
في تحول جذري لسياسات الهجرة، البرلمان الأوروبي يمنح الضوء الأخضر لترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى مراكز احتجاز خارج حدود القارة. جاءت نتيجة التصويت على قرار نقل المهاجرين خارج الاتحاد بأغلبية 389 صوتا مؤيدا مقابل 206 أصوات معارضة.
مهّد المشرعون الأوروبيون الطريق الخميس أمام تشديد العقوبات على المهاجرين غير النظاميين مع إمكانية ترحيلهم إلى ما يسمى “مراكز العودة” خارج الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه الإجراءات التي انتقدتها منظمات حقوق الإنسان، في إطار تشديد قوانين الهجرة في أوروبا استجابة لضغوط متزايدة في أنحاء التكتل المكون من 27 دولة للحدّ من الهجرة.
وجاءت نتيجة التصويت بأغلبية 389 صوتا مؤيدا مقابل 206 أصوات معارضة. وطالبت بهذه الإجراءات غالبية الدول الأعضاء بالإضافة إلى نواب من اليمين واليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي الذين استقبلوا نتيجة التصويت بتصفيق حار في قاعة البرلمان. وتدفع نتيجة التصويت نحو مفاوضات بين المشرّعين والدول الأعضاء للتوصل إلى نص نهائي.
ويُتيح هذا الإصلاح على وجه الخصوص، إمكانية فتح مراكز أو “مراكز إعادة” خارج حدود الاتحاد الأوروبي، يُرسل إليها المهاجرون الذين رُفضت طلبات لجوئهم. كما ينصّ على فرض عقوبات أشدّ على المهاجرين الذين يرفضون المغادرة، تشمل الاحتجاز ومنع الدخول.
وأثارت هذه الحزمة من الإجراءات انقسامات. فقد شكّكت بعض دول التكتل بمن فيها فرنسا وإسبانيا، في فعالية مراكز العودة، التي وصفتها لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة غير حكومية، بأنها “ثغرات قانونية مستعصية“.
وقالت مارتا ويلاندر من لجنة الإنقاذ الدولية “ستُقام هذه المراكز خارج أراضي الاتحاد الأوروبي، حيث لا يستطيع صانعو السياسات ضمان احترام حقوق الناس”. ومع ذلك، فإن مجموعة صغيرة من الدول، من بينها الدنمارك والنمسا واليونان وألمانيا وهولندا، تمضي قدما وتستكشف خيارات لإنشائها، وفق مصدر دبلوماسي.
ويقول المؤيدون إن هذه المراكز قد تُشكل رادعا وتُثني المهاجرين عن محاولة الوصول إلى أوروبا من الأساس. في المقابل يُشير المنتقدون إلى العقبات التي واجهت مشاريع مماثلة. فقد تخلت بريطانيا عن خطة لترحيل مهاجرين غير مسجلين إلى رواندا، بينما واجهت مرافق تُديرها إيطاليا لدراسة طلبات المهاجرين في ألبانيا عقبات قانونية وبطءًا في الإقبال عليها.
وأعطت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر لحزمة الاجراءات التي اقترحتها المفوضية الأوروبية في كانون الأول/ديسمبر 2025. ومن المرجح أن تتناول المفاوضات مع البرلمان بعد التصويت عددا قليلا من القضايا، بما فيها مدى صلاحيات التفتيش التي يُمكن منحها للسلطات التي تبحث عن المهاجرين غير الشرعيين.
وحذرت مجموعة تضم 70 منظمة حقوقية في شباط/فبراير من أن الإصلاح من شأنه أن يسمح بـ”إنفاذ قوانين الهجرة على غرار إدارة الهجرة والجمارك الأميركية” – في إشارة إلى الممارسات القمعية التي تتخدمها إدارة الهجرة والجمارك في الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب.
