
تحقيق بقلم وجيه فلبرماير بمساعدة الذكاء الاصطناعي
ماذا يحدث لو تعارض القانون الكنسي الارثوذكسي مع القوانين النمساوية للأحوال الشخصية؟ القاعدة الذهبية: السيادة المطلقة لقانون الدولة النمساوية (Austrian Law Prevails) ففي النمسا، تنص القاعدة الدستورية على أن منح الكنيسة القبطية درجة “مؤسسة ذات قانون عام” (Körperschaft öffentlichen Rechts) يمنحها الحق في إدارة شؤونها الداخلية وصياغة قوانينها الروحية بحرية كاملة، ولكن بشرط جوهري واحد: ألا تتعارض هذه القوانين والطقوس مع النظام العام والقوانين السيادية للدولة النمساوية. وعند حدوث أي تعارض، يسقط القانون الكنسي فوراً وتُطبق قوانين الدولة النمساوية بالقوة الجبرية.
أولاً: الأحوال الشخصية والزواج
في القانون الكنسي الأرثوذكسي، الزواج هو سر كنسي مقدس، ولا يُعترف بالطلاق إلا لأسباب كنسية محددة. أما في النمسا،الزواج والطلاق هما عقدان مدنيان خالصان يخضعان للمحاكم المدنية النمساوية. لو طلقت المحكمة النمساوية زوجين أقباطاً ومنحتهما حقوق النفقة وحضانة الأطفال، تلتزم الكنيسة القبطية بالاعتراف بالوضع المدني أمام الدولة، ولا يمكنها استخدام قوانينها الكنسية لتعطيل أحكام القضاء النمساوي بشأن النفقة أو الملكية المشتركة.
ثانياً: الشفافية المالية والعمالية في قوانين العمالة والتوظيف
قوانين العمل النمساوية صارمة جداً. إذا قامت الكنيسة بتوظيف عامل أو إداري (خارج إطار الكهنوت والرهبنة) داخل مؤسساتها أو مدارسها، وتولت الكنيسة فصله بناءً على أسباب كنسية أو عقائدية تتعارض مع قانون العمل النمساوي، يحق للعامل اللجوء إلى محكمة العمل (Arbeitsgericht)، وتُجبر الكنيسة على دفع التعويضات والالتزام بقانون العمل المدني للدولة النمساوية، ولا تشفع لها لوائحها الداخلية.
ثالثاً: حماية الطفولة وحقوق الإنسان:
إذا فرض القانون الكنسي أو الممارسات الكنسية التقليدية أي إجراءات تمس بحقوق الإنسان الأساسية أو حماية الطفل (مثل العقاب البدني أو الضغط النفسي)، يتحرك الادعاء العام النمساوي فوراً بشكل جنائي. النمسا دولة علمانية لا تعترف بـ “الحصانة الروحية” عندما يتعلق الأمر بالجريمة أو انتهاك حقوق الأفراد.
القانون الكنسي يُحترم ويُطبق فقط داخل أسوار الكنيسة وفي الأمور الروحية الصرفة، ولكن بمجرد أن يتقاطع مع الحقوق المدنية، أو المالية، أو الجنائية للمواطن، فإن مقصلة القانون النمساوي العلماني تطبق فوق رقاب الجميع بلا استثناء.
ماهو موقف النمسا من قيام الكنيسة بعدم منح المطلق مدنيا تصريح زواج ثاني؟
موقف القانون والبلديات النمساوية في هذه الحالة هو عدم التدخل مطلقاً (Nichteinmischung)، حيث يعتبر القضاء النمساوي مسألة منح أو منع “تصريح الزواج الكنسي الثاني” شأناً داخلياً روحياً بحتاً يخضع بالكامل للاستقلالية القانونية للكنيسة.
ولكن بموجب القانون النمساوي، الدولة لا تعترف إلا بالزواج المدني الذي يتم في البلدية (Standesamt). ما دام الشخص قد حصل على حكم طلاق مدني نافذ من المحاكم النمساوية، فهو يُعتبر أمام الدولة النمساوية “أعزب بحكم القانون ويحق له الزواج مدنياً مرة أخرى” من أي امرأة (سواء كانت مصرية من مصر أو نمساوية).
