
في تقاطع نادر بين جغرافيا أمريكا اللاتينية وتعقيدات الشرق الأوسط، عادت فنزويلا إلى واجهة الجدل الدولي بوصفها ساحة لنفوذ إيراني عابر للقارات، مع توجيه واشنطن اتهامات مباشرة بوجود صلات بين كاراكاس وحزب الله اللبناني. فاعتقال نيكولاس مادورو لم يكن مجرد تحول داخلي في بلد نفطي مأزوم، بل فتح ملفًا أوسع حول شبكات النفوذ والتحالفات غير التقليدية التي نسجتها إيران وحلفاؤها داخل «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بحجم هذا الحضور أو طبيعته، بل بمدى جدواه الفعلية لحزب الله في لحظة إقليمية دقيقة يواجه فيها ضغوطًا غير مسبوقة داخل لبنان وخارجه. بعد أن ألقت القوات الأمريكية القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، صوّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الدولة الواقعة في أمريكا اللاتينية على أنها منصة إقليمية للنفوذ الإيراني، واتهم حكومتها بإيواء حزب الله، الجماعة اللبنانية المسلحة المدعومة من إيران.
وقال روبيو في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» إن من بين أسباب اعتقال مادورو في 2 يناير/كانون الثاني، رغبة الولايات المتحدة في ضمان ألا «تواصل القيادات الفنزويلية التقرب من حزب الله وإيران داخل نطاقنا الجغرافي». كما دعا الزعيمة الجديدة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، إلى قطع العلاقات مع كل من إيران وذراعها الإقليمي، حزب الله.
لكن حتى لو حدث ذلك، فقد لا يكون له تأثير كبير على حزب الله، الذي يعاني أصلًا من حالة إنهاك. فالجماعة التي كانت لعقود القوة السياسية والعسكرية الأبرز في لبنان، تلقت ضربات قاسية خلال حربها مع إسرائيل، وتواجه ضغوطًا متصاعدة من الولايات المتحدة وإسرائيل والحكومة اللبنانية للتخلي عن سلاحها. ولطالما اتهمت السلطات الأمريكية حزب الله بالتورط في شبكات لتهريب المخدرات وغسل الأموال داخل فنزويلا.
يرجع ارتباط حزب الله بفنزويلا إلى العلاقة الوثيقة بين كاراكاس وطهران. فالبلدان الغنيان بالنفط، والخاضعان لعقوبات أمريكية، «جمعتهما أيديولوجيا معادية للولايات المتحدة»، وتعاونا لسنوات على الالتفاف على العقوبات الأمريكية، بحسب «نيويورك تايمز». وحافظت إيران وفنزويلا على علاقات اقتصادية وسياسية منذ ما قبل الثورة الإيرانية عام 1979. وكان البلدان من الأعضاء المؤسسين لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».
وبعد الثورة، كانت فنزويلا من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الإيراني الجديد. وتعززت العلاقة أكثر بعد وصول سلف مادورو، هوغو تشافيز، إلى الحكم عام 1999. وخلال العقود التالية، «استثمرت إيران مليارات الدولارات في قطاعي النفط والطاقة في فنزويلا، إلى جانب مشاريع إسكان وصناعة أخرى غالبًا ما حققت عوائد مالية محدودة أو معدومة، لكنها منحت طهران موطئ قدم في «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة»، بحسب الصحيفة الأمريكية، التي أشارت إلى أن «هذا الواقع فتح الباب أمام حزب الله للتغلغل في فنزويلا».
تتهم السلطات الأمريكية منذ سنوات حزب الله باستخدام فنزويلا قاعدةً لتهريب المخدرات وغسل الأموال، بالتواطؤ مع مسؤولين فنزويليين. غير أن خبراء يرون أن هذه الأنشطة غير المشروعة لا تبدو حاسمة في تشغيل منظومة حزب الله.
