الجزء الثاني:موقف الكنيسة القبطية الارثوذكسية في النمسا من القانون والصحافة

عدد المدرسين الأقباط المسجلين رسميًا والذين يتقاضون مرتبات مباشرة من الدولة النمساوية (وزارة التعليم) هو عدد محدود جداً يقدر بـ أقل من 10 إلى 15 معلماً ومعلمة في عموم النمسا، يتركز معظمهم في العاصمة فيينا. وتعود أسباب هذا العدد المحدود إلى الطريقة التنظيمية الصارمة التي تتبعها الدولة، وهي دمج المناهج “الأرثوذكسية الشرقية” حيث أن النمسا لا تفتح وظيفة معلم مستقلة لكل طائفة صغيرة على حدة. المدرس القبطي المعين من الدولة لا يدرّس للأطفال الأقباط فقط، بل يدرّس منهجاً موحداً يسمى “منهج الكنائس الأرثوذكسية الشرقية” (Orientalisch-orthodoxer Religionsunterricht)، والذي يجمع تحت مظلته الطلاب (الأقباط، والسريان، والأرمن) في نفس الصف لعدم تشتيت الحصص.

إجمالي كافة مدرسي الدين الأرثوذكس (الروم، الصرب، الروس، الأقباط، السريان، إلخ) في كل مدارس النمسا يتراوح بين 110 إلى 130 معلماً فقط لخدمة أكثر من 21,000 طالب. ونظراً لأن الجالية الصربية واليونانية هي الكتلة الأكبر بفارق هائل، فإن الغالبية العظمى من هذه الوظائف تذهب لمدرسي الكنائس البيزنطية (الروم الأرثوذكس).

معظم هؤلاء المدرسين الأقباط الـ 10 لا يعملون بنظام “الدوام الكامل” (Full-time)، بل توظفهم الدولة بنظام “الدوام الجزئي الممتد” (Sammelklassen)؛ حيث ينتقل المدرس بين 3 أو 4 مدارس مختلفة في الأسبوع ليجمع الأطفال الأقباط والشرقيين في حصص مشتركة بعد الظهر.

بناءً على ذلك، تمنحهم الدولة رواتب جزئية محسوبة بدقة بالغة طبقاً لعدد ساعات التدريس الفعلية داخل الفصول وليس رواتب كاملة. لذا، فإن المنظومة صممتها النمسا لضمان حق الطفل في التعليم الديني، وليست منظومة لتوظيف أعداد كبيرة من أبناء الجالية أو رجال الدين.

احياناً تحظى الطائفة الارثوذكسية بنقد لاذع من الصحافة بسبب بعض القوانين الكنيسة الرجعية لكن قانونياً ودستورياً في النمسا، لا تستطيع الكنيسة القبطية (أو أي كنيسة أخرى) الشكوى لرجال السياسة لوقف أو معاقبة منتقديها، كما أن رجال السياسة لا يملكون أي سلطة للتدخل في هذا الشأن. يعود ذلك إلى طبيعة النظام القانوني والسياسي في النمسا، والذي يُدار وفق قواعد صارمة تفصل تماماً بين النقد الفكري والسياسة. بعكس مصر حيث ان هناك بعض الاساقفة المصريين الارثوذكس يرفعون قضايا ضد بعض الرعايا الذين ينتقدون افكارهم.

النمسا دولة ديمقراطية تضمن حرية التعبير والنقد (Meinungsfreiheit) كحق أصيل لكل فرد بموجب الدستور والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. نقد المؤسسات الدينية، أو التي يوصف فكرها أو قانونها بـ “الرجعي” أو “التقليدي”، أو انتقاد إدارتها داخلياً، ويُصنف قانونياً كـ “رأي شخصي ونقد فكري” مسموح به تماماً، ولا يمكن لرجال السياسة أو القيادات الحكومية التدخل لمنعه.

القيادة السياسية النمساوية تلتزم بمبدأ الحياد تجاه الشؤون الداخلية للأديان. العلاقة بين الدولة والكنيسة القبطية هي علاقة بروتوكولية وقانونية عامة (تنظيم مدارس، أوراق رسمية، تمثيل في المناسبات). إذا ذهب مسؤول كنسي ليشكو لسياسي نمساوي من وجود “معارضين أو منتقدين له داخل الجالية”، سيكون الرد السياسي الطبيعي هو: “هذا شأن داخلي يخص كنيستكم ومجتمعكم، ولا تملك الحكومة سلطة التدخل فيه ما دام لم يخترق القانون النمساوي”.