فإذا تقدم المطلق او المطلقة للزواج المدني مجدداً بعد الحصول على الطلاق المدني ، ستقوم البلدية النمساوية بإتمام العقد وإصدار وثيقة زواج مدنية رسمية معترف بها في الدولة وفي القنصلية، ولا تطلب البلدية مطلقاً موافقة الكنيسة أو تصريحها؛ لأن قانون الدولة علماني وسيد نفسه.
الحصانة الروحية للكنيسة (Innerkirchliche Angelegenheiten)
هنا يظهر الوجه الآخر لقانون عام 2003 الذي منح الكنيسة القبطية صفة “مؤسسة ذات قانون عام”؛ هذا الوضع يمنح الكنيسة استقلالية تامة ومحصنة في إدارة أسرارها وطقوسها الدينية. ولكن القضاء النمساوي يعتبر “الزواج الكنسي” (الذي تعتبره الكنيسة سر مقدس) طقساً روحياً اختيارياً وليس التزاماً حسب القانون المدني للاحوال الشخصية في النمسا.
فإذا امتنع مثلاً الأسقف (الأنبا جابريل) أو المجلس الإكليريكي عن منح المطلق مدنياً تصريح زواج ثانٍ (بسبب عدم وجود أسباب طلاق كنسية مثل علة الزنا أو تغيير الدين)، لا يحق للمواطن اللجوء للقضاء النمساوي لإجبار الكنيسة على منحه التصريح. القاضي النمساوي سيقول للمواطن: “أنت حُر مدنياً في نظر الدولة، أما طقوس الكنيسة وشروطها الروحية فلا سلطة للقانون المدني عليها”. بمعنى ان هذا الشخص لايحتاج لاتمام زواجه المدني تصريح من الكنيسة في النمسا فهو يستطيع اتمام الزواج المدني حتى لو رفضت الكنيسة لكن السلطة القضائية ليس لديها الصلاحية ان تفرض على الكنيسة اصدار تصريح زواج كنسي ثاني للمطلق
إذا المشكلة محلولة حسب القانون النمساوي ان الطلاق المدني القانوني لايتطلب من الكنيسة اي تصريح للزواج مرة اخرى، لكن التصريح بالزواج الثاني طقس كنسي الشخص بنفسه هو الذي يقرر الالتزام به او عدم الالتزام به لكن القضاء ليس دوره ان يجبر الكنيسة على اصدار اذن او تصريح كنسي للزواج الثاني.
المشكلة الحقيقية والصادمة لا تحدث في النمسا، بل تحدث عندما يحاول هذا الشخص السفر إلى مصر للزواج من “مصرية أرثوذكسية”:
- قانون الأحوال الشخصية في مصر يمنح الكنيسة القبطية سلطة سيادية كاملة على توثيق زواج الأقباط.
- إذا رفضت الكنيسة في النمسا منحه التصريح الكنسي، فلن يتمكن من إتمام “الإكليل الديني” في الكنيسة داخل مصر، لأن الكنيسة القبطية في مصر والمهجر تعمل بنظام مركزي موحد يخضع للبابا والمجالس الإكليريكية.
- النتيجة: سيجد الشخص نفسه متزوجاً مدنياً في النمسا ومعترفاً به أمام الدولة النمساوية، لكنه محروم من إتمام الزفاف الطقسي ومحروم من التناول في الكنيسة الارثوذكسية، وتعتبر الكنيسة زواجه المدني الجديد (خارج الطقس) بمثابة “علاقة غير شرعية روحياً”، دون أن تتدخل النمسا لإنقاذه لأنها تحترم حرية العقيدة للكنائس.
القانون المدني في النمسا يحظر التدخل في الشؤون العقائدية الداخلية للكنيسة القبطية الارثوذكسية (Innerkirchliche Angelegenheiten) بموجب قانون عام 2003 الخاص بالكنائس الأرثوذكسية الشرقية (OrientKG 2003) والاتفاقيات الدستورية في النمسا، تتمتع الكنيسة القبطية بـ استقلالية سيادية تامة ومحصنة في إدارة أسرارها الدينية ومنح البركات الطقسية.
