
ربطت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، مارين لوبان، قرارها بخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة بنتيجة الاستئناف المقدم في القضية المتعلقة بإساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي، مؤكدة أنها لن تترشح إذا أُلزمت بارتداء سوار إلكتروني، لأن ذلك سيحول دون قدرتها على إدارة حملة انتخابية بحرية.
ويأتي تصريح لوبان قبل أيام من صدور قرار محكمة الاستئناف في باريس، المقرر الثلاثاء المقبل، والذي قد يرسم ملامح مستقبلها السياسي، في وقت تعد فيه من أبرز المرشحين المحتملين لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في انتخابات عام 2027.
وقالت لوبان، في مقابلة مع قناة “ال سب آي” الفرنسية، إنها ستكون مرشحة “إذا كان بإمكانها الترشح وتنظيم حملة انتخابية”، مضيفة: “إذا سُمح لي بالترشح لكن مُنعت من إدارة حملتي بحرية، فلن يكون ذلك ممكناً“.
وأوضحت أن فرض سوار إلكتروني عليها سيكون العقبة الرئيسية أمام أي حملة انتخابية، قائلة: “بالطبع، لا يمكنني أن أكون رهينة لقاضٍ يقرر متى أستطيع الذهاب إلى تجمع انتخابي أو حتى زيارة سوق شعبي“. وتطعن لوبان (57 عاماً) في حكم أصدرته محكمة فرنسية في آذار/ مارس 2025، خلص إلى إدانتها وعدد من مسؤولي حزب التجمع الوطني بإساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي.
وتتهم النيابة الفرنسية لوبان وآخرين بتوظيف مساعدين برلمانيين ممولين من البرلمان الأوروبي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2016، بينما كانوا، بحسب الاتهام، يعملون لصالح الحزب داخل فرنسا بدلاً من أداء مهام مرتبطة بعمل النواب في البرلمان الأوروبي.
وتنفي لوبان وحزبها هذه الاتهامات، معتبرين أن القضية ذات دوافع سياسية، وأن المساعدين كانوا يؤدون مهاماً مرتبطة بالعمل البرلماني والسياسي في آن واحد.
عقوبات قد تعيد رسم المشهد السياسي
وفي حال أيدت محكمة الاستئناف الحكم، فقد تواجه لوبان عدة عقوبات، من بينها الحرمان من تولي أي منصب منتخب، أو فرض سوار إلكتروني عليها، أو الجمع بين العقوبتين، إضافة إلى العقوبات المالية أو السجن وفق ما يقرره القضاء.
ويحظى القرار المرتقب باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية الفرنسية، نظراً إلى أن لوبان تمثل الشخصية الأبرز في اليمين المتطرف، وخاضت الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات، ونجحت في بلوغ الجولة الثانية في آخر استحقاقين رئاسيين أمام الرئيس إيمانويل ماكرون.
وقد يعيد أي قرار يمن لوبان من الترشح تشكيل موازين القوى داخل اليمين الفرنسي، ويفتح الباب أمام صعود شخصيات أخرى داخل حزب التجمع الوطني، وفي مقدمتها رئيس الحزب الحالي جوردان بارديلا، الذي برز خلال السنوات الأخيرة باعتباره أحد أبرز الوجوه الصاعدة في اليمين الفرنسي.
انتخابات مفصلية
ومن المقرر أن تُجرى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 18 نيسان/ أبريل 2027، على أن تُعقد جولة الإعادة في 2 أيار/ مايو إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة من الجولة الأولى.
ويأتي الاستحقاق المقبل في ظل انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يمنعه الدستور الفرنسي من الترشح لولاية رئاسية ثالثة متتالية، ما يجعل السباق مفتوحاً أمام قوى اليمين واليسار والوسط لإعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد.
وتشير استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضية إلى أن لوبان ظلت من أبرز المرشحين المحتملين للوصول إلى قصر الإليزيه، وهو ما يمنح القرار القضائي المنتظر أهمية استثنائية، باعتباره قد لا يحدد مستقبلها الشخصي فحسب، بل قد يؤثر أيضاً في مسار الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.
مارين لوبان هي واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في فرنسا خلال العقدين الأخيرين، وتعد الوجه الأبرز لليمين المتطرف الفرنسي. وُلدت في 5 آب/ أغسطس 1968 بمدينة نويي-سور-سين، وهي ابنة السياسي اليميني المتطرف جان ماري لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية الذي أعادت تسميته لاحقاً إلى التجمع الوطني في إطار سعيها لتخفيف الصورة المتشددة للحزب وتوسيع قاعدته الانتخابية.
درست لوبان القانون، وعملت محامية قبل أن تتفرغ للعمل السياسي داخل الحزب الذي أسسه والدها. وفي عام 2011 خلفته في رئاسة الحزب، وقادت عملية إعادة هيكلته، مركزة على قضايا الهجرة، والأمن، ومكافحة الإرهاب، ومعارضة العولمة وسياسات الاتحاد الأوروبي، مع السعي إلى استقطاب شرائح أوسع من الناخبين.
خاضت الانتخابات الرئاسية الفرنسية ثلاث مرات؛ ففي عام 2012 حلت ثالثة، قبل أن تبلغ الجولة الثانية في انتخابات 2017، حيث خسرت أمام الرئيس إيمانويل ماكرون، ثم كررت الإنجاز في انتخابات 2022، محققة أفضل نتيجة لليمين المتطرف في تاريخ الجمهورية الخامسة، بعد حصولها على أكثر من 41 بالمئة من الأصوات في جولة الإعادة أمام ماكرون.
وعزز حزبها حضوره في البرلمان الفرنسي خلال السنوات الأخيرة، كما حقق نتائج متقدمة في انتخابات البرلمان الأوروبي، ما جعل لوبان مرشحة بارزة للوصول إلى قصر الإليزيه في انتخابات 2027، مستفيدة من اتساع قاعدة اليمين الشعبوي في فرنسا وتراجع شعبية الأحزاب التقليدية.
ورغم صعودها السياسي، واجهت لوبان سلسلة من القضايا والتحقيقات القضائية، أبرزها القضية المتعلقة بإساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي عبر توظيف مساعدين برلمانيين قيل إنهم عملوا لصالح الحزب بدلاً من المؤسسات الأوروبية، وهي القضية التي قد تؤثر في مستقبلها السياسي وإمكانية ترشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة.