وتستند معظم الأدلة حول هذه الإيرادات غير القانونية إلى مبادرة أطلقتها إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية عام 2008 لتعطيل شبكات تمويل حزب الله. وكشفت التحقيقات أن الحزب تورط في تهريب الكوكايين من كولومبيا عبر فنزويلا، بالتعاون مع مسؤولين فنزويليين، لنقل الأموال النقدية والسلع المهربة وحتى عناصر من حزب الله.
ومن أبرز القضايا الجنائية التي نتجت عن تلك التحقيقات قضية أيمن سعيد جمعة، الذي يحمل الجنسيتين اللبنانية والكولومبية، إذ وجهت إليه هيئة محلفين فدرالية اتهامات بإدارة واحدة من أكثر شبكات تهريب المخدرات وغسل الأموال تعقيدًا في المنطقة. ولم يُعتقل جمعة قط، ولم يعلّق علنًا على هذه الاتهامات.
وبحسب السلطات الأمريكية، حقق حزب الله ملايين الدولارات عبر شبكة جمعة، التي دفعت لعناصر من الحزب مقابل المساعدة في تمرير المخدرات والأموال غير المشروعة عبر مطار بيروت الدولي، إضافة إلى مسارات أخرى.
كما اتهمت السلطات الأمريكية، مسؤولين فنزويليين بتسهيل عمليات حزب الله داخل البلاد، واتهمت شركة الطيران الوطنية الفنزويلية بتسيير رحلات بين كراكاس ودمشق وطهران، نُقل عبرها عناصر من حزب الله وأسلحة.
وقالت إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية إنها عثرت أيضًا على أدلة تفيد بأن سياسيين فنزويليين أصدروا جوازات سفر لمقاتلين من حزب الله، ونسقوا عمليات تهريب الكوكايين والأسلحة بين حكومة مادورو والحزب.
وقال حسن فضل الله، عضو البرلمان اللبناني عن حزب الله، هذا الشهر: «نحن في حزب الله لا وجود لنا في فنزويلا، لا تنظيميًا ولا ماليًا ولا أمنيًا ولا عسكريًا ولا بأي شكل من الأشكال». يشكك خبراء في شؤون حزب الله في أن يؤدي اعتقال مادورو إلى تأثير كبير على عمليات الحزب. ويقول محللون إن العلاقة بين حزب الله وحكومة مادورو، رغم أنها قامت على مشاعر معادية للولايات المتحدة، كانت محدودة القيمة العملية بالنسبة للحزب.
وقال قاسم قصير، المحلل السياسي اللبناني والخبير في شؤون حزب الله والمقرّب من الحزب: «العلاقة بين فنزويلا وحزب الله رمزية بالدرجة الأولى. عمليًا، لم يتغير شيء بالنسبة لحزب الله بعد سقوط مادورو». ويتساءل كثيرون أيضًا عن مدى أهمية مصادر التمويل غير المشروعة التي تتحدث عنها السلطات الأمريكية لعمليات الحزب في لبنان اليوم.
وقال مهند حاج علي، الباحث البارز في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت: «عند تفحص مختلف حلقات هذه الروابط، نجد أدلة محدودة للغاية على تورط واسع النطاق لحزب الله» في أنشطة غير مشروعة داخل فنزويلا. وأضاف: «لم نرَ ما يكفي من الأدلة التي تشير إلى أن التنظيم يعتمد بشكل كبير على تجارة المخدرات في تمويل عملياته».
وأشار حاج علي إلى أن «منظمة الأمن الخارجي» التابعة لحزب الله، وهي الجناح المعني بالعمليات خارج لبنان، كانت الأكثر انخراطًا في فنزويلا، إلا أن هذا الجناح بات أصغر حجمًا وأقل نشاطًا مما كان عليه في ذروته مطلع الألفية، ما يخفف من أثر الاضطرابات الحالية في فنزويلا على الحزب.
وبالتالي، فإن القلق الأكثر إلحاحًا بالنسبة لحزب الله لا يتمثل في تطورات فنزويلا، بل في تداعيات إضعاف الدولة الإيرانية، وحالة الاضطراب الراهنة داخل إيران، على قدرتها على تمويل حليفها اللبناني.