ومن منظور القاضي النمساوي: المحكمة النمساوية تعتبر “سر الزيجة المقدس” وتصاريح الزواج الكنسية شأناً لاهوتياً داخلياً خالصاً. لا يملك أي قاضٍ مدني في النمسا سلطة قانونية تسمح له بإجبار أسقف (مثل الأنبا جبريل) أو كاهن على منح سر ديني أو إصدار وثيقة روحية لشخص لا تستوفي شروطه الكنسية العقائدية (مثل غياب علة الزنا أو تغيير الدين). لو فعل القضاء النمساوي ذلك، لاعتُبر الأمر انتهاكاً صارخاً لحرية العقيدة واستقلال الكنائس الذي يحميه الدستور النمساوي.
فالقضاء النمساوي يمتلك الولاية فقط داخل حدود الدولة النمساوية ولتطبيق القوانين النمساوية. فالعروس وأسرتها يتواجدون في مصر، وإتمام الزفاف الديني مشروط بالقوانين الكنسية والمدنية المعمول بها داخل جمهورية مصر العربية. المحاكم النمساوية لا تعنيها شروط العائلات في مصر، ولا تتدخل في عقود أو شروط تفرضها أطراف خارج حدودها الجغرافية.
فإذا لجأ هذا المطلق مدنياً او الشق المدني في عقد الزواج للمحكمة النمساوية شاكياً، سيكون رد القضاء المدني عليه واضحاً ومقتضباً:
“نحن كدولة نمساوية لم نمنعك من الزواج؛ لقد منحناك طلاقاً مدنياً وفتحنا لك أبواب البلدية (Standesamt) لتتزوج مدنياً من أي امرأة تختارها. أما إذا كانت عائلة العروس في مصر أو الكنيسة القبطية تفرض عليك شروطاً طقسية خاصة لإتمام الزواج الديني هناك، فهذا نزاع روحي واجتماعي شخصي عليك حله مع مؤسستك الدينية وعائلتك، ولا علاقة لقوانين الدولة العلماني به”
هذا المأزق يضع الشخص أمام المفارقة التراجيدية الكبرى للأقباط في المَهجر: المواطن يكون حُراً طليقاً ومواطناً كاملاً أمام قانون الدولة النمساوية، ولكنه يظل مكشوقاً وبلا أي درع واقٍ ومحاصراً بالكامل أمام السلطة الروحية للكنيسة التي تملك القدرة على إيقاف مصيره الاجتماعي والعائلي في وطنه الأم (مصر) بقرار فردي مغلق، دون أن تملك الدولة العلمانية في أوروبا القدرة أو الرغبة في التدخل لإنقاذه.
هذا المبدأ القانوني ينطبق أيضاً على الكنيسة الكاثوليكية وبشكل أكثر صرامة وتاريخية! فالدولة النمساوية تقف على مسافة واحدة من جميع الكنائس المعترف بها رسمياً كـ “مؤسسات ذات قانون عام” (Körperschaft öffentlichen Rechts)، وتلتزم بفصل كامل بين سلطة المحاكم المدنية وسلطة المحاكم والأسرار الكنسية.
في واقع الأمر، المعضلة الدستورية التي شرحناها للأقباط هي نسخة مطابقة لما يعيشه الملايين من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في النمسا؛ حيث تُحسم هذه الأمور خلف الستار عبر ثلاث ركائز قانونية أساسية:
١. الحصانة الدستورية المزدوجة (اتفاقية الكونكرودات لعام 1933)
العلاقة بين الدولة النمساوية والفاتيكان محكومة بمعاهدة دولية تاريخية تُعرف باسم اتفاقية الكوندورات لعام 1933 (Concordat). بموجب هذه الاتفاقية والمادة 15 من الدستور النمساوي، تضمن الدولة للكنيسة الكاثوليكية استقلالية مطلقة في إدارة شؤونها الروحية الداخلية وتشريعاتها الكنسية.
