
ما يقرب من نصف حالات الوفاة المنسوبة لكورونا لم تكن كذلك في الواقع بسبب الكورونا، بل كانت نتيجة قرارات إدارية مكتبية “ليس كل ما يُكتب عليه ‘كورونا’ في شهادة الوفاة يعني بالضرورة أن السبب هو كورونا“.
هذه العبارة قالها متعهد دفن موتى من مدينة “مايسن” أمام كاميرا قناة RTL. كانت القناة قد أجرت معه مقابلة لأن محارق الجثث كانت ممتلئة، لكنها قامت بحذف هذا الجزء تحديداً من المادة المصورة. أما أنا، فقد نشرت المقابلة كاملة دون حذف، لتصبح واحدة من أكثر مقاطع الفيديو مشاهدة على قناتي (يمكن مشاهدتها هنا).
وبعد ست سنوات، ظهرت النتيجة نفسها في واحدة من أرقى المجلات العلمية في العالم، بتوقيع حائز على جائزة نوبل في الكيمياء وأكثر خبراء الإحصاء الطبي استشهاداً بأبحاثهم عالمياً: لقد سجل الأطباء في شهادات الوفاة الأمريكية “كورونا” كسبب للوفاة بمعدل أقل بكثير مما تشير إليه الأرقام الرسمية؛ إذ أن قواعد التصنيف الرسمية هي التي ضاعفت العدد تقريباً.
قلّما شغلتني مسألة خلال فترة جائحة كورونا بقدر ما شغلتني هذه المسألة، وقلّما واجهت هجوماً وعداءً في المؤتمر الصحفي الفيدرالي بسبب سؤال كما حدث مع هذا السؤال: كم عدد حالات “كورونا” المزعومة التي كانت مصابة بالفيروس فعلياً، وكم عدد من ماتوا بسببه حقاً، وكم عدد من كانت نتيجة فحصهم إيجابية فقط؟ مجرد طرح هذا السؤال كان يُعتبر حينها نوعاً من الهرطقة.
وكنت واثقاً تماماً آنذاك: عندما يكون رد الفعل تجاه الأسئلة بهذا القدر من الحدة والتوتر، فهذا يعني أن هناك أمراً ما يُراد إخفاؤه. “هذا تزوير للوثائق الرسمية“ بعد فترة وجيزة من فيديو “مايسن”، ظهر طبيب المستشفى البافاري الذي أطلقنا عليه اسم “دكتور م.”. كانت التعليمات الصادرة عن كبير الأطباء تقضي بتعديل شهادات الوفاة بأثر رجعي لتشير إلى “كورونا” كسبب للوفاة، وذلك لمرضى توفوا بسبب السرطان أو أمراض القلب أو الدورة الدموية.
رفض الطبيب ذلك قائلاً: “هذا تزوير للوثائق الرسمية“. وقد كان المقال الذي نشرته حول هذا الموضوع على موقعي الإلكتروني هو أكثر المقالات تداولاً (عبر الروابط) في ألمانيا آنذاك. ثم جاءت قصة متعهدة دفن الموتى. أقارب يحملون نتيجتين سلبيتين للفحص، ومع ذلك يجدون “كورونا” مذكوراً في شهادة الوفاة.
وطبيب طوارئ يسجل سبب الوفاة لامرأة في منتصف الثمانينيات -بعد تناولها الغداء- على أنه “مرتبط بكورونا”، رغم أنها لم تخضع للفحص أو العلاج؛ والسبب: هكذا هو الإجراء المتبع مع كبار السن (انظر هنا). لقد حدد لوثار فيلر، رئيس معهد روبرت كوخ (RKI)، هذا النهج منذ مارس 2020: يُعتبر الشخص متوفياً بسبب كورونا إذا مات وكانت نتيجة فحصه إيجابية؛ أما سبب الوفاة الحقيقي فلم يكن له أي دور في الإحصائيات.
لقد مر على كل هذا خمس أو ست سنوات، والمسؤولون يتصرفون وكأن شيئاً لم يكن. والآن يأتي التأكيد، ليس من متعهد دفن الموتى ولا من طبيب يعاني من تأنيب الضمير، بل من جامعة ستانفورد. نُشرت الدراسة في دورية PNAS (وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة)، وهي واحدة من أقدم المجلات العلمية المتخصصة وأكثرها رصانة على الإطلاق. وقد قام خبراء آخرون بمراجعة المنهجية والبيانات والاستنتاجات قبل النشر.