وسعت حكومات أوروبية إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة في ظل تراجع الرأي العام بشأن الهجرة، الأمر الذي ساهم في تعزيز مكاسب اليمين المتطرف الانتخابية في أنحاء القارة. ومع تراجع أعداد المهاجرين الوافدين في عام 2025، تحول التركيز في بروكسل على تحسين نظام الإعادة إلى الوطن، إذ لا يعود حاليا سوى 20% ممن صدرت بحقهم أوامر بالمغادرة إلى بلدانهم الأصلية.\
تونس: اللاجئون وطالبو اللجوء في دوامة الانتهاكات بعدما فككت السلطات الضمانات الجوهرية
قالت منظّمة العفو الدوليّة اليوم إنه يجب على السلطات التونسية أن تلغي فورًا سياسات العنصرية وكراهية الأجانب التي تستبعد بصورة ممنهجة اللاجئين وطالبي اللجوء من الحماية، وأن تفتح مجددًا المجال للوصول إلى إجراءات اللجوء، وأن توقف عمليات الطرد الجماعي غير المشروعة وغيرها من أشكال الإعادة القسرية، وأن تكف عن قمع منظمات المجتمع المدني التي تساعد اللاجئين وطالبي اللجوء.
منذ عام 2023، تُعرّض الحكومة التونسية اللاجئين وطالبي اللجوء، لا سيما الأشخاص السود، لانتهاكات واسعة الانتشار وخطيرة لحقوق الإنسان في إطار سياسة الإقصاء العرقي. وقامت السلطات التونسية، في ظل الخطاب التحريضي من جانب المسؤولين، بعمليات اعتقال واحتجاز تمييزية وعمليات طرد جماعي لعشرات آلاف الأشخاص الذين تعرَّضوا أيضًا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.
وتصاعدت الأزمة في جوان/حزيران 2024، عندما أمرت السلطات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتعليق عملية تسجيل طلبات اللجوء وتحديد صفة اللجوء. وترك هذا القرار، الذي لم يُبلَّغ عنه علنًا، آلاف الأشخاص المهمشين عرضة لخطر المزيد من الإساءات وانتهاكات حقوق الإنسان.
وقد جرى ذلك في سياق سياسة الاتحاد الأوروبي في الاستعانة بمصادر خارجية، التي زاد من خلالها دعمه لتونس في مجال ضبط الهجرة بهدف ردع الهجرة إلى أوروبا على الرغم من الأدلة المتزايدة على وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان.
وقالت سارة حشاش نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “يُتعمَّد إيقاع اللاجئين وطالبي اللجوء في تونس بمصيدة نظامٍ لا يمنح الحماية ولا طريقة خروج آمنة.
ينبغي للسلطات التونسية أن تتراجع عن سياسة الإقصاء المعيبة والانتهاكات العنصرية التي تؤثر بصورة غير متناسبة على الأشخاص السود وأن تنأى بنفسها عن التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال الاستعانة بمصادر خارجية، فهي سياسة ترمي إلى البحث الخارجي عن ضوابط للهجرة غير النظامية وإبقاء المواطنين الأجانب خارج الحدود الأوروبية مهما كانت الثمن. ويتعين عليها أن تتيح مجددًا الوصول إلى إجراءات اللجوء وأن تكفل حماية اللاجئين وطالبي اللجوء بدون تمييز”.
منذ فيفري/شباط 2026، تحدثت منظمة العفو الدولية إلى 24 طالب لجوء وإلى لاجئ واحد مسجل، من بينهم 11 امرأة وطفل واحد من أفغانستان، والجزائر، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والسودان، وسيراليون، وغينيا، والكاميرون، وليبيا، تم التعرف عليهم إلى حد كبير من خلال شبكة اللاجئين في ليبيا، وهي تجمع يضم أيضًا لاجئين ومهاجرين في تونس.
احتُجز فالنتين، وهو لاجئ مسجل من الكاميرون تمكن في النهاية من المغادرة إلى فرنسا في أفريل/نيسان 2026، في تونس العاصمة بين مارس/آذار وجوان/حزيران 2025، حيث رفضت السلطات الاعتراف ببطاقة اللجوء التي بحوزته والسماح له بزيارة مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وأدانته بتهمة الدخول إلى تونس بطريقة “غير قانونية”.