اللجوء للقانون (وليس لرجال السياسة) يحدث في حالة واحدة فقط، وهي إذا تحول النقد من “خلاف فكري أو إداري” إلى ممارسات يعاقب عليها القانون الجنائي النمساوي، مثل:

  • التحريض على الكراهية العرقية أو الدينية (Verhetzung): الدعوة للعنف أو التمييز ضد فئة معينة.
  • التشهير والقذف والسب العلني (Üble Nachrede / Beleidigung): توجيه اتهامات جنائية كاذبة ومحددة لأشخاص دون دليل لتدمير سمعتهم.

في هذه الحالات فقط، تلجأ الكنيسة أو الأفراد المتضررون إلى المحاكم والقضاء النمساوي المستقل عبر محامين، كأي مواطن أو مؤسسة في الدولة، دون أي تدخل أو وساطة من رجال السياسة.لذلك، يعبر المنتقدون للأفكار أو الإدارة الكنسية عن آرائهم بحرية على منصات التواصل أو في النقاشات العامة داخل النمسا دون خوف من ملاحقة سياسية.

وكنت قد نشرت سابقاً خبر عن ان احد الشمامسة المقربين من الايبارشية في النمسا بأنه تاجر جملة في “المعسل” المستخدم في تدخين الشيشة، والنقد لم يكن لنوع التجارة فهي تجارة مسموح بها من الناحية القانونية طالما صاحبها يسدد الضرائب المستحقة للدولة، ولكن من الناحية الأدبية والاخلاقية تعتبر رتبة الشماس هي رتبة كنسية في الاكليروس فالشماس خادم للمذبح وبناء عليه لايصح أخلاقياً ان يكون تاجراً للتبغ او المعسل.

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ترفض التدخين بشكل حاسم وتعتبره خطية تضر بجسد الإنسان (الذي هو هيكل للروح القدس). بناءً على ذلك، يُعتبر قيام شخص برتبة شماس بالاتجار في التبغ أو المعسل أو إدارة مقهى (شيشة) أمرًا غير مقبول روحيًا ورعويًا، ويتنافى مع وقار الخدمة.

الإجراء الكنسي: إذا علم أسقف الإيبارشية أو كاهن الكنيسة بهذا الأمر، لا يتدخل القانون، بل يتم التعامل معه كنسياً؛ حيث يتم نصحه أولاً، وإذا أصر، يحق للكنيسة تجريده من رتبة الشماس أو منعه من الخدمة على المذبح لحين تغيير نشاطه، وذلك لحفظ صورة الخدمة وهيبة المذبح.

إذن، الأمر يُصنف كخلل مسلكي وروحي جسيم طبقاً لقوانين الكنيسة الداخلية يستوجب المنع من الخدمة، لكنه لا يُصنف كفساد جنائي في عيون قانون الدولة ما دام يلتزم باللوائح التجارية.

إذا انسحب عضو من الكنيسة القبطية الارثوذكسية تعتبر المحاكم النمساوية والأوروبية أن هذه السجلات تمثل “حقائق تاريخية” وتوثيقاً لأحداث فعلية حدثت في الماضي (مثل حدوث معمودية في تاريخ معين). قانون حماية البيانات (GDPR): تنص المادة 17 من اللائحة الأوروبية لحماية البيانات (الخاصة بالحق في النسيان أو الحذف) على استثناءات واضحة؛ حيث يُمنع حذف البيانات إذا كان الاحتفاظ بها ضرورياً لأرشفة المصلحة العامة، أو لأغراض البحث التاريخي، أو لأغراض إحصائية.

إذا قدم العضو طلباً رسمياً بالانسحاب من الطائفة (Kirchenaustritt) لدى الجهات الحكومية في النمسا فالكنيسة مجبرة قانوناً على تحديث ملف الشخص؛ حيث يُكتب أمام اسمه في السجلات الكنسية أنه “انسحب من الطائفة في تاريخ كذا”. وتلتزم الكنيسة بوقف استخدام بياناته في الأنشطة اليومية؛ فلا يحق لها إرسال مجلات الكنيسة إلى منزله، أو استخدام بريده الإلكتروني في القوائم البريدية، أو إرسال طلبات تبرعات. بما أن الكنيسة القبطية معترف بها رسمياً في النمسا منذ 2003، فهي تتمتع بنفس الوضع القانوني للكنيسة الكاثوليكية فيما يخص “القانون العام للمؤسسات الدينية”.