ومع ذلك، يظل من الممكن دحض مثل هذه الأمور، فالعلم ليس كنيسة – وإن كان هذا الأمر قد نُسي في ألمانيا خلال سنوات كورونا. لكن لم يعد بالإمكان التظاهر بأن هذا الكلام لم يُقل قط. ما الذي حسبه الأمريكيون بالفعل؟ قام كل من مايكل ليفيت (الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء)، وجون إيوانيدس (أكثر خبراء الإحصاء الطبي استشهاداً بأبحاثهم في العالم)، وبن مارتن، وجال أورين، بتحليل ما يقرب من 57 مليون شهادة وفاة أمريكية للفترة ما بين عامي 2003 و2023، وهي البيانات الخام المستمدة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC).
وتتمثل نقطة الانطلاق في تفصيل لا يكاد يعرفه أحد: تظهر كل شهادة وفاة في الإحصائيات مرتين؛ مرة كما ملأها الطبيب عند سرير المتوفى، ومرة أخرى كما أعيدت صياغتها لاحقاً وفقاً للقواعد الرسمية للتصنيف. وقد وضع الباحثون النسختين جنباً إلى جنب للمقارنة بينهما. النتيجة: في حالة واحدة من كل ثلاث حالات وفاة، تظهر في الإحصاءات الرسمية “سبب رئيسي” مختلف عن ذلك الذي دونه الطبيب.
وفي حالة واحدة من كل ست حالات، يُصنَّف سبب الوفاة ضمن مجموعة أمراض مختلفة تماماً. وقلّما نجد سبباً للوفاة استفاد من عملية إعادة التصنيف هذه مثل فيروس كورونا؛ إذ ارتفعت النسبة بمقدار 92 بالمئة مقارنة بما سجله الأطباء أنفسهم كسبب رئيسي. هذه هي قصة “متعهد الدفن من مدينة مايسن” وقد تُرجمت إلى أرقام. وتُعد عمليات التشريح -التي تُعد الوسيلة الوحيدة الموثوقة لتحديد سبب الوفاة بدقة- أمراً نادراً للغاية، حتى في الولايات المتحدة.
الاستنتاج الثاني: بمجرد التوقف عن احتساب سبب واحد فقط للوفاة والأخذ في الاعتبار الأمراض المصاحبة -وهو ما يعكس الواقع الفعلي لوفاة كبار السن الذين يعانون من أمراض متعددة- تنخفض حصة فيروس كورونا خلال سنوات الجائحة بنسبة تتراوح بين 44 و63 بالمئة. وعليه، تتبقى نسبة تتراوح -حسب طريقة الحساب- بين ما يزيد قليلاً عن النصف وما يقل قليلاً عن أربعة أعشار الرقم الرسمي.
نسبة الوفاة بالكامل للفيروس وهذا لا يعني أن نصف الوفيات كانت مختلقة؛ فهؤلاء الأشخاص قد فارقوا الحياة بالفعل. لكن طريقة الإحصاء نسبت كل حالة وفاة من هذه الحالات إلى الفيروس بالكامل بمجرد ورود اسمه في أي مكان في شهادة الوفاة، حتى وإن كانت هناك أمراض أخرى مسجلة بجانبه مثل قصور القلب أو السكري أو الفشل الكلوي أو السرطان. ويعتبر المؤلفون أن كوفيد-19 يمثل نموذجاً مثالياً للمرض الذي اقترنت فيه جميع حالات الوفاة تقريباً بأمراض مزمنة خطيرة سابقة. وهم… …وتعتبر صراحةً أنه من المحتمل أن تكون معايير التصنيف الخاصة بمنظمة الصحة العالمية -التي اعتمدتها الولايات المتحدة أيضاً في عمليات الإحصاء- قد أدت إلى مبالغة كبيرة في تقدير أعداد الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا. تشير تقديرات هيئة الصحة الأمريكية (CDC) إلى تسجيل ما يقرب من 1.1 مليون حالة وفاة مرتبطة بكورونا في الفترة ما بين عامي 2020 و2023.