لا يستطيع أي قاضٍ في المحاكم النمساوية المدنية أن يتدخل في شروط منح “سر الزيجة الكاثوليكي” أو يجبر مطرانية فيينا على تزويج شخص لا تراه الكنيسة مؤهلاً روحياً. العقيدة الكاثوليكية تعتبر الزواج الكنسي رابطاً أبدياً لا يملك البشر حله (“ما جمعه الله لا يفرقه إنسان”). ومن هنا تظهر المفارقة القانونية الصادمة للمواطن النمساوي الكاثوليكي:
أمام الدولة: إذا اختلف زوجان كاثوليكيان، يذهبان إلى المحكمة المدنية ويحصلان على “طلاق مدني نمساوي رسمي”. أمام الدولة والبلدية (Standesamt)، يُعتبر الشخص مطلقاً ويحق له الزواج مدنياً مجدداً من أي امرأة.
أمام الكنيسة: ترفض الكنيسة الكاثوليكية الاعتراف بهذا الطلاق المدني وتعتبر الزواج الأول قائماً روحياً. إذا أراد هذا الشخص الزواج كنسياً للمرة الثانية، ترفض الكنيسة منحه التصريح كلياً، وتعتبر زواجه المدني الجديد بمثابة “علاقة خارج الطقس الكنسي”، ولا تملك الدولة أي سلطة لإجبار الكنيسة على تغيير موقفها الروحي.
المخرج الوحيد للكاثوليكي في النمسا لكي يتزوج كنسياً مرة أخرى ليس باللجوء للقضاء النمساوي، بل باللجوء إلى “المحاكم الكنسية التابعة للفاتيكان” (Diocesan Tribunal). يجب على المواطن رفع دعوى “بطلان زواج” كنسية لإثبات أن الزواج الأول كان باطلاً من الأساس لعوامل نفسية أو غش؛ وإذا رفضت المحكمة الكنسية إبطاله، يظل محرورماً من الزواج الديني طوال حياته، دون أن تتدخل الدولة العلمانية لإنقاذه لأنها تحترم السيادة الروحية للكنائس.
فالمسألة لدى الكاثوليك تمثل جداراً فولاذياً مغلقاً بالكامل، لأن الكنيسة الكاثوليكية لا تعترف بـ “الطلاق الكنسي” بتاتاً ولا يوجد في قاموسها التشريعي ما يُسمى “حل عقدة الزوجية”. وهذا الفارق العقائدي والتشريعي يجعل وضع الكاثوليكي المطلق مدنياً في النمسا أكثر تعقيداً وقسوة مقارنة بالأرثوذكس.
هل هناك عقوبة جنائية للزنا في القانون النمساوي؟
في القانون الجنائي النمساوي الحالي (StGB)، لا توجد أي عقوبة جنائية أو بنود عقاب للزنا (الخيانة الزوجية) بتاتاً؛ فالزنا في النمسا لا يُعتبر جريمة يُعاقب عليها بالسجن أو الغرامة من قِبل الادعاء العام. هذا الوضع القانوني هو نتاج مباشر لـ “العلمنة التامة” وفصل الدين عن الدولة؛ ولكن خلف الستار، تنقسم المسألة في القانون النمساوي إلى شقين خطيرين:
الشق الجنائي (إلغاء العقوبة تماماً): تاريخياً، كان الزنا مُجرّماً في القانون الجنائي النمساوي (بموجب المادة 194 القديمة)، وكان يُعاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى ستة أشهر. ولكن تم إلغاء هذا البند كلياً عام 1997. ومنذ ما يقرب من ثلاثة عقود، رفع القضاء الجنائي يده عن “العلاقات الجسدية” واعتبرها شأناً شخصياً وخطيئة روحية تترك للكنائس والمشاع الأخلاقي، ولا تتدخل فيها الشرطة أو الادعاء العام.
أما الشق المدني وقانون الأحوال الشخصية النمساوي:رغم أن النمسا لا تسجن الزاني، إلا أن قانون الزواج النمساوي المدني (Ehegesetz – § 49) يعتبر الزنا أو الخيانة الزوجية بمثابة “خطأ زواج جسيم” (Schwere Eheverfehlung). وهنا تتحول المسألة من جريمة جنائية إلى “دمار مالي خالص” للشخص الخائن أثناء دعوى الطلاق في المحاكم المدنية:
- صك الإدانة الكاملة (Alleinverschulden): إذا أثبت الطرف المتضرر وقوع الزنا (عبر المحاكم)، يصدر القاضي حكماً بالطلاق يُحمل فيه الطرف الخائن “المسؤولية الكاملة والمطلقة عن تدمير الرابطة الزوجية”.