تحتفظ الكنائس بالأرشيف لضمان عدم حدوث تلاعب؛ فمثلاً إذا أراد شخص العودة مجدداً أو احتاج لإثبات تاريخ معموديته لأي سبب قانوني أو عائلي مستقبلي، تجد الكنيسة أصل السجل محفوظاً لديها.

إذاً، الملف لا يتم حذفه من الوجود، بل يتم قفله وتغيير حالته إلى “منسحب”، مع الاحتفاظ بالبيانات التاريخية في سجلات الأرشيف بشكل دائم بموجب حماية القانون النمساوي لحق الأرشفة الكنسية.

ليس من حق الكنيسة من الناحية القانونية الصارمة إرسال البيانات الشخصية لأي عضو في النمسا إلى طرف ثالث في مصر أو أي دولة خارج الاتحاد الأوروبي دون موافقة الشخص نفسه لان هذا السلوك يعتبر خرقا صريحاً وجريمة قانونية تعاقب عليها السلطات الأوروبية.

تخضع الكنيسة القبطية في النمسا، بصفتها مؤسسة معترفاً بها، للقوانين الأوروبية والنمساوية لحماية البيانات، والتي تفرض قيوداً صارمة جداً على النحو التالي:

1. تصنيف البيانات الدينية كبيانات “شديدة الحساسية”

بموجب اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR) وقانون حماية البيانات النمساوي (DSG)، تُصنف البيانات التي تكشف عن “المعتقد الديني أو الانتماء الطائفي” للشخص ضمن الفئات الخاصة (Sensitive Data). يحظر القانون مشاركة هذه البيانات أو نقلها أو تداولها خارج النطاق الإداري الداخلي الضيق للكنيسة إلا بشروط معقدة جداً.

2. الحظر الصارم للنقل الدولي (إلى دولة ثالثة)

  • مصر تُصنف في القانون الأوروبي كـ “دولة ثالثة” (Third Country) لا تملك “قرار ملاءمة” (Adequacy Decision) تلقائي لنقل البيانات.
  • يمنع القانون تماماً نقل أي بيانات شخصية من النمسا إلى مصر ما لم يوقع العضو بنفسه على “موافقة كتابية صريحة ” (Explicit Consent) تفيد بقبوله نقل بياناته، وموضحاً بها أسباب النقل والجهة المستلمة بدقة.
  • إذا قام أسقف أو كاهن بإرسال كشوف أسماء، أو عناوين، أو تفاصيل عائلية تخص مواطناً أو مقيماً في النمسا إلى أشخاص أو جهات في مصر (سواء كانت جهات كنسية أخرى، أو أفراد، أو جهات أمنية أو حكومية) دون إذن الشخص، يترتب على ذلك:
  • شكوى قضائية: يحق للعضو المتضرر رفع شكوى مباشرة إلى هيئة حماية البيانات النمساوية (DSB).
  • عقوبات مالية ضخمة: يملك القانون الأوروبي صلاحية فرض غرامات مالية باهظة جداً على المؤسسة الدينية المعنية (قد تصل إلى ملايين اليوروهات).
  • الملاحقة القضائية: يحق للشخص رفع دعوى تعويض أمام المحاكم النمساوية ضد المتسبب في تسريب بياناته بتهمة انتهاك الخصوصية الدستورية.
  • تلتزم كافة الإيبارشيات والكنائس في أوروبا بالحذر الشديد في التعامل مع السجلات والملفات، ولا تجرؤ الإدارات الكنسية على إرسال أي كشوفات أو بيانات تخص شعبها في الخارج لأي طرف ثالث تفادياً للمساءلة القانونية الجنائية والمالية من الدولة النمساوية.

لو اعطى الأسقف معلومات عن احد الاعضاء في مكالمة تليفونية شخصية مثلا فهذا مجرم قانوناً ففي القوانين النمساوية والأوروبية (GDPR)، لا يهم إطلاقاً “الوسيلة” التي تم بها تسريب البيانات؛ فالقانون يحظر إفشاء البيانات الحساسة سواء كُتبت على ورق، أو أُرسلت بالإيميل، أو نُطقت شفاهةً عبر مكالمة تليفونية.