وعند أخذ الأمراض المصاحبة في الاعتبار وتوزيع الأوزان النسبية لها، نجد أن نحو نصف مليون من حالات الوفاة هذه -التي نسبتها الإحصاءات الرسمية بالكامل للفيروس- تعود في الواقع إلى حالات مثل قصور القلب، وأمراض الرئة، والفشل الكلوي، والسكري. وهذا الرقم لا يمثل المعيار السياسي الذي استُخدم لتبرير تدابير الإغلاق، وإغلاق المدارس، وتقسيم المجتمع إلى فئتين (مُطعّمين وغير مُطعّمين).
اعتراض بديهي ثمة اعتراض يبدو بديهياً ويستحق أن يؤخذ على محمل الجد: فعملية توزيع الأوزان النسبية لا تؤثر على أرقام وفيات كورونا فحسب، بل تقلص أيضاً أعداد الوفيات الناجمة عن حوادث المرور، وحالات الانتحار، وجرائم القتل بمقدار النصف أو أكثر؛ وذلك ببساطة لأن شهادة الوفاة تدرج -إلى جانب الحادث نفسه- إصابات مثل كسر الجمجمة أو النزيف، مما يمنح هذه الإصابات حصة من تصنيف سبب الوفاة. وبالتالي، فإن هذا التوزيع لا يحدد بدقة من مات “بسبب” كورونا ومن مات “مع” وجود الفيروس لديه، بل يوضح مدى اعتماد رقم الوفيات على الطريقة المحاسبية المتبعة في التعامل مع حالات الوفاة التي تنطوي على أمراض متعددة.
غير أن حالة كورونا تنطوي على عامل إضافي غير موجود في الحالات الأخرى: فقواعد التصنيف كانت قد ضاعفت الأعداد تقريباً مقارنةً بما سجله الأطباء أنفسهم في البداية. وعلاوة على ذلك، لم يستخدم أحد أعداد ضحايا حوادث المرور كمبرر لفرض حظر التجول. أما بالنسبة لمن يشيرون الآن إلى “الوفيات الزائدة” (الزيادة في إجمالي الوفيات عن المعدلات الطبيعية): فالأرقام تظهر أن عدداً أكبر من الناس قد توفوا خلال تلك السنوات، لكنها لا توضح سبب الوفاة. إذ تتضمن هذه الأرقام أيضاً ضحايا سياسات مواجهة كورونا؛ أي أولئك الذين تضرروا جراء تأجيل العمليات الجراحية، وتأخر التشخيص الطبي، والعزلة داخل دور الرعاية المغلقة. وماذا عن ألمانيا؟
تستند الدراسة في حساباتها إلى بيانات شهادات الوفاة الأمريكية. سيكون من غير المهني إسقاط نسبة الـ 44 إلى 63 بالمائة هذه ببساطة على ألمانيا. ولكن ما يمكن قوله هو: إن معهد روبرت كوخ (RKI) قام، بدءاً من مارس 2020، بدمج فئتي الوفاة “بسبب” كورونا والوفاة “مع” كورونا في رقم واحد. وقد رصدت وحدة “BR-Faktenfuchs” (المعنية بالتحقق من الحقائق) هذه القاعدة: فكل من كان مصاباً بالفيروس وتوفي يُحسب ضمن وفيات كورونا؛ وحتى اليوم، لا تفصل الإحصاءات الفيدرالية بين هاتين الفئتين.
لقد قامت بعض الهيئات الفردية بالفصل بينهما، ولكن بناءً فقط على ما ورد في شهادة الوفاة. فعلى سبيل المثال، أحصى المكتب الفيدرالي للإحصاء (Destatis) لعام 2020 ما يقرب من 40 ألف حالة وفاة كان فيها فيروس كورونا هو المرض الأساسي، وأكثر من 8 آلاف حالة سُجّل فيها الفيروس كمرض مصاحب فقط. وسجلت ولاية بافاريا نسبة مماثلة حتى فبراير 2022. ولم تكن عمليات التشريح الطبي أساساً لأي من هذه الأرقام.
