
تعيش الطائفة الشيعية في لبنان أزمة غير مسبوقة. لا أفق واضحاً أمامها، فيما تشير الاستطلاعات والمزاج الشعبي إلى اتجاه واحد: الثقة بحزب الله تتراجع، وفي المقابل يتسع الميل نحو الدولة. وهذه ليست مجرد أرقام عابرة في استطلاع رأي، بل مؤشر على بداية مرحلة مختلفة. من دفع ثمن حروب بالوكالة، ورأى منزله مهدماً وأهله نازحين، لم يعد مستعداً لأن يبقى مصيره معلقاً بقرارات تُتخذ خارج مؤسسات الدولة.
الانتقادات التي باتت تُسمع من داخل البيئة نفسها، والاستقالات، وتردد القيادة، والتناقض في خطابها، كلها مؤشرات على أن مرحلة حزب الله كما عرفها اللبنانيون وصلت إلى نهايتها. الحزب الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره الحامي الوحيد، بات يجد صعوبة في إقناع جمهوره بأنه قادر لا على إعادة البناء، ولا حتى على منع جولة جديدة من الحرب.
لهذا، باتت الطائفة أمام حاجة حقيقية لإعادة النظر في أولوياتها، وفي الجهة التي تريد أن تضع مستقبلها بين يديها. فالحماية الحقيقية لا تأتي من ترسانة مرتبطة بطهران، بل من سلطة شرعية تحمي جميع المواطنين من دون تمييز.
قبل حزب الله، وقبل الثورة الإيرانية، كانت حركة أمل التي أسسها الإمام موسى الصدر تقوم على فكرة الدولة، والمساواة، والعدالة، والدفاع عن حقوق الشيعة من داخل وطن واحد. لم تكن جزءاً من مشروع خارجي، ولم تكن ترى الطائفة امتداداً لعاصمة أخرى.
استعادة حركة أمل لدورها ومكانتها داخل الطائفة لا تعني العودة إلى الماضي، بل يمكن أن تكون تصحيحاً لمسار جعلها، في مراحل كثيرة، تدور في فلك حزب الله أكثر مما تقود مشروعها الخاص.
الشيعة ليسوا دمى في يد أحد. لهم وطن ودولة، ومن حقهم أن تكون قراهم محمية، لا أن تتحول في كل مرة إلى ساحة صراع. وفي ظل الحديث عن احتمال تحسن العلاقات بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا لو قرر حزب الله مرة أخرى جر لبنان إلى حرب جديدة لخدمة حساب إقليمي؟
إذا حدث ذلك، فيجب أن تكون تلك آخر مرة يستطيع فيها أي طرف أن يضع البلد بأكمله أمام حرب لم يقررها اللبنانيون.
فأي جولة جديدة لن يكون من السهل تسويقها تحت عنوان المقاومة. ستكون، بالنسبة إلى كثيرين، جولة أخرى من تدمير ما تبقى من الجنوب والضاحية، وترك الناس مرة جديدة أمام الركام والأسئلة نفسها. لهذا، فإن قيادة حزب الله مطالبة اليوم بأن تواجه جمهورها بوضوح، وأن تلتزم أمامه بعدم جره إلى حرب أخرى.
ونبيه بري أيضاً أمام مسؤولية لا تقل أهمية. عليه أن يقول بوضوح إنه سيبذل كل ما يستطيع لحماية أبناء الطائفة ومنع تكرار الدمار. لم يعد الغموض أو الوقوف في منتصف الطريق خياراً مقنعاً. فالطائفة منهكة. الناس تريد أمناً، واستقراراً، وفرصة لإعادة بناء حياتها، وتريد قبل كل شيء أن يكون القرار الذي يحدد مصيرها صادراً من بيروت، لا من طهران.
الخلاصة لم تعد معقدة: مرحلة حزب الله كمرجعية وحيدة للطائفة تقترب من نهايتها. والباب المفتوح أمام الشيعة اليوم هو الدولة، وحركة أمل التي تستعيد جذورها، وقيادة شيعية تضع مصلحة أهلها فوق أي محور أو حساب خارجي. لكن الخروج من منطق المحاور لا يجب أن يكون انتقالاً من اصطفاف إلى آخر، ولا انتصاراً لطائفة على طائفة. المطلوب أوسع من ذلك: عودة الجميع إلى دولة واحدة، بقرار واحد، وجيش واحد، ومؤسسات يشعر كل لبناني أنها تمثله وتحميه.
لا مستقبل للبنان إذا بقي كل مكوّن يبحث عن حماية خارجية تخصه، ولا خلاص لطائفة إذا كان خلاصها يأتي على حساب بقية اللبنانيين. ما يحمي الشيعي هو نفسه ما يحمي السني والمسيحي والدرزي: دولة لا تميّز بينهم، ولا تسمح لأحد بأن يحتكر السلاح أو القرار أو حق تقرير الحرب.
المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة هزيمة فريق وانتصار آخر، بل مرحلة استعادة وطن أنهكته الحروب والانقسامات والوصايات. ومن يريد فعلاً حماية الشيعة، لا يبرر الحرب المقبلة، بل يمنعها.
ومن يريد فعلاً حماية لبنان، لا يبني قوته خارج الدولة، بل يبني الدولة نفسها. لأن لبنان لا يحتاج إلى طوائف أقوى من بعضها، بل إلى دولة أقوى من الجميع، وعادلة مع الجميع. وحين يشعر ابن الجنوب، كما ابن بيروت والجبل والبقاع والشمال، أن أمنه وكرامته ومستقبله مصونة تحت سقف واحد، عندها فقط نكون قد خرجنا من زمن المحاور إلى زمن الوطن.
المصدر Transparency News