إذا قام الكاهن بتسريب سر الاعتراف الكنسي، فإن هذا الفعل يُمثل واحدة من أخطر الجرائم الروحية والقانونية على حد سواء في النمسا؛ حيث يترتب عليه عقاب ديني حاسم وعقاب جنائي صارم من الدولة النمساوية.

من الناحية الجنائية (قانون العقوبات النمساوي StGB) بموجب المادة 121 من قانون العقوبات النمساوي (Verletzung von Berufsgeheimnissen)، يُعد رجل الدين (السياسي أو الكاهن) ملزماً قانوناً بحفظ “سر الرعاية الروحية والاعتراف” (Seelsorgegeheimnis).

القانون النمساوي يحمي سر الاعتراف لدرجة أن القضاء نفسه لا يملك سلطة إجبار الكاهن على الاعتراف بما قيل له في غرفة الاعتراف، حتى لو كان الأمر يتعلق بجريمة كبرى؛ وبالتالي إذا باح الكاهن بالسر من تلقاء نفسه، فقد ارتكب خرقاً جسيماً للوائح الدولة. يُعتبر “سر الاعتراف” في الكنائس التقليدية (الأرثوذكسية والكاثوليكية) أمراً مقدساً لا يقبل الاستثناء تحت أي ظرف.

الإجراء الكنسي الفوري: بمجرد ثبوت تسريب الكاهن للاعتراف، يتم إيقافه فوراً عن العمل الرعوي وتجريده بالكامل من رتبته الكهنوتية وعزله (وفي الكنيسة الكاثوليكية يُحكم عليه بـ “الحرمان الكنسي التلقائي الخاضع للكرسي الرسولي” Excommunication). لا يُسمح له بلمس المذبح أو ممارسة أي أسرار كنسية طوال حياته؛ لأنه خان الأمانة العظمى بين الله والمعترف.

استخدام الأسقف أو القيادة الكنسية لمجموعات من الأفراد الموالين – والذين يُعرفون في علم النفس بـ “القرود الطائرة” (Flying Monkeys) – لشن حملات هجوم، تشويه، أو ترهيب ضد صحفي ينتقد الكنيسة، يُعد تصرفاً غير قانوني ويقع تحت طائلة القانون الجنائي النمساوي وقوانين الإعلام الصارمة، ففي النمسا وأوروبا، لا يُعفى المحرض من المسؤولية لمجرد أنه لم يشن الهجوم بنفسه، وإليك كيف يتعامل القانون مع هذا السيناريو بدقة:

1. المسؤولية الجنائية للأسقف (التحريض والتواطؤ)

  • قانون العقوبات النمساوي (StGB): ينص القانون على أن من يحرض الآخرين أو يدفعهم لارتكاب فعل غير قانوني (Anstiftung) يُعاقب بنفس عقوبة الفاعل الأصلي.
  • إذا ثبت وجود توجيه أو تحريض (سواء عبر رسائل خاصة، اجتماعات، أو تلميحات علنية) من الأسقف لهؤلاء الأفراد لمضايقة الصحفي، يتم إدراج الأسقف كمتهم رئيسي في القضية.

الحملات الإلكترونية أو الميدانية التي يشنها هؤلاء الأفراد ضد الصحفي تُجرمها عدة قوانين:

  • الملاحقة والترهيب (Cyber-Stalking / Cyber-Mobbing): بموجب المادة 107 (أ) من قانون العقوبات النمساوي، يُعاقب القانون على التحرش الإلكتروني المنظم والمستمر الذي يهدف إلى ترهيب الشخص أو تدمير حياته المهنية والشخصية.
  • الافتراء والتجريح (Üble Nachrede): إذا تضمنت حملة الهجوم نشر أكاذيب أو اتهامات مرسلة لتشويه سمعة الصحفي المهنية، يحق للصحفي مقاضاتهم وطلب تعويضات مالية ضخمة.
  • التحريض على الكراهية (Verhetzung): إذا تحول الهجوم إلى تحريض طائفي أو دعوة صريحة لنبذ الصحفي أو إيذائه، تصبح الجريمة جناية أمن دولة تواجه عقوبات بالسجن تصل إلى عدة سنوات.

