
بعد انقطاع دام سبع سنوات منذ آخر مؤتمر تم عقده بوساطة منظمة “مسلمو فرنسا” في العام 2019م، يعود المؤتمر مجددًا هذا العام في مدينة “لو بورجيه” الفرنسية، وذلك في الفترة من 3 ـ 6 نيسان/أبريل الجاري، لكن قبل أيام قليلة من انعقاد المؤتمر أصدرت الشرطة الفرنسية قرارًا بحظره؛ الأمر الذي يطرح السؤال حول أسباب هذا الحظر، وهل يتعلق بسياسة الحكومة الفرنسية تجاه جماعة الإخوان في فرنسا وبالإجراءات التي تستهدف من خلالها الحد من ذلك التغلغل الذي تقوم به الجماعة في المجتمع الفرنسي، أم أنّ الحظر يعود إلى سبب آخر؟
تُعدّ فرنسا من الدول الأوروبية التي تشهد حضورًا كبيرًا لجماعة الإخوان، وقد بدأ هذا الحضور بشكل أكثر تنظيمًا منذ ثمانينيات القرن العشرين، حين تأسس ما عُرف بـ “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” في العام 1983م، وقد استطاعت جماعة الإخوان من خلال هذ الاتحاد أن تتغلغل بشكل كبير في المجتمع الفرنسي وتسيطر على المسلمين المقيمين هناك بشكل كبير، حيث يتبع هذا الاتحاد 250 جمعية دينية إسلامية تعمل في مجالات مختلفة خيرية وتعليمية وثقافية وبحثية وإغاثية، ويشرف الاتحاد على مجموعة كبيرة من المساجد التي تمارس الجماعة من خلالها الدعوة وتقوم كذلك من خلالها باستقطاب الأفراد وضمهم إليها.
وفي العام 2017م تم تغيير اسم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، ليصبح اسمه “مسلمو فرنسا”، وقد اعتاد الاتحاد منذ تأسيسه على إقامة مؤتمر سنوي يحضر فيه عشرات الآلاف من المسلمين المقيمين في فرنسا، ويهدف المؤتمر إلى تقوية الرابطة بين المسلمين هناك، وأن يكون مصدرًا للتأثير الفكري من خلال العديد من الأنشطة التي تقام فيه من ندوات ومسابقات وكتب ومحاضرات يحاضر فيها عدد من الرموز الفكرية والدينية من تيارات مختلفة أبرزها الإخوان، سواء من داخل فرنسا أو من خارجها، مثل يوسف القرضاوي، وطارق رمضان، وعمر عبد الكافي، وعصام البشير، وتوكل كرمان، وصفوت حجازي، وغيرهم.
على الرغم من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الفرنسية تجاه جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا بهدف الحد من انتشارها وتأثيرها من خلال ما وصفه تقرير وزير العدل خلال العام الماضي بـ “التغلغل الخفي” الذي تمارسه الجماعة في المجتمع، وترى الحكومة أنّه يهدد الديمقراطية وقيم الجمهورية بسبب النزعة الانفصالية التي تتمتع بها الجماعة ورغبتها فيما وصفه التقرير بـ “تطبيق الشريعة الإسلامية
إلا أنّ السبب المعلن الذي استند إليه قرار الشرطة في باريس بإلغاء المؤتمر بتاريخ 2 نيسان/أبريل يعود إلى ما تم إعلانه، حسب تقرير نشرته جريدة Le monde الفرنسية، إلى السياق الذي يجري فيه المؤتمر، سواء فيما يتعلق بالسياق الدولي المتوتر حيث الحرب الأمريكية الإيرانية وما قد يترتب عليها من تداعيات تتعلق بممارسات إرهابية داخل فرنسا، أو السياق الوطني المتوتر كذلك بسبب موقف اليمين المتطرف في فرنسا من المسلمين وجماعة الإخوان، حيث يعود سبب قرار المنع وحسب ما جاء في نص القرار إلى أنّ “المؤتمر كان مُعرّضًا لخطر إرهابي كبير يستهدف المجتمع المسلم”.
لكنّ القائمين على المؤتمر قاموا بالطعن على قرار المنع، وبالفعل أصدرت المحكمة الإدارية في باريس Tribunal administratif de Paris قراراً قبل الموعد المقرر لبداية المؤتمر بساعتين بتعليق قرار الشرطة، وقد استندت المحكمة في قرارها، وحسب ما تم نشره على الموقع الرسمي للمحكمة، إلى أنّ “الإخلال بالنظام العام الذي استندت إليه الشرطة لمنع التجمع المقرر عقده من الجمعة إلى الإثنين في حديقة معارض بورجيه لم تثبته الأدلة المقدمة إلى الملف”، وبناءً عليه فقد أقامت منظمة “مسلمو فرنسا” المؤتمر في موعده اليوم.
يعكس هذا الشد والجذب البيئة المتوترة التي تعيش فيها جماعة الإخوان في فرنسا، كما هو حالها في العديد من المجتمعات الأخرى العربية والغربية، التي تعود إلى إدراك الدول لطبيعة الجماعة وكونها مصدر تهديد لاستقرارها وأمنها، كما يعكس في الوقت ذاته قدرة الجماعة، على الرغم من كل ذلك، على الاستمرار عبر آلية التغلغل الناعم الذي تجيد ممارسته، حيث تستطيع أن تمارس حضورها وتأثيرها عبر العديد من الأشكال والآليات، وتستطيع أن تتكيف مع الظروف بما يضمن لها الاستمرار في هذا الحضور والتأثير، وإن بدرجات متفاوتة حسب طبيعة السياق الذي تعيش فيه، وهو ما يلفت الانتباه إلى إحدى نقاط قوة الجماعة التي تساعدها على الاستمرار حتى اليوم.
حفريات – عماد عبد الحافظ