- الحرمان من النفقة: الطرف الذي يثبت زناه يفقد كلياً وبقوة القانون أي حق في المطالبة بنفقة ما بعد الطلاق من شريكه السابق، حتى لو أصبح فقيراً أو بلا عمل.
- فقدان المعاش التقاعدي (معاش الأرامل): في حالات الإدانة الكاملة بالخيانة، يفقد الطرف المذنب حقه المستقبلي في تقاضي معاش الأرامل الحكومي الخاص بشريكه في حال وفاته لاحقاً.
- تحمل تكاليف المحققين السريين: يحق للطرف المصدوم استئجار محرك بحث بشري (محقق خاص – Detektiv) لمراقبة شريكه وإثبات الخيانة. وإذا نجح في تقديم الأدلة للمحكمة، يُجبر الطرف الخائن على دفع فواتير المحقق الخاص كاملة كاش من حسابه، باعتبارها تكاليف إثبات جنائية ودعائية ضرورية للمحكمة.
هنا يظهر ذكاء النظام الرأسمالي والعلماني في أوروبا؛ القانون النمساوي ترك “العقاب الأخلاقي والروحي للزنا” في يد الكنائس (سواء الأرثوذكسية التي تمنع تصاريح الزواج الثاني، أو الكاثوليكية التي تحرم من الأسرار)، ولكنه عاقب الخائن عقاباً رأسمالياً صارماً يضربه مباشرة في جيبه وثروته الصافية خلف الأبواب المغلقة بقرارات قضائية مدنية.
الخلاصة
الدولة العلمانية في النمسا ترفع يدها بالكامل عن جسد الإنسان وخياراته الشخصية بمجرد حصوله على الطلاق المدني؛ فتعتبره حُراً طليقاً، بينما تظل المقصلة الروحية للكنيسة محاصرة له خلف الأبواب المغلقة، وتمنعه من بناء عائلة دينية جديدة في وطنه الأم (مصر).
والسيادة المطلقة للبلدية (Standesamt): بمجرد أن يحصل المواطن الأرثوذكسي على حكم طلاق مدني رسمي من المحاكم النمساوية، تفتح له البلدية النمساوية أبوابها فوراً للزواج مدنياً مرة أخرى. موظف البلدية لا يطلب، ولا يعترف، ولا يكترث مطلقاً بـ “تصريح الزواج الثاني” من الكنيسة أو الأسقف؛ لأن قانون الدولة المدني لا يخضع لسلطة روحية.
الزوجة الجديدة في العقد المدني تُعتبر أمام النمسا زوجة رسمية وشرعية تمتلك كافة حقوق السكن والإقامة والورث، والأطفال الناتجون عن هذا الزواج هم أطفال شرعيون تماماً أمام قانون الدولة النمساوية ولهم كامل المخصصات العائلية الحكومية.
المأزق الوحيد والقاتل هنا ليس قانونياً بل هو “روحي واجتماعي عابر للحدود”؛ فهذا الشخص يظل في نظر كنيسته “زائغاً وخارجاً عن الطقس”، ولا يمكنه توثيق هذا الزواج أو إقامة “إكليل ديني” في كنيسة داخل مصر أوكنيسة ارثوذكسية في المهجر، وتعتبر عائلته الجديدة محرومة من الأسرار الكنسية، دون أن تملك الدولة العلمانية القدرة أو الرغبة في التدخل لفرض إرادتها على عقائد الكنائس المحصنة بقانون 2003 .
في مصر، لا تعترف الدولة بـ “الزواج المدني الخالص” للمواطنين الأقباط؛ بل فوضت الدولة سلطتها السيادية بالكامل للمؤسسات الدينية حسب (المادة الثالثة من الدستور). فإذا رفضت الكنيسة القبطية منح المطلق تصريح زواج ثانٍ، فلا توجد في الدولة المصرية بأكملها أي جهة أو بلدية تمنحه حق الزواج المدني مرة أخرى. يظل الشخص مشلولاً ومحاصراً اجتماعياً وقانونياً؛ لأن الدولة لا تملك دفاتر زواج مدني للمواطنين المسيحيين، والتوثيق في وزارة العدل (الشهر العقاري) متاح فقط إذا كان أحد الطرفين أجنبياً أو عند اختلاف الطائفة والملة.
