كيف هزت حرب أمريكا وإيران أسواق الطاقة

وضعت الحرب الأخيرة بين إيران وأمريكا أسواق الطاقة أمام واحدة من أكبر اختبارات الإمدادات في تاريخها، بعدما أظهرت حسابات فنية أن الأزمة تسببت في أكبر صدمة يومية لإمدادات النفط على الإطلاق من حيث حجم الخسائر الفورية، بينما لا تزال الثورة الإيرانية عام 1979 تحتفظ بلقب أكبر أزمة طاقة من حيث الخسائر التراكمية التي تكبدها السوق على المدى الطويل.

وأعادت التطورات الأخيرة إلى الأذهان أزمات تاريخية مثل الحظر النفطي العربي عام 1973، وحرب الخليج عام 1991، لكن الأزمة الحالية تميزت بطابع أكثر تعقيداً، نتيجة تشابك أسواق الطاقة العالمية واعتماد الاقتصاد الدولي بصورة أكبر على سلاسل الإمداد العابرة للحدود، بحسب رويترز، الجمعة 3 يوليو 2026.

أكبر خسارة يومية في تاريخ النفط

تشير التقديرات، إلى أن الحرب الأخيرة لم تقتصر آثارها على النفط الخام، بل امتدت لتشمل الغاز الطبيعي المسال، والوقود المكرر، والأسمدة الكيماوية، وسط تنامي دور منطقة الخليج كمصدر رئيسي للطاقة والمنتجات البترولية للأسواق العالمية.

وأكدت وكالة الطاقة الدولية، أن ذروة الأزمة تسببت في فقدان أكثر من 14 مليون برميل يومياً من إمدادات النفط، نحو 13.6% من إجمالي الطلب العالمي المتوقع خلال 2026، والبالغ 103.3 مليون برميل يومياً، لتسجل أكبر خسارة يومية للإمدادات في تاريخ صناعة النفط.

الأزمة الأطول والأكثر تأثيراً

ورغم ضخامة الصدمة الحالية، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 ما زالت تُصنف باعتبارها الأزمة الأكثر تأثيراً على الإطلاق من حيث حجم الخسائر التراكمية. وتشير بيانات منظمة أوبك إلى أن عامي 1979 و1980 وحدهما شهدا خسائر تراكمية تجاوزت 2.7 مليار برميل.

وتوضح بيانات وزارة الطاقة الأمريكية، أن إنتاج إيران من النفط الخام انخفض بمتوسط 3.9 مليون برميل يومياً خلال الفترة بين عامي 1978 و1981، ما أدى إلى خسارة تراكمية بلغت 4.3 مليار برميل خلال ثلاث سنوات، رغم تعويض بعض المنتجين في الخليج جزء من هذا النقص.

خسائر الأسواق

وفي المقابل، أظهرت حسابات فنية أجرتها وكالة رويترز أن الأزمة الحالية، وحتى توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني المؤقت في 17 يونيو الماضي، أدت إلى خروج نحو 1.5 مليار برميل من الأسواق نتيجة تجميد الصادرات لعدة أسابيع.

ورغم أن هذه الكمية تفوق بكثير الخسائر الناتجة عن الحظر النفطي العربي عام 1973، والتي تراوحت بين 530 و650 مليون برميل، وكذلك خسائر حرب الخليج عام 1991 التي بلغت نحو 516 مليون برميل، فإنها لا تزال أقل من الخسائر التراكمية التي خلفتها الثورة الإيرانية.

الغاز الطبيعي

ويوجد اختلاف جوهري بين الأزمة الحالية والأزمات السابقة، يتمثل في دخول الغاز الطبيعي المسال ضمن دائرة التأثر المباشر، فقد أدى الصراع إلى توقف أو تجميد ما يقارب خُمس إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالمياً، بما يعادل 24 مليون طن متري، أو 5.6% من إجمالي تجارة الغاز المسال العالمية المتوقعة خلال عام 2025.

ولم يكن هذا العامل موجوداً خلال أزمات السبعينيات، إذ كانت تجارة الغاز الطبيعي المسال لا تزال محدودة للغاية، ولم تبدأ قطر، أكبر مصدر للغاز المسال حالياً، تصدير شحناتها الأولى إلا عام 1996.

دور الاحتياطيات الاستراتيجية

ولعبت الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية دوراً محورياً في الحد من آثار الأزمة الحالية، إذ صخت وكالة الطاقة الدولية، التي أُنشئت عقب أزمات السبعينيات لتنسيق استخدام المخزونات الطارئة، نحو 400 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية، وهو أكبر تدخل من نوعه في تاريخها، لتهدئة الأسواق وتقليص فجوة الإمدادات.

ورغم التوصل إلى هدنة واتفاق مؤقت بين أمريكا وإيران، توقع خبراء أسواق السلع والطاقة استمرار الآثار التشغيلية والاختلالات في توزيع إمدادات النفط لعدة أشهر، بينما قد تمتد تداعيات الأزمة على سوق الغاز المسال لسنوات، مع استمرار التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية وإعادة بناء المخزونات.

رؤية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *