كيف فككت الدولة المصرية صندوق “حسم” الأسود؟

ظنت قيادات الصفين الثاني والثالث في جماعة الإخوان المسلمين، وتحديداً الذين انخرطوا في “اللجان النوعية” وحركة “حسم” الإرهابية، على مدار السنوات الماضية، أنّ العواصم الإقليمية والدولية توفر لهم حصانة أبدية ضد المحاسبة القانونية.

إلا أنّ المشهد الأمني المصري شهد مؤخراً تحولاً استراتيجياً جذرياً؛ إذ انتقلت الأجهزة الأمنية من مرحلة “تأمين الداخل” وتفكيك الخلايا النائمة، إلى مرحلة “الصيد في الخارج” وملاحقة العقول المدبرة التي تدير العمليات الإرهابية عبر الحدود. 

في هذا السياق، تمثل العمليات الأخيرة التي أسفرت عن استعادة قيادات بارزة من حركة “حسم” وتجفيف منابع تمويلهم وتسليحهم ضربة قاصمة، ليس فقط للتنظيم المسلح، بل لمنظومة “الإرهاب عن بُعد” التي اعتمدت عليها الجماعة منذ عام 2013.

لا يمكن قراءة العمليات الأمنية الأخيرة دون فهم طبيعة”حركة “حسم” التي كانت منذ ظهورها الأول عام 2014 محاولة إخوانية لإعادة إحياء “النظام الخاص” برؤية عصرية تتناسب مع فوضى ما بعد الربيع العربي.  

وتشير التحقيقات والتقارير الاستخباراتية إلى أنّ “حسم” لم تكن فصيلاً منشقاً، بل كانت نتاج قرار استراتيجي من “لجنة الإدارة العليا” داخل الإخوان لتبنّي “العنف الوظيفي” كأداة للضغط السياسي.

وقد اعتمدت الحركة على هيكل عنقودي معقد، تدار رؤوسه من الخارج، وتحديداً من عواصم وفرت لهم ملاذات آمنة تحت غطاء سياسي أو إنساني. هذه القيادات كانت تضطلع بمهام التخطيط، والتمويل، وتجنيد الشباب عبر الفضاء الإلكتروني، وهو ما جعل ملاحقتهم في الخارج ضرورة قصوى للأمن القومي المصري لقطع “رأس الأفعى” عن جسدها في الداخل.

النجاح المصري الأخير في ملاحقة قيادات “حسم” لم يكن أمنياً فحسب، بل كان ثمرة “دبلوماسية أمنية” هادئة ونشطة. لقد استطاعت القاهرة استثمار التغيرات الجيوسياسية في المنطقة لإغلاق الملاذات التي كانت مفتوحة للإرهابيين.

ـ المسار السوداني: بعد سقوط نظام البشير نجحت التنسيقات الأمنية بين القاهرة والخرطوم في تسليم عشرات العناصر الإرهابية، وهو ما كان بمثابة انهيار لأكبر قاعدة خلفية لحركة “حسم.”

ـ المسار التركي: مع تحسن العلاقات المصرية التركية، وجد قادة “حسم” واللجان النوعية أنفسهم في وضع حرج؛ حيث بدأت أنقرة في تضييق الخناق على المنصات الإعلامية والقيادات الميدانية، ممّا أدى إلى فرار بعضهم نحو دول أخرى أو وقوعهم في قبضة التعاون الأمني المشترك.

ـ التعاون عبر الإنتربول: فعّلت مصر طلبات الملاحقة الدولية بشكل احترافي، مدعومة بملفات قضائية توثق تورط هذه الأسماء في جرائم قتل وتفجير، ممّا حدّ من حركة هؤلاء القادة وجعلهم مطاردين في معظم دول العالم.

القيمة الحقيقية للقبض على قيادات “حسم” في الخارج لا تكمن فقط في تغييبهم خلف القضبان، بل في “الكنز المعلوماتي” الذي يحملونه. في هذا الصدد تشير القراءات الأمنية إلى أنّ استعادة هؤلاء القادة كشفت عن:

ـ خريطة التمويل: كيف يتم تحويل الأموال عبر شركات “أوفشور” وجمعيات خيرية وهمية في أوروبا وتركيا لتصل إلى المنفذين في الداخل المصري.

