
عندما ضرب دونالد ترمب إيران، وجدت الحكومة البريطانية نفسها في حيرة شديدة. فقد تصدر سؤال شرعية التحرك الأميركي النقاش السياسي. أما عملياً، فلم تكن القدرات العسكرية اللازمة للدفاع عن مصالحنا وحلفائنا متاحة، لأن معظمها كان يخضع لأعمال الصيانة.
فبريطانيا دولة ذات اقتصاد منفتح ولها مصالح عالمية. تمر تجارتنا عبر نقاط اختناق بحرية مثل مضيق ملقا وقناة السويس. وتنقل الكابلات البحرية العابرة للأطلسي 95 في المئة من بياناتنا. كذلك نستورد نصف حاجاتنا من الطاقة، بما في ذلك عبر مضيق هرمز. ولم تكن عبارة “بريطانيا العالمية”، كما شرحت ذات مرة لترمب المتشكك، شعاراً قيمياً، بل وصفاً لواقع استراتيجي: فالأمن الاقتصادي لبريطانيا يقوم على تلك الطرق التجارية، وعلى إمدادات الطاقة، وعلى شبكة التحالفات الممتدة عبر كل المحيطات والقارات.
وقد استبدلت هذه الحكومة شعار “بريطانيا العالمية” بشعار “الناتو أولاً”. وكان هذا التوجه مفهوماً، إذ فرضته حرب أوكرانيا. كما أن أي إدارة أميركية ستعطي الآن الأولوية للأمن الداخلي، ولنصف الكرة الغربي، ولمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وللشرق الأوسط، قبل المنطقة الأوروبية الأطلسية.
لكن، على رغم أن شعار “الناتو أولاً” هو الخيار الصحيح، فإنه لا يمثل سوى جزء من الإجابة بالنسبة إلى دولة تمتلك مصالح أوسع مثل بريطانيا. فالقدرة على نشر قوات خارج البلاد للدفاع عن تلك المصالح – إلى جانب الحلفاء – ليست خياراً يمكن الاستغناء عنه. وكذلك الأمر بالنسبة إلى القوة الناعمة التي تعزز هذه القدرة.
يريد حلف “الناتو” من المملكة المتحدة أن تقود جناحه الشمالي، وأن تسهم أيضاً بفرق مدرعة على الجبهة الوسطى. ويعد هدف كير ستارمر بإنفاق 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة على الدفاع بحلول عام 2035 أكثر تعهد جاد بزيادة الإنفاق الدفاعي تقدمه حكومة بريطانية منذ جيل. لكن حتى مع ذلك، لن يكون بمقدورنا تلبية هذين المطلبين معاً، في الأقل ليس بصورة فعالة.
ومع ذلك، فالقضية في جوهرها ليست قضية موارد، بل قضية استراتيجية. فبولندا وحدها ستنشر أكثر من 1100 دبابة على الجبهة الوسطى بحلول عام 2030، ولن تستطيع بريطانيا أن تضيف شيئاً ذا وزن في هذا المجال. لذلك ينبغي أن نركز بدلاً من ذلك على المجالات التي لا يمكن الاستغناء عنا فيها.
ويكمن ذلك في شمال الأطلسي: أقصى الشمال، وممرات الملاحة في الأطلسي، وشبكات البنية التحتية تحت البحر، حيث تبدو روسيا في آن واحد قوة عدوانية ونقطة ضعف. ووقفها هناك يعني عملياً الدفاع المتقدم عن الجزر البريطانية. وفي هذا المجال يمكن أن تكون قدراتنا في حرب الغواصات وحرب حاملات الطائرات، وقوات الكوماندوز والقوات الخاصة، والاستخبارات، والفضاء، والفضاء السيبراني، حاسمة.
في وقت سابق من هذا العام، كنت في القطب الشمالي مع قوات الكوماندوز البريطانية والقوات الخاصة النرويجية، حيث تدربنا وعملنا معاً في جهد مشترك حقيقي. وتتيح قوة الاستطلاع المشتركة (JEF) – وهي تكتل تقوده بريطانيا ويضم 10 دول من دول الشمال والبلطيق – تحقيق ذلك على نطاق واسع.