كما احتجزت الشرطة طالبَيْ لجوء سيراليونيَّيْن في أوت/آب 2025 في تونس العاصمة، ما أدى إلى انفصالهما عن طفليهما لمدة شهرين. ولا يزال ما لا يقل عن ثلاث طالبات لجوء من غينيا وسيراليون محتجزات مع أطفالهن الأربعة في مركز الوردية للإيواء والتوجيه (’مركز الوردية‘) في تونس العاصمة في وقت كتابة هذا البيان بعدما ألقت الشرطة القبض عليهن بينما كنَّ يتسولن في جربة في ماي/أيار 2026. وقد استخدمت السلطات التونسية مركز الوردية كمرفق احتجازٍ إداري، لاحتجاز اللاجئين والمهاجرين بصورة غير مشروعة وإلى أجل غير مسمَّى، بدون إتاحة الفرصة لهم للطعن في شرعية احتجازهم، غالبًا قبل إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أو نقلهم إلى بلد آخر.
تحدثت منظمة العفو الدولية إلى 12 طالب لجوء طُردوا بصورة جماعية إلى الحدود الجزائرية أو الليبية منذ جوان/حزيران 2024 في أعقاب اعتقالهم التعسفي أو اعتراضهم في البحر. وفي أفريل/نيسان 2026، اعتقلت الشرطة في تونس العاصمة عبدول، وهو فتى سيراليوني عمره 13 عامًا، برفقة أسرته بينما كانوا يستجدون طعامًا، واقتادتهم إلى الحدود الليبية، وسلمتهم إلى جماعة ليبية مسلحة احتجزتهم للمطالبة بفدية. وقد أُفرج عنهم بعد ثلاثة أسابيع عندما ساعدهم أصدقاؤهم على دفع الفدية.
أُعيد أمين، وهو طالب لجوء من أفغانستان لم يستطع أن يتسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عام 2024، إلى كابول بصورة قسرية في 6 مارس/آذار 2026 بعد احتجازه تعسفًا في أحد سجون تونس العاصمة ثم في مركز الوردية لمدة شهرين.
روى جميع الأشخاص الـ 12 الذين طُردوا جماعيًا روايات مرعبة حول تعذيبهم وإساءة معاملتهم من جانب الشرطة والحرس الوطني. وذكر ضحايا، من ضمنهم عبدول، أنهم تعرضوا للضرب بالهراوات، ورُكِلوا، ورُشوا بمواد كيماوية مُهيِّجة، وتعرضوا للصعق بالصدمات الكهربائية والانتهاكات الجنسية، وأُرغموا على الخضوع لعمليات تفتيش مسيئة وهم عراة ما يشكل اغتصابًا.
وأخبرت إيساتو، وهي طالبة لجوء من غينيا، منظمة العفو الدولية أنها عقب إلقاء القبض عليها في تونس العاصمة في فيفري/شباط 2025، طردها الحرس الوطني إلى ليبيا مع 15 امرأة أخرى على الأقل. وقالت: “عند الحدود أرغمونا على التعري في الخارج جميعنا، وفتشونا… وقد فتشني عنصر ذكر بين ساقيَّ مع إنني قلت له إنه ليس بحوزتي أي شيء”.
وقالت إنه خلال احتجازها لدى جماعة مسلحة في ليبيا لمدة سنة تعرضت بصورة متكررة للاغتصاب لأنها لم تتمكن من دفع فدية.
شهد الوضع على الأرض تدهورًا شديدًا، حيث انطوت دعوات مسؤولين وأعضاء في البرلمان، بصورة علنية ومن فترة قريبة تعود إلى أفريل/نيسان 2026، على الكراهية العنصرية وكراهية الأجانب في أعقاب الخطاب العنصري الذي ألقاه الرئيس قيس سعيد في فيفري/شباط 2023.