وتتضح مدى محدودية دقة شهادة الوفاة بمجرد إخضاعها للتدقيق؛ ففي ميونيخ، حللت المجلة المتخصصة “Rechtsmedizin” (الطب الشرعي) بيانات 3502 حالة وفاة مرتبطة بكوفيد، ولم تخضع للتشريح سوى خمسة بالمائة منها. وبالنسبة للحالات التي خضعت للتشريح، كانت الفحوصات الظاهرية للجثة قد حددت “الوفاة بسبب كورونا” كسبب للوفاة في 76 بالمائة من الحالات. في حين أظهر التشريح وجود إصابة بكوفيد أدت إلى الوفاة في 73 بالمائة من الحالات، لكنه أكد أن الفيروس كان السبب الوحيد للوفاة في 56 بالمائة فقط
. وقد تطابقت بيانات شهادة الوفاة مع نتائج التشريح في 54 بالمائة فقط من الحالات؛ أي أنه في حالة واحدة تقريباً من كل حالتين خضعتا للتدقيق، لم تكن الشهادة متوافقة مع النتائج الفعلية. صحيح أن السجل الوطني للتشريح -الذي نُشر في مجلة متخصصة تابعة لمجموعة “لانسيت” (Lancet)- أظهر نسبة 86 بالمائة للوفاة “بسبب” كورونا و14 بالمائة فقط للوفاة “مع” كورونا، إلا أن عمليات التشريح شملت في الغالب من توفوا داخل المستشفيات.
أما من توفي في منزله وكان يحمل نتيجة فحص إيجابية، فلم يخضع للتشريح إلا في حالات نادرة للغاية. وحتى هذه النسبة البالغة 86 في المائة حُسبت وفقاً لمنطق منظمة الصحة العالمية: فمن توفي -على سبيل المثال- جراء فشل متعدد الأعضاء عقب إصابته بالعدوى كان يُصنّف كحالة وفاة ناجمة عن كورونا، وهو أمر يقر به المؤلفون أنفسهم. إنها طريقة الحساب ذاتها التي تكشف دراسة جامعة ستانفورد الآن عن عواقبها.
وقد أوضحت صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ” (Neue Zürcher Zeitung) في ديسمبر 2025 مدى عشوائية الرقم الألماني؛ فاعتماداً على الجهة التي يتم سؤالها -سواء كان معهد روبرت كوخ (RKI)، أو بيانات الفواتير الصادرة عن المستشفيات، أو تقديرات أخرى- نجد أنفسنا أمام أرقام تتراوح بين 100 ألف و270 ألف حالة وفاة بسبب كورونا. ويعزو معهد روبرت كوخ هذا التفاوت إلى “اختلاف التعريفات“. فالرقم الذي يتأرجح بمقدار 2.7 ضعفاً بناءً على التعريف المستخدم ليس رقماً حقيقياً، بل هو مسألة خاضعة للتأويل.
إذاً، لا يمكن نقل النسبة المئوية من الدراسة الأمريكية وتطبيقها حرفياً، ولكن يمكن تطبيق المبدأ: فمن يُسمح له باحتساب سبب واحد فقط للوفاة -رغم أن الشخص توفي نتيجة خمس علل- ينتج رقماً يصلح للمشهد السياسي، لا للمجال الطبي. ومن يتخذ من نتيجة الفحص الإيجابية معياراً لإحصائيات الوفيات، فهو في النهاية لا يقيس المرض، بل يقيس معدل تكرار الفحوصات.
إن من يتحاشى إجراء تشريح للجثث ويعمد إلى تعديل قواعد التصنيف الطبي، إنما يتخذ قراراً سياسياً قبل وقت طويل من قيام خبير الإحصاء بإجراء حساباته. وهذا بالضبط ما شهدناه في ألمانيا؛ ليس كنظرية، بل كواقع يومي في المستشفيات ودور الرعاية ومحارق الجثث. فقد توصل باحثون في مستشفى جامعة هامبورغ-إيبندورف إلى نتيجة مفادها أنه خلال موجة “دلتا”، كانت نسبة الوفيات الناجمة فعلياً عن كورونا تتجاوز 80 في المائة من إجمالي حالات الوفاة المسجلة في المستشفيات تحت هذا التصنيف، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 46 في المائة فقط خلال موجة “أوميكرون“. وهناك دراسة يونانية أجريت في المستشفيات، كنت قد كتبتها عام 2025، أظهرت نتيجة مماثلة تقريباً لفترة انتشار متحور “أوميكرون”: 45 في المائة من الوفيات كانت لأشخاص ماتوا *مع* فيروس كورونا، وليس *بسببه*.
