
حرب 6 أكتوبر، في العديد من الصراعات العسكرية، تُحسم المعارك بواسطة الأسلحة والجيوش والخطط الاستراتيجية الدقيقة، غير أن فكرة واحدة قد تُعيد تشكيل مسار الحرب بأكملها، وهذا بالضبط ما أنجزه اللواء المهندس باقي زكي يوسف، مبتكر الفكرة التي مكّنت القوات المصرية من اختراق الحاجز الترابي الإسرائيلي الشهير بخط بارليف، خلال حرب السادس من أكتوبر سنة 1973، إذ لم يتغلب هذا الرجل على الحاجز بقوة السلاح فحسب، بل بواسطة فكرة عملية قائمة على معرفته العميقة بالهندسة وخصائص التضاريس.
كان خط بارليف يمتد على الضفة الشرقية لقناة السويس، وقد أقيمت خلفه تحصينات وسواتر ترابية عالية وصعبة الاختراق. وشكّل عبور هذه التحصينات تحدياً كبيراً أمام القوات المصرية، إذ كان فتح ثغرات فيها بالوسائل التقليدية سيستغرق وقتاً طويلاً ويعرّض الجنود لمخاطر جسيمة، هنا ظهرت أهمية التفكير خارج الحلول المعتادة، والبحث عن وسيلة سريعة وفعالة تناسب طبيعة المهمة.
استلهم باقي زكي يوسف فكرته من خبرته في العمل بمشروع السد العالي، حيث شاهد قدرة مضخات المياه على تفتيت التربة وإزالة كميات ضخمة منها، ومن هنا اقترح استخدام مضخات قوية تضخ المياه تحت ضغط عالٍ لتجريف أجزاء من الساتر الرملي، وفتح ممرات تسمح بعبور الدبابات والمركبات إلى الضفة الشرقية، كانت الفكرة بسيطة في مبدئها، لكنها احتاجت إلى دراسة وتجارب وتنسيق دقيق كي تصبح قابلة للتنفيذ في ظروف الحرب.
لم تكن الفكرة وحدها كافية؛ فقد تطلبت تجهيز المضخات، وتوفير المياه، وتحديد مواقع فتح الثغرات، ثم تنفيذ العمل بسرعة وتحت ضغط نيران العدو، كما تطلبت تعاوناً بين المهندسين والجنود وبقية وحدات القوات المسلحة. وعندما بدأت القوات المصرية عبورها للقناة في السادس من أكتوبر، أدت مضخات المياه دوراً مهماً في إزالة الساتر الترابي وفتح ممرات في الجدار الرملي، ما ساعد على تقدم القوات والمعدات.
ارتبط اسم باقي زكي يوسف بهذه الفكرة التي تحولت إلى جزء من قصة العبور، وتكشف سيرته أن الإنجاز العسكري لا يعتمد دائماً على السلاح وحده؛ فالعلم والخبرة والملاحظة يمكن أن تصنع فرقاً حاسماً، لقد رأى في قوة المياه وسيلة هندسية لحل مشكلة بدت شديدة التعقيد، ثم قدّم اقتراحه ضمن منظومة عمل جماعية شارك فيها كثيرون.
وتظل قصة اللواء باقي زكي يوسف مصدر إلهام للأجيال، لأنها تبرز قيمة الاجتهاد والابتكار، وتؤكد أن المعرفة تصبح أكثر تأثيراً حين توضع في خدمة هدف كبير. كما تذكّر بأن وراء كل إنجاز وطني عقولاً وأيدياً تعمل بإخلاص، وأن الانتصارات لا تُصنع في ساحة القتال فقط، بل تبدأ أحياناً بفكرة يدرسها صاحبها، ويعرضها بثقة، ثم يحولها الفريق إلى واقع.
وبإحياء ذكرى حرب السادس من أكتوبر، يستوجب استرجاع اسم اللواء باقي زكي يوسف باعتباره أحد المفكرين الذين ساهموا بتمهيد السبيل نحو النصر، فقد تصدى للحاجز الترابي برؤية مهندس حكيم، وجسد نموذجاً يبرهن على كيفية تكامل العلم والعزيمة والتعاون الجماعي بلحظة حاسمة من مسيرة الوطن.