3. الحماية الخاصة بالصحفيين (قانون الإعلام النمساوي)

  • النمسا تفرض حماية قانونية استثنائية لحرية الصحافة. إذا تعرض صحفي لهجوم منظم بسبب عمله، تتولى نقابة الصحفيين النمساوية والجمعيات الحقوقية دعم الصحفي قانونياً ومادياً.
  • يتم التعامل مع القضية كـ “تهديد لحرية التعبير والصحافة”، مما يدفع النيابة العامة والشرطة للتحقيق بجدية بالغة لكشف الأطراف المحرضة، ولا تشفع الصفة الدينية للأسقف في منع استدعائه للتحقيق الجنائي.

النمسا توفر شبكة أمان قانونية قوية تحمي الصحفيين من أي هجمات مدبرة بالوكالة، ويتحمل فيها المحرض (الأسقف) والمنفذون (القرود الطائرة) المسؤولية الجنائية الكاملة متضامنين.

قيام خدام أو شمامسة بالدخول على حسابات الصحفي وسبه وشتمه بألفاظ قاسية يضعهم تحت طائلة القانون الجنائي النمساوي بشكل مباشر كأفراد، ويفتح الباب قانونياً لربط الأسقف بالجريمة عبر التحقيقات.

في النمسا، لا يحمي الفيس بوك أو الحسابات الإلكترونية أحداً من الملاحقة القضائية، وإليك كيف يتصرف القانون مع هذه الحالة بالتفصيل:

1. العقاب الجنائي المباشر للخدام والشمامسة

كل خادم أو شماس كتب شتيمة أو لفظاً قاسياً على صفحة الصحفي يمكن مقاضاته فوراً بموجب القوانين التالية:

  • جريمة الإهانة والسب العلني (Beleidigung – المادة 115 من قانون العقوبات النمساوي): الشتم العلني (أمام العامة على وسائل التواصل) يعاقب عليه القانون بغرامات مالية أو السجن يصل إلى 3 أشهر.
  • جريمة الافتراء وتشويه السمعة (Üble Nachrede – المادة 111): إذا تضمنت الشتائم اتهامات تمس شرف الصحفي أو أمانته المهنية دون دليل، تواجه المجموعة عقوبة السجن التي قد تصل إلى سنة أو غرامات مالية باهظة تذهب كتعويض للصحفي.
  • التنمر الإلكتروني المنظم (Cyber-Mobbing): إذا تبين أن الشمامسة دخلوا بشكل جماعي ومنظم لتكرار الهجوم وإرهاب الصحفي، يُصنف ذلك كجريمة ملاحقة إلكترونية جماعية يعاقب عليها القانون بصرامة.

2. كيف يتم كشف دور الأسقف (التحريض الخفي)؟

الشرطة النمساوية والنيابة العامة لديهما خبرة واسعة في كشف المحرضين خلف الستار، ويتم ذلك عبر الإجراءات التالية:

مصادرة وفحص الأجهزة: في القضايا المنظمة، يحق للادعاء العام إصدار أمر بفحص هواتف الشمامسة المتورطين. إذا عثرت الشرطة على رسائل في مجموعات (واتساب أو ماسنجر) مغلقة تحتوي على توجيهات من الأسقف مثل: “ادخلوا ردوا عليه”، أو “هذا الشخص يهاجم الكنيسة وعليكم إسكاته”، يُعتبر هذا دليلاً كتابياً قاطعاً على التحريض ويتم توجيه التهمة الجنائية للأسقف مباشرة.\

لحماية حقه، يجب على الصحفي النمساوي أو المقيم في النمسا القيام بالآتي:

  1. توثيق الأدلة (Screenshots): تصوير الشتائم والحسابات التي قامت بالسب مع إظهار الروابط الإلكترونية (URLs) وتواريخ التعليقات بشكل واضح.
  2. إثبات هوياتهم: ربط هذه الحسابات بهوياتهم الحقيقية كشمامسة وخدام في الكنيسة (عبر صورهم داخل الكنيسة أو مناصبهم المعلنة).
  3. تقديم بلاغ رسمي (Anzeige): التوجه إلى أقرب مركز شرطة في فيينا أو تقديم البلاغ إلكترونياً عبر الإدارة المختصة بالجرائم الإلكترونية، ومخاطبة نقابة الصحفيين لتوفير الدعم القانوني.

