
في السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية بشأن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، إلى أن اتخذت واشنطن خطوة عملية تمثلت في تصنيف عدد من فروع الجماعة كمنظمات إرهابية. القرار الأمريكي استند إلى تقييمات أمنية تعتبر أن بعض فروع الإخوان، خصوصًا في الشرق الأوسط، لعبت أدوارًا مباشرة أو غير مباشرة في دعم جماعات مصنفة إرهابية، وعلى رأسها حركة حماس الإدارة الأمريكية رأت أن هذه الفروع لم تكتفِ بالعمل السياسي أو الدعوي، بل انخرطت في شبكات تمويل ودعم لوجستي، أو وفّرت غطاءً أيديولوجيًا يبرر العنف، وهو ما يتعارض مع القوانين الأمريكية الخاصة بمكافحة الإرهاب.
بموجب هذا التصنيف، فُرضت عقوبات مالية صارمة، وتم تجريم أي تعامل مادي أو تنظيمي مع هذه الكيانات داخل الولايات المتحدة، في إطار سياسة أوسع تهدف إلى تجفيف مصادر تمويل التنظيمات المسلحة. في المقابل، واجه القرار انتقادات من دوائر أكاديمية وحقوقية رأت أن الإخوان المسلمين لا يشكلون تنظيمًا مركزيًا موحدًا، وأن تعميم التصنيف على فروع مختلفة السياقات قد يخلط بين الإسلام السياسي والعمل الإرهابي، حتى لو كان مثيرًا للجدل سياسيًا وأيديولوجيًا، وفق ما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
على النقيض من الموقف الأمريكي، تبنّت بريطانيا مقاربة أكثر تحفظًا في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، فرغم الضغوط السياسية والإعلامية، لم تُقدم الحكومة البريطانية حتى الآن على تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، مكتفية بإبقائها تحت المراقبة القانونية والأمنية المستمرة.
هذا الموقف يستند بالأساس إلى مراجعة حكومية رسمية سابقة خلصت إلى أن جماعة الإخوان، رغم ما يثيره فكرها وسلوكها السياسي من قلق، لا تستوفي المعايير القانونية المطلوبة لتصنيفها كجماعة إرهابية داخل المملكة المتحدة.
المراجعة أشارت إلى غياب أدلة قانونية دامغة على تورط الجماعة في ممارسة العنف أو التخطيط له داخل الأراضي البريطانية، وفق مركز أبحاث UK Research and Innovation
من جهته، أوضح غانم نسيبة، مؤسس مركز كورنرستون للاستشارات الاستراتيجية، أن امتناع بريطانيا عن حظر جماعة الإخوان المسلمين يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية متداخلة، تتطلب التعامل معها كلٌّ على حدة.
وقال نسيبة، في تصريحات إعلامية، إن السبب الأول، يتمثل في نظرة بعض دوائر الحكم في بريطانيا إلى الإخوان باعتبارهم فاعلين “مزعجين” لكنهم يمتلكون معرفة عميقة بالشرق الأوسط، وهو ما جعلهم، تاريخيًا، محل اهتمام غربي في مراحل سابقة. وأضاف أن التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى جانب التغير الديموجرافي داخل المجتمع البريطاني نفسه، أسهمت في استمرار هذه النظرة رغم تغير الواقع السياسي والاجتماعي بشكل جذري.
وأضاف أن السبب الثاني يتعلق بطبيعة البيروقراطية الحكومية في بريطانيا، إضافة إلى ما وصفه نسيبة بقدرة الإخوان العالية على “تسييس الإسلاموفوبيا”. وأوضح أن أي انتقاد يوجَّه للجماعة يُقابَل باتهامات مباشرة بمعاداة الإسلام، ما يدفع كثيرًا من السياسيين إلى تجنب هذا الملف خوفًا من اتهامهم بالعنصرية. وشدد نسيبة على أن هذا الخلط غير دقيق، لافتًا إلى أن دولًا إسلامية عديدة حظرت جماعة الإخوان، وهو ما ينفي بالضرورة ربط الأمر بالإسلاموفوبيا، داعيًا إلى نقاش أكثر وعيًا ووضوحًا في هذا الشأن.
وأشار نسيبة إلى أن السبب الثالث، والأكثر تعقيدًا، فيكمن في النفوذ السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به الجماعة داخل بريطانيا، حيث تخشى بعض القوى السياسية، خاصة على المستوى المحلي، من خسارة أصوات انتخابية في حال اتخاذ موقف حازم ضدها. وخلص نسيبة إلى أن جماعة الإخوان تُظهر قدرة كبيرة على التكيف مع القوانين الجديدة وملاحقة الحملات السياسية، ما يزيد من صعوبة التعامل معها دون استراتيجية واضحة وشاملة.
في كتابه “التنظيم العالمي للإخوان المسلمين في بريطانيا.. التطرف الإسلامي غير العنيف ومعركة الأفكار”، يبرز دامون إل. بيري، وهو باحث متخصص في السياسات والأمن، العلاقة التاريخية المشبوهة بين التنظيم وبريطانيا، وبحسب الكاتب، تعود جذور العلاقة المعقدة بين بريطانيا وجماعة الإخوان المسلمين إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، في سياق إعادة تشكيل النفوذ الغربي في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.