في المقابل، النمسا دولة علمانية صارمة تفصل بين العقد المدني وسر الزواج:بمجرد حصول المواطن الأرثوذكسي على الطلاق المدني من المحكمة النمساوية، تنكسر سلطة الكنيسة القانونية عليه تماماً أمام الدولة. تفتح له البلدية النمساوية (Standesamt) أبوابها، وتمنحه حق الزواج المدني النافذ بقوة القانون، وتوفر له ولعائلته الجديدة وأطفاله الحماية الدستورية والمالية الكاملة، متجاهلة تماماً رفض الكنيسة أو إدانتها الروحية.
«وهنا تظهر المفارقة الصارخة للمواطن القبطي في المهجر: أمام قانون الدولة النمساوية العلمانية، هو مواطن حُر طليق، يملك بـ حبر خاتم في البلدية أن يؤسس حياة وعائلة شرعية جديدة تحميها الدولة. ولكن أمام قانون وطنه الأم وكنيسته، يظل مكشوفاً وبلا أي درع واقٍ ومحاصراً بـ قرارات المجالس المغلقة التي تملك القدرة على إيقاف مصيره الاجتماعي خلف الستار، دون أن تملك أوروبا
لماذا تتشد الكنيسة القبطية الارثوذكسية بقوانين الاحوال الشخصية للطلاق؟
منطق الكنيسة: القوانين الكنسية تضع شروطاً صارمة لمنع منح تصريح الزواج الثاني (مثل قصرها على علة الزنا أو تغيير الدين) بهدف حماية تماسك الأسرة ومنع استسهال الانفصال. الكنيسة ترى أنها تطبق تعاليم إنجيلية ثابتة لا تتغير بتغير القوانين الوهمية للدول العلمانية، وأن الحفاظ على نقاء الأسرار المقدسة هو “العدالة الروحية الإلهية” التي تحمي المجتمع من التفكك
في المقابل، يرى المتضررون والمدافعون عن الحقوق المدنية والإنسانية أن هذا المنع ينطوي على قسوة اجتماعية بالغة وظلم إنساني. فمنطق المتضررين هو أن الإنسان قد يمر بظروف قاهرة تجعل استمرار الحياة الزوجية المشتركة مستحيلاً (مثل العنف الأسري، أو الاستحالة النفسية، أو الخذلان العاطفي)، والمحاكم المدنية تمنح الطلاق لرفع هذه المعاناة وتتيح فرصة ثانية للحياة.
عندما ترفض الكنيسة منح التصريح الثاني، فهي من وجهة النظر الروحية تحكم على الضحايا بـ “العزلة الأبدية أو العيش في خطيئة روحية جبرية”، وتتعامل مع الكائن البشري كأنه خادم للنص وليس النص خادماً للإنسان، مما يخلق فجوة مؤلمة تدفع البعض للارتماء في فخ الإحباط أو تغيير الملة قسراً.
وجهة نظري الشخصية ان يتم اعادة تطبيق قوانين لائحة 38 التى الغتها الكنيسة والتى تمنح للضحايا حق الزواج الثاني لتسعة اسباب من اهمها العنف او المرض العضال أو المعاملة المهينة لاحد الزوجين وهي اللائحة التى وصفها البابا كيرلس السادس بلائحة الرحمة ورفض ان يتم الغاؤها كما طلب منه البابا شنودة عندما كان اسقف التعليم رفضاً باتاً وعاقبه بالبقاء في ديره كراهب على تمرده وعدم طاعته للسلطة الدينية العليا وهي سلطة البطريرك، لكن بمجرد ان اصبح البابا شنودة هو البطريرك صمم على نسف هذه اللائحة واستبدالها بجملة واحدة “لاطلاق إلا لعلة الزنا لدى الارثوذكس”