القانون النمساوي لا يعترف بالحصانة الدينية عند حدوث السب والقذف، وكل من كتب تعليقاً يسب فيه الصحفي سيتحمل مسؤوليته الجنائية والمالية كاملة. كما يحفظ القانون حق الصحافة في نقد الكنيسة نقداً موضوعيا مثل

1. نقد “الكهنوت” و”الرهبنة” كمنظومة سلطوية

  • المنظور الصحفي المباح: يحق للصحافة الحرة أن تبحث وتكتب عن فكرة “التراتب الكنسي” (Hierarchy) وجدوى وجود وسيط بين الإنسان والله، أو انتقاد مبدأ “الطاعة العمياء” للقيادات الدينية.
  • نقد الرهبنة: يُسمح للصحافة بمناقشة ما إذا كانت الرهبنة والعزلة تتنافى مع الطبيعة البشرية، أو انتقاد نذر الفقر والتبتل باعتبارها أفكاراً لا تتناسب مع العصر الحديث، طالما أن الطرح يناقش الفكرة والممارسة وليس الأشخاص.

2. لماذا يحمي القانون وصف الفكرة بـ “الأنحراف الفكري”؟

  • سقف الحرية المرتفع: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) أكدت في أحكام تاريخية عديدة أن حرية التعبير لا تقتصر على الآراء التي تُقبل بترحاب، بل تشمل أيضاً الآراء التي “تُصدم، أو تجرح، أو تزعج” المؤسسات أو قطاعات من السكان.
  • غياب القداسة في القانون المدني: القوانين النمساوية لا تعترف بـ “الحصانة الفكرية للطقوس أو المعتقدات”؛ فاعتبار طقس ما أو فكرة دينية بمثابة “انحراف عن المنطق أو العقلانية” يُصنف كـ “رأي فلسفي أو علماني مشروع” يملكه الكاتب.

3. متى يتدخل القانون النمساوي؟

تتحرك الدولة ضد المقال الصحفي في حالة واحدة فقط، وهي “ازدراء الأديان المخل بالسلم العام” (Herabwürdigung religiöser Lehren) بموجب المادة 188 من قانون العقوبات النمساوي، ولكن بشروط ضيقة جداً:

  • شرط الإخلال بالأمن: عندما يكون أسلوب الكتابة ركيكاً، ومهيناً بشكل فج ومتعمد، وموجهاً بهدف وحيد وهو إثارة البغضاء والسخرية المهينة التي قد تؤدي إلى اضطرابات في الشارع أو أعمال عنف.
  • أما التحليلات الصحفية الموضوعية الرصينة، والتحقيقات الاستقصائية، والمقالات الفكرية التي تنتقد مثلاً الأسرار الكنسية بدافع التنوير أو العلمانية، فهي محمية حماية مطلقة ولا يمكن إسكاتها.

لذلك، فإن الكنيسة القبطية أو الكاثوليكية في النمسا تدرك تماماً أنها تعيش في بيئة علمانية تضمن للصحفي الحق الكامل في تشريح ممارساتها وفكرها بكل جرأة، دون أن تملك القدرة على منعه قانونياً.

على سبيل المثال لا الحصر نقد لزيارات البابا تواضروس الثاني المتكررة للنمسا، أو لأي قيادة دينية أخرى، واعتبار هذه الزيارات “تبديداً لأموال الكنيسة أو الشعب”، يُعد حقاً مكفولاً بالكامل ومحمياً بموجب قوانين حرية التعبير والصحافة في النمسا والدول الديمقراطية.

لماذا يحمي القانون النمساوي هذا النقد؟

  • نقد الشخصيات العامة: البابا تواضروس هو شخصية عامة ودولية بارزة. والقانون الأوروبي يفرض سقفاً مرتفعاً جداً لنقد الشخصيات العامة (سواء كانوا سياسيين أو قادة دينيين)، ويجعلهم عرضة للمساءلة والمراقبة الشعبية والإعلامية أكثر من الأشخاص العاديين.
  • الرقابة على الأموال: التساؤل عن كيفية إنفاق أموال المؤسسات (سواء كانت تبرعات من الشعب أو ميزانيات كنسية) وانتقاد بنود الصرف يُعتبر في الغرب أعلى درجات حرية الرأي والعمل الصحفي التنويري. من حق أي مواطن أو صحفي أن يتساءل: “أين تُنفق أموال التبرعات؟ وهل هذه الزيارات مجدية رعوياً أم أنها استهلاك للموارد؟”.

