجه إليهم. لم تقتصر المواجهات السياسية التي خاضها السيد على الجمهوريين، بل امتدت إلى داخل الحزب الديمقراطي نفسه، وخصوصاً بشأن إسرائيل والحرب في غزة.

فقد تبنى خطاباً معارضاً لاستمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ودعا إلى توجيه مزيد من الأموال الفيدرالية لتوفير الرعاية الصحية وتحسين الظروف الاقتصادية للأمريكيين. كما انتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وربط بين السياسات الخارجية الأمريكية والضغوط الاقتصادية الداخلية، في مقاربة جذبت جزءاً من الناخبين الشباب والتقدميين والعرب والمسلمين.

لكن هذه المواقف أثارت اعتراضات داخل الحزب الديمقراطي، خصوصاً لدى مؤيدي إسرائيل الذين اعتبروا بعض تصريحاته غير متوازنة أو مثيرة للقلق. وتفاقمت الأزمة بعد هجوم استهدف كنيساً يهودياً في منطقة ديترويت، عندما أدلى السيد بتصريحات تحدث فيها عن دورة العنف وآثار الصدمات النفسية. واعتبر منتقدوه أن صياغته قد تُفهم بوصفها تبريراً للهجوم، فيما اعتذر لاحقاً عن الأذى الذي سببته كلماته، مؤكداً أنه لم يقصد تبرير العنف.

كما أثارت علاقته بصانع المحتوى السياسي حسن بيكر، المعروف بمواقفه الحادة تجاه إسرائيل، انتقادات داخل الحزب وخارجه. وبلغ الانقسام ذروته قبل يومين من الانتخابات، عندما أعلنت هايلي ستيفنز، منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، سحب تأييدها له ودعم الجمهوري مايك روجرز.

ونأى السيد بنفسه عن الإعلان، مؤكداً أن حملته ليست مسؤولة عنه، لكن الخلاف استمر حتى إعلان ستيفنز تأييد المرشح الجمهوري. تمثل ميشيغان حالة انتخابية خاصة بسبب ثقلها الصناعي وتنوعها الديموغرافي، ووجود تجمعات عربية ومسلمة كبيرة فيها، خصوصاً في ديربورن وضواحي ديترويت.

وخلال الانتخابات الرئاسية عام 2024، استفاد ترامب من غضب قطاعات من الناخبين العرب والمسلمين تجاه تعامل إدارة جو بايدن مع الحرب في غزة، ما ساعده في تحقيق مكاسب داخل مجتمعات كانت تاريخياً أقرب إلى الديمقراطيين.

لكن هجمات ترامب على السيد أعادت التوتر إلى العلاقة بين الرئيس وبعض الشخصيات العربية الأمريكية التي دعمته سابقاً. فقد نقلت أسوشيتد برس عن بشارة بحبح، مؤسس مجموعة “عرب أمريكيون من أجل ترامب” التي تغير اسمها لاحقاً إلى “عرب أمريكيون من أجل السلام”، إدانته تصريحات الرئيس ضد السيد، واعتباره أنها تحمل خطاباً عنصرياً غير مقبول.

يرتكز برنامج السيد على ثلاث أولويات رئيسية؛ تقليص تأثير المال السياسي في الانتخابات، وزيادة القدرة الشرائية للأسر الأمريكية، وتوسيع التأمين الصحي وصولاً إلى نظام تغطية شاملة. ويتبنى موقفاً نقدياً تجاه نفوذ الشركات الكبرى وجماعات الضغط، ويطالب بإعادة توجيه أولويات الإنفاق الحكومي نحو الخدمات الاجتماعية. كما يدعو إلى تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز البيانات، ومراجعة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتوسع في الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على حماية العمال والمستهلكين.

وفي السياسة الخارجية، يمثل السيد اتجاهاً يرفض التوسع في التدخلات العسكرية الأمريكية، ويدعو إلى الحد من الدعم العسكري غير المشروط للحلفاء، بما في ذلك إسرائيل.

إرم نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *