
تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة اليوم الاثنين، مع تحسن تدفقات الخام من الشرق الأوسط وقرار مجموعة السبع الإفراج المنسق عن كميات من احتياطيات الطوارئ، في خطوة هدفت إلى تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة، وفي وقت لا تزال فيه المخاطر الأمنية تعرقل حركة التجارة وترفع تكاليف نقل النفط والمنتجات المكررة.
وانخفض خام برنت، المرجع الرئيسي للأسعار العالمية، إلى 101.59 دولار للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي نحو 90.05 دولار (عند الساعة 06:34 بتوقيت غرينتش)، قبل أن تتغير الأسعار لاحقا في جلسة اتسمت بالتقلب. وكانت العقود قد تراجعت بأكثر من 1% في وقت سابق من التعاملات.
ويعكس تحرك الأسعار محاولة السوق الموازنة بين عاملين متعارضين: تحسن نسبي في تدفقات النفط من الخليج، مقابل استمرار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين ونقص إمدادات المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل.
أظهرت بيانات تتبع الناقلات أن صادرات الخام من الشرق الأوسط تجاوزت مستويات ما قبل الحرب في أربعة أيام من الأسبوع الأخيرة من أيلول/سبتمبر، رغم الهجمات التي تعرضت لها سفن في منطقة مضيق هرمز.
وبحسب بيانات أولية من شركة “كيبلر”، تراوحت صادرات المنطقة في تلك الأيام بين 19.5 مليون برميل يوميًا و22.5 مليون برميل يوميًا، بينما بلغ متوسط الصادرات قبل الحرب نحو 18 مليون برميل يوميا. ووصل المتوسط المتحرك لسبعة أيام إلى 18.5 مليون برميل يوميًا في الأول من تشرين الأول/أكتوبر.
ولا تعني هذه الأرقام أن حركة التجارة عادت إلى طبيعتها. فارتفاع التدفقات تحقق في بيئة أمنية أكثر خطورة، مع استمرار الهجمات على السفن واضطرار الناقلات إلى استخدام ترتيبات ومسارات أكثر تعقيدًا وكلفة.
وفي خطوة موازية، اتفقت دول مجموعة السبع على تنفيذ إفراج منسق عبر الوكالة الدولية للطاقة يبلغ 100 مليون برميل من الديزل والنفط واحتياطيات أخرى، على أن يبدأ التنفيذ فورا ويستمر أربعة أشهر. وتنص الخطة على تقديم جزء كبير من إمدادات الديزل خلال أول 20 يومًا، في محاولة لمعالجة الاختناق الأكثر حدة في السوق حاليًا، وهو نقص المنتجات المكررة وارتفاع أسعارها.
ويأتي القرار بعد إفراج سابق نسقته الوكالة الدولية للطاقة عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات في آذار/مارس، بسبب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. ولم يكن واضحًا فورا مقدار ما سيأتي من خطة الـ100 مليون برميل الجديدة من الكميات المتبقية من ذلك الإفراج السابق، مقابل كميات إضافية جديدة.
الحساب النظري يضع متوسط الكمية المعلنة عند نحو 833 ألف برميل يوميا على مدى أربعة أشهر، لكن هذا لا يمثل وتيرة ضخ فعلية ثابتة، لأن الخطة تتضمن إفراجًا كبيرًا ومبكرًا عن الديزل خلال الأسابيع الأولى.
والأهم أن المشكلة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بحجم الخام المتاح، فبحسب تحليل رويترز، تعافت صادرات الخام من الشرق الأوسط بصورة ملحوظة، لكن تكاليف الشحن والتأمين والطرق البديلة أصبحت عائقا رئيسيا أمام عودة السوق إلى طبيعتها. كما ارتفعت أسعار تسيير ناقلات النفط العملاقة على بعض المسارات إلى أكثر من 1.2 مليون دولار يوميا، مقارنة بنحو 30 ألف دولار في كانون الثاني/يناير، بينما أصبحت تكاليف الشحن تمثل حصة كبيرة من تكلفة النفط المسلم إلى المستهلكين.
وفي الوقت نفسه، يظل نقص طاقة التكرير عاملًا ضاغطًا، خصوصًا في سوق الديزل. ولذلك فإن الإفراج عن الخام وحده لا يحل مشكلة نقص الوقود المكرر إذا كانت المصافي نفسها متضررة أو تعمل بطاقة أقل.
هذه النقطة تفسر لماذا لا تنهار أسعار النفط رغم تحسن الصادرات. فالسوق لا تسأل فقط: كم برميلًا ينتج الشرق الأوسط؟ بل تسأل أيضا: كم برميلًا يمكن نقله بأمان، وكم تبلغ تكلفة نقله، وكم تستطيع المصافي تحويله إلى وقود؟
وهذا يفسر استمرار برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، رغم تحسن تدفقات الخام. وتقدر Energy Aspects أن عجز السوق العالمي انخفض إلى نحو 1.6 مليون برميل يوميًا من قرابة 4 ملايين عند ذروة الاضطراب في أيار/مايو، لكن المخاطر الجيوسياسية وتكاليف النقل والتكرير لا تزال تمنع الأسعار من العودة إلى مستويات ما قبل الحرب.
كما حذر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو أمين الناصر من أن إعادة بناء المخزونات العالمية من النفط والوقود المكرر قد تستغرق نحو عامين، ما يعكس حجم الاستنزاف الذي تعرضت له المخزونات خلال الأزمة.
تراجع النفط في بداية تعاملات الاثنين يعكس تحسنا في صورة الإمدادات، لكنه لا يعني انتهاء أزمة الطاقة. فالسوق تحصل على مزيد من الخام، لكنها لا تزال تواجه مشكلة أكثر تعقيدا متمثلة بنقل النفط بأمان، تأمينه بتكلفة مقبولة، وتحويله إلى وقود مكرر، خصوصا الديزل. ولهذا تبدو التهدئة الحالية أقرب إلى تخفيف مؤقت للضغط منها إلى عودة كاملة إلى الوضع الطبيعي.