2. كيف يُصنف هذا الطرح في المحاكم النمساوية؟

إذا حاولت الكنيسة تقديم شكوى ضد الصحفي بسبب هذا الطرح، سيرفضها القضاء النمساوي فوراً  لأن هذا رأي سياسي/اجتماعي مشروع: هذا الطرح يُصنف كـ “بيان رأي” (Werturteil) وليس سباً أو قذفاً. أنت لم تخترع اتهاماً جنائياً محدداً ضد شخصه (مثل اتهامه بالسرقة الشخصية دون دليل)، بل انتقدت “جدوى القرارات الإدارية والمالية للمؤسسة”، وهو أمر مباح قانوناً بنسبة 100%. ولا علاقة له بالتحريض: هذا النقد لا يحث على الكراهية أو العنف ضد المسيحيين كفئة، بل يناقش أداء رأس المنظومة الكنسية.

عندما تصف الصحافة في النمسا ان بطريريك الارثوذكس لايهتم بشعبه ولكن ينفذ التعليمات السياسية للنظام الحاكم ايضا هذا امر مسموح به ومكفول بقوة القانون والدستور في النمسا والدول الديمقراطية.

وصف البطريرك بأنه “لا يهتم بشعبه وينفذ التعليمات السياسية للنظام الحاكم في بلده” يُعد نقداً سياسياً صريحاً ومشروعاً، يقع في قلب حرية التعبير والصحافة، ولا يمكن تجريمه أو ملاحقته قانونياً لعدة أسباب حاسمة:

1. طبيعة النقد السياسي للشخصيات العامة

القانون الأوروبي والنمساوي يضع القادة الدينيين الذين يلعبون أدواراً عامة أو يتدخلون في الشأن السياسي في نفس مرتبة رجال السياسة من حيث قابليتهم للنقد. اعتبار البطريرك “منفذاً لتعليمات نظام سياسي” هو تحليل وتقييم للأداء السياسي والعلني للمؤسسة الكنسية، وهو حق أصيل لأي مواطن، أو كاتب، أو صحفي.

2. غياب “الخطوط الحمراء السياسية” في النمسا

في النظم الديمقراطية، لا توجد حصانة لأي قيادة دينية تحميها من النقد السياسي. المحاكم النمساوية والأوروبية تعتبر أن اتهام مؤسسة دينية بالتبعية السياسية لحكومة ما – سواء كانت الحكومة المصرية أو غيرها – هو بيان رأي (Werturteil) وتحليل للمواقف العامة، وليس سباً شخصياً أو قذفاً جنائياً.

طالما أن نقد البطريرك او الاسقف يتمحور حول الأدوار والمواقف السياسية للبطريرك وإدارته للكنيسة، فإنه يظل محمياً بالكامل. القضاء النمساوي لا يتدخل إلا في حالة واحدة وهي “الافتراء الشخصي الجنائي” (مثل اتهام شخص بعينه بجريمة رشوة محددة أو اختلاس شخصي دون وجود دليل مادي). أما القول بأنه “يتبع النظام أو ينفذ تعليمات سياسية”، فهذا نقد للأداء والتوجه يحميه القانون حماية مطلقة.

لذلك، يمكنك التعبير عن هذا الرأي، وكتابته، ونشره بكل حرية وأمان داخل النمسا، دون أي خوف من ملاحقة قانونية من السلطات النمساوية، ولا تملك الكنيسة أي وسيلة قانونية لإسكات هذا النوع من الطرح التنويري أو السياسي.

تتسم التركيبة الثقافية والاجتماعية للجاليات الشرقية في المهجر بالتعقيد الشديد؛ حيث يطغى الفكر المحافظ والتقليدي على البنية العامة لهذه المؤسسات والجاليات. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية بحثية وتاريخية، سنطرح الأبعاد التالية التي تفسر هذه الوضعية:

1. طبيعة تكوين جاليات المهجر (الرغبة في الحفاظ على الهوية)