ويمكن أيضاً نشر هذه القوات، المصممة أساساً للجناح الشمالي لحلف “الناتو”، للدفاع عن حلفائنا ومصالحنا في أماكن أخرى. فمجموعة حاملة طائرات حليفة في أقصى الشمال يمكن أن تصل إلى الخليج خلال أيام. ويمكن لقوات الكوماندوز التابعة لقوة الاستطلاع المشتركة مواجهة الروس في الدول الإسكندنافية أو الإرهابيين في الشرق الأوسط. كما يمكن لقوة برية سريعة الانتشار أن تعمل على الجبهة الوسطى لحلف “الناتو” كقوة متقدمة لوقف أي تقدم روسي إلى أن تعبئ بولندا وألمانيا ثقلهما المدرع.
فعلى مدى عقود، جرى استخدام القوات المسلحة كخدمة طوارئ إضافية: لتقديم اللقاحات خلال جائحة كوفيد، وملء أكياس الرمل أثناء الفيضانات، وقيادة سيارات الإطفاء خلال الإضرابات. وهي مهام جديرة بالإعجاب، لكنها لا تجعل الجيش جاهزاً للحرب.
وقد جرى التعامل مع الضغوط المالية عبر تقليص الصيانة والذخائر والتدريب، ولهذا السبب تطلب الأمر جهوداً بطولية من البحرية الملكية لنشر حتى مدمرة واحدة صالحة للخدمة إلى الشرق الأوسط هذا الأسبوع. ويجب أن يذهب جزء كبير من الزيادة في الإنفاق أولاً إلى سد هذه الثغرات، بينما تعمل الخدمات العسكرية الثلاث على التحول لتقديم القوة المتكاملة التي تتصورها مراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025.
أما الجزء الأكبر المتبقي فينبغي توجيهه إلى القدرات الوطنية الجديدة اللازمة لسد الفجوة الخطرة بين الردع التقليدي والعتبة النووية الاستراتيجية: الدفاع الصاروخي، والصواريخ فرط الصوتية، والأسلحة النووية التكتيكية، والأنظمة الذاتية، والفضاء، والفضاء السيبراني، جميعها مدمجة عبر مختلف مجالات الحرب الحديثة.
وتبقى الأولوية القصوى هي الاستبدال الذي طال انتظاره لمنظومة الردع النووي “ترايدنت” عبر غواصات “دريدنوت”، وهي غواصات الصواريخ الباليستية العاملة بالطاقة النووية من الجيل الجديد التي يجري بناؤها لتحل محل غواصات فئة “فانغارد” التابعة حالياً للبحرية الملكية.
وكما يذكرنا المستشار السابق للسياسة الخارجية في رئاسة الوزراء البريطانية، المؤرخ والبروفيسور جون بيو، ففي ثلاثينيات القرن الماضي “عندما واجهت بريطانيا خصوماً أقوياء يمتلكون اقتصادات موجهة معبأة للحرب وآلات عسكرية متقدمة تقنياً… لم تكن مجهزة لخوض الحرب التي وجدت نفسها فيها، على رغم عقد كامل من التحذيرات”.
وقد كان النمط المتكرر في مراجعات الدفاع البريطانية منذ نهاية الحرب الباردة يتمثل في تحديد أرقام عامة للقوات المسلحة، وإبراز أنظمة أيقونية مثل حاملات الطائرات أو مقاتلات الجيل الجديد، ثم عدم توفير التمويل الكافي لها.
إن مراجعة الدفاع الاستراتيجية، إذا دعمت بتمويل جاد، يمكنها كسر هذا النمط، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا اتخذت الحكومة خيارات حاسمة. فوجود قوة عسكرية متكاملة حقاً – تجمع بين الردع النووي، والقدرات في الشمال، والقدرة على الانتشار الخارجي، والمدعومة بالقدرات السيبرانية، والمصممة للعمل مع الحلفاء لتعظيم تأثيرنا – سيتيح الوفاء بالتزاماتنا تجاه الدفاع الجماعي لحلف “الناتو”، وحماية الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي وشبكة التحالفات التي تعتمد عليها بريطانيا.
إن شعار “الناتو أولاً” هو الطريقة التي ندافع بها عن أراضينا الوطنية وعن حلفائنا في القارة. أما “بريطانيا العالمية”، فهو النهج الذي ندافع من خلاله عن مصالحنا الوطنية وعن حلفائنا حول العالم. وعلى الحكومة أن تستخلص الدروس من أوكرانيا وإيران، وأن تحسم خياراتها الاستراتيجية، وأن تحول التعهدات السياسية بزيادة الإنفاق الدفاعي خلال العقد المقبل إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ.
اللورد سيدويل أمين مجلس الوزراء البريطاني السابق
© The Independent