ـ طرق التجنيد الرقمي: كشفت التحقيقات عن آليات استخدام تطبيقات مشفرة لتدريب العناصر على صناعة المتفجرات وتحديد الأهداف دون الحاجة للقاءات مباشرة.

ـ الارتباطات الإقليمية: فضحت هذه القيادات طبيعة التنسيق بين “حسم” وتنظيمات إرهابية أخرى في المنطقة، ممّا أثبت أنّ الإرهاب كتلة واحدة مهما تعددت المسمّيات.

إنّ تفكيك هذه الشيفرات المعلوماتية أدى إلى تنفيذ ضربات استباقية في الداخل المصري، أجهضت عشرات العمليات قبل وقوعها، وأدت إلى جفاف التمويل الذي كان يغذي “الذئاب المنفردة” التابعة للتنظيم.

لسنوات، راهنت جماعة الإخوان على فكرة “الفوضى المدارة”، حيث تمارس العنف عبر أجنحة مثل “حسم” و”لواء الثورة” بينما تحافظ القيادات السياسية في لندن على خطاب “المظلومية”، إلا أنّ ملاحقة رؤوس “حسم” في الخارج أسقطت هذا القناع.

 أثبتت العمليات الأمنية أنّ “المسافة الجغرافية” لم تعد توفر الأمان. هذا التحول أحدث حالة من الرعب والارتباك في صفوف التنظيم الدولي للإخوان؛ فالاتهامات المتبادلة بين “جبهة لندن” و”جبهة إسطنبول” بدأت تتصاعد حول من المسؤول عن “كشف” هؤلاء الشباب وتركهم لمصيرهم. إنّ القبض على هذه القيادات يعني عملياً نهاية “المركزية القيادية” لحركة حسم، وتحول من تبقى منها إلى شتات لا يملك رؤية أو قدرة على التنفيذ.

نجاح الأجهزة الأمنية المصرية في “جلب” هؤلاء القيادات يبعث برسالة قوية لمستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة ككل. الرسالة مفادها أنّ “عصر الملاذات الآمنة” قد انتهى، وأنّ الشرعية الدولية باتت تميل نحو دعم “الدولة الوطنية” في مواجهة “التنظيمات العابرة للحدود”.

سقوط قادة “حسم” يعني أيضاً فشل نموذج “الميليشيا المختبئة في رداء الجماعة”. ففي السابق كان الإخوان يجادلون بأنّ هذه الحركات هي “رد فعل” عفوي من الشباب، لكنّ القبض على القادة المدبرين في الخارج واعترافاتهم الموثقة أثبتت بالدليل القاطع وجود “غرفة عمليات مركزية” مرتبطة مباشرة بمكتب الإرشاد وبتمويل دولي، ممّا يزيد من الضغوط القانونية على الجماعة لتصنيفها “منظمة إرهابية” في المزيد من العواصم الغربية.

تمثل العمليات الأمنية المصرية الأخيرة والقبض على قيادات “حسم” من الخارج فصلاً جديداً في مسار مكافحة الإرهاب؛  يعتمد على “طول النفس”، والاحترافية الاستخباراتية، والقدرة على إدارة ملفات التعاون الدولي بذكاء.

لقد انتقلت الدولة المصرية من مرحلة “تطهير سيناء” و”تأمين الحدود” إلى مرحلة “تطهير المنابع البعيدة”. ولم تكن هذه النجاحات لتتحقق لولا الاستقرار الداخلي الذي سمح للأجهزة الأمنية بالتفرغ لملاحقة “الرؤوس الكبيرة”. 

وتبقى الرسالة التي وصلت إلى كل من يفكر في تهديد أمن المصريين من وراء الشاشات في عواصم الضباب أو غيرها، هي أنّ “يد العدالة المصرية” باتت أطول ممّا يتخيلون، وأنّ الحساب قادم لا محالة، مهما طال الزمن أو تباعدت المسافات.

حفريات

رشا عمار

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *