
على خلاف ما تُشير إليه التقارير الاستخباراتية بأنّ شبكة تمويل ميليشيا “حزب الله” في أمريكا اللاتينية، كشفت مصادر رقابية غربية عن تعقيدات جديدة في منظومة التمويل شملت مونتريال الكندية، وطالت الحدائق الخلفية لواشنطن.
وفيما تركز التقديرات الأمنية- المبنية على محاضر قضائية وعلى بيانات تدفقات الأموال المشبوهة- على علاقة التحالف التي بنتها الميليشيا خلال العقود السابقة مع كارتلات الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات والاتجار بالبشر ضمن إطار الجزء الجنوبي من القارة الأمريكية، يبدو أن هذه التقديرات لم تنجح بصفة كلية في تفكيك طبيعة التشبيك المالي للميليشيا في القارة الأمريكية.
وكشفت تقارير استخباراتية وأمنية حديثة -صادرة عن منصات تحليل متخصصة- مسارات معقدة لتمويل شبكات ميليشيا “حزب الله” العابرة للقارات، تربط بين تدفقات الأموال من الجاليات والاقتصادات الغربية وعلى رأسها كندا، وصولاً إلى شبكات غسيل وتبييض الأموال في منطقة الحدود الثلاثية بأمريكا اللاتينية.
وتعتبر منصات الاستخبارات القائمة على المصادر المفتوحة مثل منصة (Command Eleven) وغيرها، أن التقييمات والتصنيفات الرسمية الكندية لميليشيا “حزب الله” كواحدة من أبرز الجهات المستهدفة والمعنية بتحويلات الأموال المشبوهة، لم تحُل دون استغلال وتوظيف الميليشيا لمونتريال كنقطة مركزية لتدفقاته المالية والتي تربط بينها وبين المنطقة الحدودية الثلاثية وصولاً إلى البنوك ومحلات الصرافة اللبنانية القريبة من “حزب الله”.
وتشير المصادر إلى أن التحدي الاستراتيجي والاستخباراتي الأكبر لكندا حالياً لا يكمن في الرصد المالي -وهو استحقاق تؤمنه وكالات مراقبة مالية متميزة ومتقدمة مثل وكالة (FinTrac)- بل في القدرة على إيقاف هذه التدفقات المالية، بشكل يحول دون تحول كندا إلى مرتكز لجمع الأموال وإعادة إرسالها إلى الميليشيا.
وتؤكد المصادر أنه رغم وجود هياكل رقابة مالية كندية متطورة، إلا أنها ما تزال تعاني من ضعف في آليات إنفاذ القانون والقدرة على التدخل المباشر والمقاضاة الجنائية، لقطع قنوات التبرعات والتمويل غير المشروع، التي تستغلها الشبكات المرتبطة بالميليشيا تحت غطاء العمل الخيري أو الاجتماعي.
ووفقاً للمصادر، لا يعدّ الأمر تضييقاً على الجالية اللبنانية في كندا، التي تقوم بإرسال أموال إلى عائلاتها أو ذويها، وليس أيضاً ضرباً لمورد مالي مهم لفائدة الخزينة اللبنانية من العملة الصعبة، لكنه إجراء للحيلولة دون غسيل الأموال وتمويل الجماعات المتطرفة تحت عنوان الأعمال الخيرية والاجتماعية.
في هذا المستوى، تصبح منطقة الحدود الثلاثية حيث تتقاطع حدود الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وتحديداً مدن مثل “سيوداد ديل إيستي”، بمثابة نقطة العبور الأساسية لتدفقات ميليشيا “حزب الله” المالية التي تنطلق إما من مونتريال أو من أمريكا اللاتينية ذاتها. وهنا تتوافق التحليلات الاستراتيجية والأمنية حول أن هذه المنطقة الثلاثية باتت بمثابة الرئة المالية واللوجستية للميليشيا في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
وتستغل شبكاتُ الجريمة المنظمة ونخبةُ رجال الاعمال المرتبطة بالميليشيا غيابَ القرابة الفعالة والحدودَ الرخوة لإدارة أنشطة تجارية رمادية، والانخراط في تجارة الممنوعات على غرار المخدرات وغسيل الأموال وتوظيف العملات المشفرة مثل الأصول الرقمية المستقرة للالتفاف على العقوبات الدولية المتصاعدة.
وعلى ضوء هذا الأمر، شرعت عدة دول أمريكية لاتينية في اتخاذ قرارات إجرائية نافذة للحيلولة دون تحولها إلى بؤرة للتدفقات المالية غير المشروعة. ومن بين هذه الدول، بارغواي التي أنشأت مؤخراً وحدات متخصصة لمكافحة الإرهاب في منطقة الحدود الثلاثية، في محاولة منها لكبح التمدد المالي للشبكات العابرة للحدود، إلا أن الكارتلات المرتبطة بالميليشيا تبدي تكيّفاً مع الأوضاع القانونية الجديدة والضغوطات الأمنية المتزايدة.
وتشير الجهات الامنية اللاتينية المطلعة إلى أنّه وفي ظل الضربات الاستخباراتية التي تلقاها الهيكل المالي التقليدي للميليشيا في الشرق الأوسط، باتت الأخير تعتمد بشكل متزايد على توظيف تجارة السلع والذهب والعائدات النقدية عبر شبكات الحوالة غير الرسمية.
بالإضافة إلى التحول شبه الكامل نحو محفظات رقمية غير مركزية لتفادي الرقابة المصرفية التقليدية، وهو ما دفع بالوكالات الأمنية الأمريكية والدولية لتكثيف الرقابة على التداولات الرقمية المرتبطة بشبكات الحرس الثوري وميليشيا حزب الله.