في تلك المرحلة، نظرت الدوائر البريطانية إلى الإخوان باعتبارهم قوة اجتماعية منظمة يمكن توظيفها كحائط صد في مواجهة الحركات القومية واليسارية، التي كانت تُنظر إليها باعتبارها تهديدًا مباشرًا للمصالح الاستعمارية البريطانية، خصوصًا مع صعود المد القومي العربي بزعامة جمال عبدالناصر؛ هذا التقاطع في المصالح، وإن لم يكن تحالفًا رسميًا معلنًا، أوجد مساحة تسامح وغض طرف عن نشاط الجماعة، بل وفتح لاحقًا المجال أمام قيادات وعناصر إخوانية للجوء السياسي أو الاستقرار في بريطانيا، التي تحولت تدريجيًا إلى إحدى أهم منصات التنظيم في أوروبا.
مع مرور الوقت، ترسخت بريطانيا كمركز رئيسي لنشاط الإخوان في الغرب، سواء على مستوى العمل الفكري أو التنظيمي أو المالي، مستفيدة من البيئة القانونية الليبرالية التي تضمن حرية التنظيم والعمل المدني.
هذا الاحتضان غير المباشر خلق ما يشبه العلاقة الرمادية، حيث لم تُصنَّف الجماعة كتهديد أمني مباشر، رغم إدراك أجهزة الدولة البريطانية لطبيعة خطابها الأيديولوجي العابر للحدود، وصلاتها الفكرية والتنظيمية بحركات إسلامية أكثر تشددًا، وبذلك، لم تكن العلاقة بين الطرفين قائمة على الثقة بقدر ما كانت قائمة على براجماتية سياسية تاريخية، لا تزال آثارها حاضرة في التردد البريطاني تجاه تصنيف الجماعة، حتى مع تصاعد الانتقادات التي ترى أن لندن تحوّلت إلى ملاذ آمن لشبكات الإخوان ونشاطهم العابر للدول.
القانون البريطاني يفرض معايير دقيقة ومشددة لتصنيف أي كيان على قوائم الإرهاب، حيث لا يُعتد بالخطاب الأيديولوجي أو الروابط الفكرية وحدها، بل يُشترط إثبات مباشر لنشاط إرهابي، أو تحريض صريح على العنف، أو مشاركة فعلية في أعمال تهدد الأمن القومي.
في حالة الإخوان المسلمين، ترى السلطات البريطانية أن الجماعة تنشط داخل البلاد عبر أطر مدنية وسياسية وخيرية، وأن ممارساتها، رغم كونها مثار جدل، لا ترقى قانونيًا إلى مستوى الفعل الإرهابي، وهذا الواقع يجعل أي قرار بالحظر عرضة للطعن أمام القضاء، وهو ما تتجنبه الحكومات البريطانية عادة.
تلعب الاعتبارات المرتبطة بحرية التعبير والتنظيم السياسي دورًا محوريًا في الموقف البريطاني، فبريطانيا تفصل تقليديًا بين التطرف الفكري غير العنيف، وبين الإرهاب كجريمة منظمة تستدعي الحظر والتجريم.
من هذا المنطلق، تميل لندن إلى احتواء الجماعات الإسلامية المثيرة للجدل من خلال الرقابة والتشريعات التنظيمية، بدلًا من اللجوء إلى الحظر الشامل، وهو ما يفسر التمييز بين التعامل مع الإخوان المسلمين، وبين حظر جماعات ثبت تورطها المباشر في أعمال إرهابية، مثل حركة حماس.
لا ينفصل الموقف البريطاني عن السياق الأوروبي العام، حيث لم تتجه غالبية الدول الأوروبية إلى تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية بشكل كامل، باستثناء حالات محدودة، الاتحاد الأوروبي عمومًا يتبنى مقاربة تقوم على المراقبة والتقييد القانوني بدل الحظر، خشية أن يؤدي التصنيف الواسع إلى نتائج عكسية تتعلق بالتطرف والعمل السري.
كما تأخذ بريطانيا في الاعتبار التداعيات السياسية والدبلوماسية المحتملة لأي قرار من هذا النوع، سواء على مستوى علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، أو على مستوى التوازنات الداخلية المرتبطة بالجاليات المسلمة.
إجمالًا، يعكس التباين بين الموقفين الأمريكي والبريطاني اختلافًا في المعايير القانونية والمقاربات السياسية، أكثر مما يعكس خلافًا بشأن طبيعة جماعة الإخوان نفسها؛ فالولايات المتحدة اختارت مقاربة أمنية توسعية، فصنّفت فروعًا من الجماعة بناءً على ارتباطاتها الإقليمية بالعنف.
أما بريطانيا، فتمسكت بتفسير قانوني أكثر ضيقًا لمفهوم الإرهاب، يربط الحظر بالفعل المباشر لا بالانتماء الفكري أو السياسي؛ وبين هذين النهجين، تظل جماعة الإخوان المسلمين إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في السياسات الغربية تجاه الإسلام السياسي المتطرف، مع استمرار الجدل حول جدوى المراقبة والاحتواء، في مقابل الدعوات المتصاعدة لتشديد الإجراءات.