لماذا لم يكن الرقم مجرد رقم؟ لم تكن وفيات كورونا مجرد مسألة وبائية بحتة، بل كانت أداة ضغط؛ فقد استُخدمت لتبرير حظر التجول، وإغلاق المدارس، وترك المحتضرين يواجهون الموت وحيدين، واستبعاد غير المُطعّمين، وتفكيك مبادئ دولة القانون وربطها بمستويات معدلات الإصابة. وحين يهتز الرقم، تهتز معه المبررات بأكملها.
ولهذا السبب كان يُحظر التشكيك في دقة الأرقام في ألمانيا، ولذلك أيضاً وُصِمَ كل من تساءل عن الفرق بين الموت “بسبب” الفيروس والموت “مع” الفيروس بأنه “منكر للوباء“. في ربيع عام 2020، كان إيوانيديس من أوائل العلماء المرموقين عالمياً الذين حذروا علناً من بناء سياسات مواجهة كورونا على أرقام غير مُدققة. وسرعان ما أُطلق عليه في ألمانيا وصف “شخصية مثيرة للجدل”؛ وهي التهمة الجاهزة التي تلاحق كل من يطرح السؤال الصائب في الوقت غير المناسب.
وبعد ست سنوات، أجرى إيوانيديس حسابات جديدة بالتعاون مع ليفيت، لكن المؤسسة الرسمية قابلت ذلك بلا مبالاة. لم يكن صاحب دار الجنازات في مدينة “مايسن” بحاجة إلى 57 مليون سجل بيانات للتوصل إلى هذه النتيجة؛ فقد كان يكفيه مجرد النظر إلى شهادة الوفاة. وكذلك الدكتور “م.”، الذي لم يستند إلى دراسة علمية حين رفض التوقيع على الشهادة، بل استند إلى ضميره. والآن، بدأ العلم يلحق بهذه الحقائق، وإن كان ذلك ببطء وفي بلد غير بلدنا.
السؤال العالق تظل عملية المراجعة والتقييم في بلادنا على حالها منذ الشتاء الأول للوباء: غائبة تماماً. لم يعتذر أحد، ولم يتم تصحيح أي لوحة بيانات (Dashboard)، كما لم يُحاسب قط أولئك الذين حوّلوا مجرد “عرف إحصائي” في العدّ إلى “مصلحة عليا للدولة“. لطالما تساءلتُ خلال المؤتمر الصحفي الفيدرالي عن عدد الحالات الرسمية المصابة بكورونا التي نُقلت إلى المستشفى *بسبب* الفيروس فعلياً، مقابل عدد الحالات التي كانت تحمل الفيروس *دون أن يكون هو السبب المباشر* لدخولها المستشفى.
في يناير 2022، أحالني هانو كاوتز -المتحدث باسم وزير الصحة كارل لاوترباخ- إلى التقرير الأسبوعي الصادر عن معهد روبرت كوخ (RKI)، لكن الأرقام لم تكن واردة فيه. ولم يُقرأ سؤالي في المؤتمر (انظر هنا)، ولم أحصل على أي رقم قط. والآن، تردنا إجابة من جامعة ستانفورد -نُشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة- وتخص الوضع في أمريكا.
أما بالنسبة لألمانيا، فأنا أطرح السؤال مجدداً هنا، موجهاً إياه إلى معهد روبرت كوخ والمكتب الفيدرالي للإحصاء: كم كان العدد الحقيقي؟ لقد حذفت قناة RTL العبارة الحاسمة التي قالها متعهد دفن الموتى من مدينة “مايسن”، بينما قمتُ أنا بنشرها. وبعد ست سنوات، جاءت دراسة من جامعة ستانفورد لتؤكد صحة تلك العبارة. إن هذا النوع من الصحافة يتطلب وقتاً ومالاً وجهداً كبيراً، وهو يعتمد كلياً على دعم قراء أمثالكم. يمكنكم هنا المساهمة في استمرار نشر مثل هذه النصوص وطرح أسئلة نقدية. شكراً لكم؛ فلولاكم لما وُجد هذا الموقع.