  • الكنيسة كمركز وحيد: بالنسبة للمهاجر الشرقي (مسيحياً كان أم مسلماً)، تمثل الكنيسة أو المسجد في الغرب أكثر من مجرد مكان للعبادة؛ فهي المركز الاجتماعي، والثقافي، والرابط الوحيد بالوطن الأم.
  • الخوف من الذوبان: هذا التمسك الشديد بالهوية يدفع الجالية في الغالب إلى تبني مواقف أكثر تحفظاً وتشدداً (وقد تبدو رجعية للمراقبين) مقارنة بالداخل، وذلك كآلية دفاعية لحماية الأبناء من الذوبان الكامل في الثقافة العلمانية الغربية.
  • لا توجد بالفعل “حركات علمانية قبطية منظمة ومؤسسية” في النمسا أو أوروبا تمتلك مقاراً أو تمثيلاً رسمياً يضاهي المؤسسة الكنسية.
  • الجهود الفردية: الفكر التنويري أو العلماني القبطي يظهر بوضوح في صورة أفراد، وكتاب، ومفكرين، وصحفيين مستقلين يعبرون عن آرائهم عبر منصات التواصل، أو الكتب، أو المقالات الصحفية. هؤلاء ينتقدون الهيمنة الكنسية والمفاهيم التقليدية، لكنهم يظلون أصواتاً منفردة لا تشكل تياراً جماهيرياً منظماً.

يتفق معظم خبراء الاجتماع السياسي والقانون في أوروبا على أن هذا النموذج النمساوي في التعامل مع الاديان والطوائف ليس مجرد محاولة عاطفية “لإرضاء” الجاليات الدينية، بل هو ذكاء استراتيجي نابع من براجماتية سياسية بحتة تهدف لتحقيق أعلى درجات السيطرة والأمن المجتمعي.

تُفضل النمسا هذا الأسلوب بدلاً من العلمانية الصارمة (كالموجودة في فرنسا) لعدة أسباب استراتيجية فعندما تمنح النمسا طائفة ما (مثل الأقباط أو المسلمين) الاعتراف الرسمي وتمول حصص دينهم، فإنها تكسب في المقابل حق الرقابة الكاملة:

  • مراقبة المناهج: الدولة هي من تراجع وتوافق على الكتب التي تُدرس للأطفال، وبذلك تضمن عدم وجود أي أفكار متطرفة أو معادية لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
  • الشفافية الإدارية: تُجبر الطوائف على تسجيل هياكلها وأسمائها الرسمية، مما يمنع نشوء “تنظيمات سرية أو موازية” تعمل في الخفاء بعيداً عن أعين الأمن والنيابة.

النمسا أدركت أن ترك الجاليات الدينية دون دعم أو تنظيم رسمي سيجعلها فريسة سهلة لدول أجنبية أو تنظيمات دولية تمولها لفرض أجندات سياسية خاصة (كما كان يحدث مع تمويل بعض الدول للمساجد والأئمة). من خلال تقديم اعتراف قانوني محلي مشروط بالتمويل الداخلي والاندماج، تقطع الدولة الطريق على أي اختراق خارجي لأمنها القومي.

العلمانية الصارمة التي تحظر المظاهر الدينية في المجال العام تؤدي أحياناً إلى شعور الجاليات بالتهميش والاضطهاد، مما يولد بيئة خصبة للاحتقان أو التطرف. النمسا تتبع سياسة “الاحتواء والاعتراف بالهوية”؛ فتشعر الجالية بتقدير الدولة واحترام خصوصيتها، ومقابل هذا الاعتراف، تلتزم الجالية بالولاء الكامل للدستور والقانون النمساوي.

عندما تعترف الدولة برأس الطائفة (كالأسقف أو رئيس الهيئة الإسلامية)، فإنها تحولهم قانونياً إلى “ممثلين رسميين” أمام الحكومة. في حال حدوث أي مشكلة، أو توتر، أو ممارسات خارجة عن القانون من أفراد الجالية، لا تتدخل الدولة بعنف عشوائي، بل تستدعي هؤلاء القادة وتلزمهم بضبط رعاياهم، وبذلك تصبح القيادة الدينية أداة مساعدة للدولة في حفظ الأمن.

لذلك، هو نموذج مبني على تبادل المصالح: “نعطيكم اعترافاً وحقوقاً تعليمية وإدارية، وتعطوننا في المقابل الولاء المطلق والشفافية التامة والالتزام بالقانون النمساوي”، وهو ما يُعتبر في علم السياسة قمة الذكاء الإداري لإدارة التنوع الثقافي والديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *