
ذكرت وكالة (أسوشيتد برس) الأمريكية، مساء أمس، أنّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صنفت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن ضمن القائمة السوداء للولايات المتحدة الأمريكية، أي منظمات إرهابية، ويستلزم هذا التصنيف وجود عقوبات وتضييقات مالية على هذه الجماعة وعلى أعضائها.
التصنيف الصادر عن وزارة الخزانة ووزارة الخارجية الأمريكية لم يكن متساويًا، فقد جاء تصنيف الفرع اللبناني لجماعة الإخوان المسلمين “منظمةً إرهابيةً أجنبية”، وهو أشدّ التصنيفات، ممّا يجعل تقديم الدعم المادي لها جريمةً جنائيةً. في حين جاء تصنيف فرعي مصر والأردن على أنّهما داعمان لأنشطة الإرهاب، وأدرجت وزارة الخزانة الأمريكية الفرعين الأردني والمصري ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية العالمية”.
وعن هذه التصنيفات قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: “إنّ هذه التصنيفات مثلت الخطوات الأولية لجهود مستمرة لوقف العنف والانتهاكات التي ترتكبها فروع جماعة الإخوان المسلمين أينما حدثت. وستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لمنع هذه الفروع من الحصول على الموارد التي تمكنها من ممارسة أو دعم الإرهاب، فهذه التصنيفات خطوة في طريق تجفيف منابع الإرهاب، ومنهم جماعة الإخوان”.
لم يكن الموقف الأمريكي من الإخوان موحداً تاريخياً، فمنذ خمسينيات القرن العشرين رأت مؤسسات الاستخبارات الأمريكية في الجماعة رأس حربة في مواجهة اليسار والقومية العربية، قبل أن تتبدل المقاربة في عقد التسعينيات وما بعده، حين اقتربت واشنطن من الجماعة بوصفها “إسلاماً ديمقراطياً معتدلاً”، يصلح للتوظيف السياسي في إدارة الانتقال الديمقراطي بعد موجات 2011. لكنّ صعود ترامب مثّل قطيعة مع هذه الرؤية الليبرالية، فأعاد الإسلام السياسي إلى خانة “الخطر العقائدي”، ووسّع تعريف “الإرهاب” ليشمل البنى الدعوية والسياسية وليس فقط النشاطات المسلحة.
وجاءت هذه التصنيفات تنفيذاً لأمر أصدره ترامب في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 يهدف إلى “إلغاء قدرات وعمليات فروع جماعة الإخوان المسلمين المصنفة منظمات إرهابية أجنبية، ومنع هذه الفروع من الموارد، وإنهاء أيّ تهديد قد تشكله لمواطني الولايات المتحدة أو للأمن القومي الأمريكي”.
وذكر البيت الأبيض في البيان أنّ “الرئيس ترامب يواجه الشبكة العابرة للحدود لجماعة الإخوان المسلمين، التي تغذي الإرهاب وحملات زعزعة الاستقرار المناهضة للمصالح الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”.
ووفق ما قاله البيان فإنّ جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928 تطورت إلى شبكة عابرة للحدود لها فروع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، مشيراً إلى انخراط فروعها في لبنان والأردن ومصر في أنشطة إرهابية عنيفة أو تسهيلها، ودعم حملات لزعزعة الاستقرار تضرّ بمناطقها نفسها وبالمواطنين وبالمصالح الأمريكية.
ونوّه البيان إلى أنّه بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، انضمّ الجناح العسكري لفرع الإخوان المسلمين في لبنان إلى حركة حماس وحزب الله وفصائل فلسطينية لإطلاق عدة هجمات صاروخية على أهداف مدنية وعسكرية داخل إسرائيل.
والواقع أنّ حركات الإسلام السياسي شهدت انتعاشًا سياسيًا كبيرًا بعد عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وتزعمت جماعات الإسلام السياسي الدفاع عن القضية الفلسطينية كالمعتاد، وأعلنت نفسها كمتحدث وحيد عن القضية ومدافع عنه، وروجت لعملية طوفان الأقصى كعملية عسكرية تنذر بنهاية دولة إسرائيل، بعد أن جرّت حركة حماس غزة إلى حرب أدت بها إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، وتنصل كبير من المسؤولية من حماس والجماعات الإسلامية التي تزعمت القضية وروجت لهذه الحرب.
وأشار بيان البيت الأبيض إلى دعوة قيادي بارز في فرع الإخوان المسلمين المصري إلى شنّ هجمات عنيفة ضد شركاء الولايات المتحدة ومصالحها، في حين قدّم قادة الإخوان المسلمين في الأردن منذ زمن طويل دعمًا ماديًا للجناح المسلح لحركة حماس. ويرى البيان أنّ هذه الأنشطة تشكّل تهديدًا لأمن المدنيين الأمريكيين في بلاد الشام وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط، فضلًا عن سلامة واستقرار “شركائنا الإقليميين”.
وقد أُضيفت هزيمة أخرى وفشل جديد إلى قائمة الفشل السياسي واللفظ الاجتماعي للجماعات الإسلامية، بعد هزيمة حماس في الحرب الأخيرة التي وصلت إلى إبادات شاملة، وتدمير قطاع غزة بصورة كاملة، دون أن يكون هناك أيّ تأمين للمدنيين، بل كثيرًا ما كانت تستغلهم حماس، ولم تنتبه إسرائيل إلى حياة المدنيين كذلك، وكانت تضرب بقوة ووحشية غير مسبوقة.
وقد مثل تصنيف وزارة الخزانة ووزارة الخارجية الأمريكية لفروع جماعات الإخوان في لبنان، والأردن، ومصر، ضربةً قويةً وهزيمةً جديدةً للإسلام السياسي. ويتطلب هذا التصنيف مصادرة الأموال الموجودة في الولايات المتحدة، المرتبطة بالفروع التي ستصنف إرهابية. وإضافة إلى الجانب المالي ستتمّ محاكمة أعضائها بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، وعدم قبول أعضاء الجماعة ضمن دوائر اللجوء السياسي، ومطالبتهم أمام المحاكم الدولية.
كان عام 2025 هو العام الأسود على الإخوان، فقد سعت دول الاتحاد الأوروبي إلى تشديد الرقابة المالية على أنشطة الجماعة، والمؤسسات الثقافية والدعوية الإسلامية. وقبل أشهر من خروج بيان البيت الأبيض أعلنت المملكة الأردنية في نيسان (أبريل) 2025حظر كل نشاطات جماعة الإخوان المسلمين في المملكة، وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها، بعد أن قبضت على بعض عناصر الجماعة وفي حوزتهم أسلحة، ومحاولتهم تصنيع متفجرات وصواريخ والتخطيط لزعزعة أمن الدولة.
وأوضح وزير الداخلية الأردني مازن قراية أنّ هذا القرار جاء بعد “كشف أسلحة ومتفجرات كانت تتحرك في المدن الأردنية وتخزن داخل الأحياء السكنية، وتصنيع وإخفاء صواريخ في ضواحي العاصمة، والقيام بعمليات تدريب في الداخل والخارج، وهو ما لا تقبل به أيّ دولة.”
وقال وزير الاتصال الحكومي الأردني محمد المومني: إنّ “الخلية الإخوانية التي يسميها خلية التخريب والفوضى ارتبطت بـ (4) قضايا رئيسية وفق مهام منفصلة؛ شملت تصنيع صواريخ قصيرة المدى يصل مداها بين (3-5) كم، وحيازة مواد متفجرة وأسلحة أوتوماتيكية، وإخفاء صاروخ مُجهّز للاستخدام، إضافة إلى مشروع لتصنيع طائرات مسيّرة، وتجنيد وتدريب عناصر داخل المملكة وإخضاعهم للتدريب في الخارج.”
وفي تشرين الأول (أكتوبر) أصدرت محكمة أمن الدولة الأردنية أحكامًا بالسجن لفترات تراوحت بين (3 سنوات و15 سنة)، في حق (9) أردنيين أدينوا بتهم “الإرهاب” في قضية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، واتهمتهم بتنفيذ “مخططات لاستهداف أمن المملكة تشمل تصنيع صواريخ وحيازة مواد متفجرة، إضافة إلى مشروع لصنع طائرة مسيّرة”.
حفريات: صبحي نايل
