
أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شنّ ضربات عسكرية داخل فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو عاصفة من الأسئلة القانونية والدستورية في واشنطن وخارجها، وسط غياب تفويض من الكونغرس وتناقض واضح في مبررات الإدارة الأمريكية. العملية، التي وصفها ترامب بأنها «ضربة واسعة النطاق»، لا تمثل مجرد تحرك أمني محدود، بل قد تشكل سابقة خطرة في توسيع صلاحيات الرئيس باستخدام القوة العسكرية خارج البلاد
قبل أسابيع فقط، كانت إدارة ترامب نفسها تُقرّ ضمنياً بأن أي ضربات برية داخل فنزويلا تحتاج إلى موافقة الكونغرس.
ففي 2 نوفمبر، قالت سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، إن أي عمل عسكري بري «يعني حرباً، ويحتاج إلى تفويض تشريعي».
كما أبلغ مسؤولون في الإدارة أعضاء بالكونغرس لاحقاً بأن الأساس القانوني لمثل هذه الضربات غير متوفر.
لكن بعد أقل من شهرين، نفذت الإدارة ما قالت إنها لا تملك الصلاحية القانونية للقيام به. نُفذت العملية العسكرية داخل الأراضي الفنزويلية، وأسفرت عن اعتقال رئيس دولة ذات سيادة. لم تحظَ بموافقة الكونغرس، ولم يُبلّغ بها الكونغرس مسبقاً، وهو الحد الأدنى المتعارف عليه.
ورغم أن المهمة تبدو ظاهرياً محدودة باعتقال مادورو، فإن تصريحات ترامب عن إدارة فنزويلا والسيطرة على نفطها توحي بأن الأمر يتجاوز مجرد «عملية توقيف». تبريرات متبدلة.. وإطار قانوني مرتبك لم تقدم الإدارة الأمريكية حتى الآن، بحسب شبكة CNN تبريراً قانونياً واضحاً ومتماسكاً للعملية، بل بدت الروايات متناقضة، ومنها حماية القوة المنفذة للاعتقال.
قال السيناتور الجمهوري مايك لي إن وزير الخارجية ماركو روبيو أبلغه بأن الضربة كانت ضرورية لحماية القوة التي نفذت أمر الاعتقال، ما قد يندرج تحت صلاحيات الرئيس في المادة الثانية من الدستور. قال روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس إن الأمر يتعلق بـ«تطبيق القانون»، بحجة أن مادورو متهم بقضايا مخدرات في الولايات المتحدة. لكن هذا التبرير يطرح سؤالاً بديهياً، وهو هل أصبح من حق واشنطن قصف دول أجنبية لاعتقال أي شخص مطلوب للقضاء الأمريكي؟
على مدار الأشهر الماضية، تغيّرت مبررات الإدارة بشكل لافت، مرة لاستهداف مهربي المخدرات، ثم بسبب «إرسال عناصر خطرة» إلى أمريكا، وبعدها فجأة حديث صريح عن استعادة النفط والأراضي والأصول. هذا التذبذب دفع حتى صقور الحزب الجمهوري، مثل السيناتور ليندسي غراهام، للمطالبة بـ«وضوح كامل» حول الهدف الحقيقي.
لا يكمن الخطر القانوني الأكبر فقط في الاعتقال، بل في تصريحات ترامب اللاحقة: «سنُدير البلاد.. سنعيد بناء البنية التحتية النفطية.. سنُدير فنزويلا بالشكل الصحيح». هذه التصريحات تخرج العملية من إطار «إنفاذ القانون» إلى مشروع تغيير نظام وإدارة دولة أجنبية، وهو أمر يتطلب تفويضاً من الكونغرس، ويصطدم بالقانون الدولية. كما يعيد إلى الأذهان سيناريوهات العراق وأفغانستان.
تستند الإدارة، ضمنياً، إلى سابقة غزو بنما عام 1989 واعتقال مانويل نورييغا، المطلوب أمريكياً. في ذلك الوقت، استندت الإدارة إلى مذكرة قانونية كتبها ويليام بار (الذي أصبح لاحقاً وزيراً للعدل)، تقول إن للرئيس «سلطة دستورية متأصلة» لاعتقال أجانب في دولهم، حتى لو خالف ذلك القانون الدولي. لكن هذه المذكرة ما زالت شديدة الجدل
قد تبرر استخدام القوة في أي مكان بالعالم. اختبار جديد لحدود السلطة الرئاسية تصريحات ترامب عن إمكانية وجود مزيد من العمليات العسكرية تعني أن الجدل القانوني لم ينتهِ بعد. وما هو واضح أن ترامب، يختبر حدود سلطته الدستورية، وقد يعتمد على تسامح سياسي وشعبي مع استخدام القوة. لكن هذه المرة، ليس في هامش العالم، بل في واحدة من أكبر وأخطر ساحات السياسة الدولية.