جعل هذا الخطاب، مقرونًا بالإفلات من العقاب على العنف العنصري الذي أشعل فتيله، الحياة اليومية مستحيلة بالنسبة للاجئين والمهاجرين، وبخاصة الأشخاص السود. ويواجه أصحاب المساكن والعمل تهديدات بعقوبات جنائية لاستضافتهم أو توظيفهم مهاجرين غير نظاميين، ما جعل الأسر في خوف دائم من عمليات الإخلاء القسري، أو مداهمات الشرطة أو العنف العنصري من جانب المواطنين، فاضطر العديدون إلى العيش في الشوارع.
في الوقت نفسه، أرغم تجريم السلطات لعمل المجتمع المدني منذ عام 2024 معظم المنظمات المستقلة التي تقدم المساعدة الطبية، والدعم القانوني، والسكن الطارئ على وقف عملياتها. واضطُرت المجموعات القليلة المتبقية إلى تكييف عملها أو تقليصه لحماية نفسها والمستفيدين منها من الاعتقال.
عاش 16 طالب لجوء أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم سابقًا في الشوارع أو في مساكن مزرية لمدة تصل إلى سنة أو كانوا لا يزالون يعيشون في الشوارع، بمن فيهم مع أطفالهم الصغار. ويواجه 12 منهم في الوقت الراهن إخلاءً وشيكًا من جانب أصحاب المساكن. وأخبرت ثلاث نساء منظمة العفو الدولية أنهن شعرن بأنهن مرغمات على إقامة علاقات جنسية مع رجال تونسيين مقابل المال لإعالة أسرهم بسبب عدم قدرتهن على إيجاد مصادر أخرى للدخل.
أخبرت غريس، وهي طالبة لجوء من غينيا تعيش في تونس العاصمة مع طفليها، منظمة العفو الدولية بأن الشرطة ألقت القبض على زوجها في جانفي/كانون الثاني 2026 وطردته إلى ليبيا مع مجموعة من الأشخاص السود الآخرين. تُركت بدون أي دخل، وألقت الشرطة القبض عليها منذ ذلك الحين ثلاث مرات بينما كانت تتسول وصادرت النقود التي حصَّلتها.
وقالت: “في كل مرة تجدني الشرطة تأخذ نقودي… أحتاج إلى إطعام أطفالي… اضطررتُ إلى النوم مع رجال تونسيين لقاء المال… لو كان لدي أسرة آمنة، لكنت عُدت إلى بلدي، لكنني لا أستطيع فعل ذلك”.
في مثل هذه الظروف، شكلت حالات العودة – بما فيها تلك التي نظمتها الحكومة التونسية منذ جوان/حزيران 2025 – إعادة قسرية بنَّاءة، وهو ما يعني جعل حياة الناس شديدة الصعوبة إلى حدٍ يشعرون فيه بأنهم مُضطَّرون لمغادرة البلد، حتى لو أدى ذلك إلى عودتهم لوضعٍ يخشونه.
بالنسبة لطالبي اللجوء الذين لديهم وضع غير نظامي، أصبحت مغادرة تونس بأمان مستحيلة فعليًا في أعقاب وقف عمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وإن فرص إعادة التوطين محدودة للغاية، في حين أن القانون التونسي يُقدم سُبلًا محدودة جدًا لتنظيم الوضع غير النظامي. ويجد كثيرون أنفسهم عالقين بعدما صادرت السلطات وثائق هوياتهم خلال اعتقالهم.
خلفية
لم تنشئ تونس نظامًا وطنيًا رسميًا للجوء حتى الآن، برغم تصديقها على الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، واختارت بدلًا من ذلك تفويض كافة مسؤوليات التسجيل للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويتضح التأثير المدمر لوقف عمليات التسجيل التي تتولاها المفوضية بشكل جلي: إذ إنه اعتبارًا من أفريل/نيسان 2026، ظل 7,515 شخصًا فقط مسجلين لدى المفوضية، ما يشكل انخفاضًا هائلًا مقارنة بـ 18,362 شخصًا كانوا مسجلين في جوان/حزيران 2024. وإن الأغلبية الساحقة من الذين تسجلوا وجرى التخلي عنهم قد فروا من النزاع المسلح والعنف واسع النطاق في السودان، وسوريا، والصومال.
أ ف ب
