
إقرار رئيس الحكومة الإسرائيلية بزيارة رئيس المخابرات المصرية السابق إلى إسرائيل قبل هجوم 7 أكتوبر 2023 يعيد فتح ملف التحذيرات التي سبقت الهجوم، ويثير تساؤلات بشأن هوية المسؤولين الذين التقوه، وما إذا كانت المعلومات المصرية قد وصلت إلى القيادة السياسية الإسرائيلية.
أقر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بأن رئيس المخابرات العامة المصرية السابق عباس كامل زار إسرائيل قبل هجوم حركة حماس بأيام، لكنه نفى لقاءه خلال الزيارة، وقال إنه لا يعرف هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين اجتمعوا به، في تطور أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن التحذيرات المصرية التي قيل إنها سبقت الهجوم، ومدى تعامل الأجهزة الإسرائيلية معها.
وجاءت تصريحات نتنياهو خلال مقابلة مع برنامج “هباتريوتيم” على القناة 14 الإسرائيلية، إذ أكد هبوط طائرة مصرية في إسرائيل قبل الهجوم، مشيرا إلى أنها بقيت على الأرض نحو 59 دقيقة، ومطالبًا الجهات الأمنية وجهات إنفاذ القانون بالتحقق من هوية الأشخاص الذين التقاهم.
وقال نتنياهو إنه لم يلتق كامل، مبررا ذلك بأنه كان يشارك في مراسم إحياء ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي وقت الزيارة. وأضاف أنه يريد معرفة من اجتمع برئيس المخابرات المصري، معتبرا أن هناك من يسعى إلى ربطه بالزيارة.
غير أن تصريحات نتنياهو فتحت بابا جديدا من التساؤلات، خصوصا في ضوء لقاء سابق جمعه بعباس كامل في القدس في أيار/مايو 2021، أعلن عنه مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية رسميا آنذاك. ويضع هذا اللقاء السابق ادعاء نتنياهو بشأن عدم اجتماعه برؤساء أجهزة المخابرات الأجنبية أمام تساؤلات، وإن كان لا يثبت بحد ذاته وقوع لقاء بين الرجلين خلال زيارة سبتمبر/أيلول 2023.
بحسب تقارير صحفية سابقة، وصل عباس كامل إلى إسرائيل في 26 سبتمبر/أيلول 2023، أي قبل 11 يوما من هجوم السابع من أكتوبر. وكانت مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية قد أفادت، استنادا إلى مصادر إسرائيلية ومصرية وعربية وأميركية وأوروبية، بأن الزيارة تضمنت تحذيرات من استعداد حماس لشن هجوم واسع انطلاقا من قطاع غزة.
ووفقًا للتقرير، لم تتضح هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين التقوا كامل، كما لم يتضمن التحذير، بحسب المعلومات المنشورة، موعدًا محددا للهجوم أو تفاصيل عملياتية دقيقة. لكنه أشار إلى تزايد خطر المواجهة وضيق الوقت المتاح لتجنبها، وربط احتواء التصعيد بتغيير السياسة الإسرائيلية تجاه القطاع، بما في ذلك تقديم تسهيلات اقتصادية.
ونقل التقرير عن مسؤول إسرائيلي سابق تقديره أن زيارة مسؤول بهذا المستوى تحمل في حد ذاتها دلالة مهمة، وأن من الصعب تصور اجتماع مسؤولين إسرائيليين برئيس المخابرات المصرية من دون علم رئيس الحكومة. وكانت صحيفة “يسرائيل هيوم” قد نشرت في حينه، تقريرًا عن هبوط طائرة مصرية في إسرائيل، من دون أن تحدد هوية الشخص الذي كان على متنها.
لم تقتصر التقارير على زيارة سبتمبر/أيلول، بل تناولت تحذيرات مصرية قيل إنها بدأت قبل ذلك بأشهر. ففي 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023، نقلت “يديعوت أحرونوت” أن عباس كامل حذّر مكتب نتنياهو من احتمال وقوع “شيء غير اعتيادي” أو “عملية هائلة” انطلاقا من قطاع غزة.
وبحسب الصحيفة، نقل مصدر استخباراتي مصري أن كامل فوجئ بما وصفه باللامبالاة الإسرائيلية إزاء التحذير، وأن الجانب الإسرائيلي أشار إلى انشغال الأجهزة الأمنية بالتطورات في الضفة الغربية، واعتبر أن الوضع في غزة تحت السيطرة. لكن مكتب نتنياهو نفى هذه الرواية، ووصف التقرير بأنه أخبار كاذبة.
وفي تقرير منفصل، نقلت “وول ستريت جورنال” عن مصادر مصرية أن كامل اتصل بنتنياهو مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتحذيره من هجوم وشيك، بعد تحذيرين سابقين. وذكر التقرير أن التنبيهات المصرية بدأت في يونيو/حزيران من العام نفسه، وكانت أقل تحديدا في مراحلها الأولى، وركزت على تدهور الأوضاع في غزة والحاجة إلى استئناف المفاوضات مع حماس.
في المقابل، نفى مكتب نتنياهو أن يكون رئيس الحكومة قد تلقى تحذيرا مصريا، وقال إن نتنياهو لم يلتق عباس كامل خلال الأشهر التي سبقت الهجوم، ولم يتحدث معه مباشرة أو بصورة غير مباشرة، كما نفى أن يكون أي مسؤول استخباراتي إسرائيلي قد نقل إلى رئيس الحكومة تحذيرا من هذا النوع.
واستند المكتب كذلك إلى ما قال إنه نفي مصري رسمي، صدر في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بشأن تحذير إسرائيل من الهجوم.
مع إقرار نتنياهو بالزيارة ونفيه لقاء كامل، انتقل الاهتمام إلى هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين التقوه. وأعادت تقارير إعلامية، من بينها لـ “يديعوت أحرونوت”، طرح مسألة تسجيلات كاميرات المراقبة والوثائق التي قد توضح مسار الزيارة والاجتماعات التي جرت خلالها.
وطالب نتنياهو نفسه الجهات الأمنية وجهات إنفاذ القانون بالتحقق من التسجيلات وتحديد الأشخاص الذين التقوا كامل، قائلًا إنه يريد معرفة ما جرى خلال الزيارة. وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية لأن الزيارة، وفق التقارير، جرت قبل الهجوم بأيام قليلة، وفي وقت كانت فيه الاتصالات الأمنية بين القاهرة وتل أبيب تتناول الوضع في قطاع غزة واحتمالات التصعيد.
في المحصلة، فإن إقرار نتنياهو بزيارة عباس كامل لا يحسم الجدل بشأن التحذيرات المصرية أو المسؤولية عن الإخفاق الأمني الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر. لكنه يعيد القضية إلى دائرة النقاش السياسي والإعلامي، ويجعل تحديد هوية المشاركين في الزيارة، ومضمون الاتصالات التي جرت خلالها، ومسار انتقال المعلومات داخل إسرائيل، من أبرز الأسئلة التي تنتظر إجابات.
