استنفار على 4 جبهات.. إيران “تسابق الزمن” لحرب محتملة ضد إسرائيل

قالت مصادر سياسية وعسكرية عربية إن إيران بدأت مؤخرا، ورشة عمل مفتوحة؛ على أربعة اتجاهات، تتمثل في إعادة تسليح ميليشيا حزب الله والميليشيات الأخرى في اليمن والعراق، وترميم المنشآت النووية والصاروخية المتضررة، وتوسيع شبكات التجسس في الداخل الإسرائيلي، فيما تشير تقارير إسرائيلية وغربية إلى تحضيرات إيرانية لشن هجمات ضد أهداف إسرائيلية ويهودية في الخارج.

ووفقا للمصادر، فإن صانع القرار الإيراني يدرك أن أي تراجع في قدرات ما يسمى “محور المقاومة” بعد الضربات الإسرائيلية الموجعة قد يُترجَم إلى مكاسب سياسية وأمنية لتل أبيب وواشنطن، وصولا إلى محاولة إعادة رسم قواعد اللعبة في الإقليم. 

مصدر عسكري لبناني متابع لملف نشاط إيران الإقليمي، يكشف أن إيران بدأت بالفعل نقل أسلحة متقدمة إلى لبنان واليمن والعراق، بل وحتى إلى بؤر في أفريقيا، لتعويض القدرات التي خسرها حزب الله بعد سلسلة ضربات إسرائيلية. 

وفقا للمصدر، لا تشير المعطيات إلى أن طهران في وارد تغيير استراتيجيتها. مؤكدا أن الحرس الثوري أعاد تفعيل أجزاء من شبكة تهريب السلاح إلى حزب الله، عبر مسارات بحرية وتجارية وعبر دول وسيطة، بعد تضرر الممر السوري التقليدي جراء سقوط النظام السابق في دمشق والضربات الإسرائيلية المتكررة.

من جهتها، تقدر مصادر بحثية غربية أن إيران حولت قرابة مليار دولار إلى حزب الله منذ بداية العام 2025، جزء كبير منها مخصص لإعادة بناء مخازن الصواريخ والطائرات المسيرة والبنى اللوجستية التي استُهدفت خلال الحرب ومعارك ما بعد وقف إطلاق النار.


بالتوازي مع إعادة تسليح الأذرع، تدور معركة أقل ضجيجا وأكثر حساسية حول مخزون إيران من الوقود الصلب للصواريخ الباليستية. تحقيق لقناة “سي إن إن”، استند إلى مصادر استخبارية أوروبية، كشف أن ما بين 10 و12 شحنة من مادة بيركلورات الصوديوم وصلت في الأشهر الأخيرة إلى ميناء بندر عباس، حاملة ما يزيد على ألفي طن من المواد اللازمة لإنتاج الوقود الصلب، في واحدة من أكبر عمليات النقل المسجلة في السنوات الأخيرة.

منصات متخصصة في تتبع برامج التسلح، منها “إيران ووتش”، تشير إلى أن كمية مماثلة – نحو 2000 طن من مركّبات قريبة مثل الصوديوم كلورات وبيركلورات – تكفي لتغذية مئات الصواريخ متوسطة المدى، وأن طهران سبق أن تسلمت شحنات أخرى خلال عام 2025، بينها نحو ألف طن في فبراير ومثلها في يونيو؛ ما يشي بمحاولة إرساء مخزون استراتيجي طويل الأمد، رغم عودة بعض العقوبات الأممية عبر آلية “سناب باك”.


تقديرات مراكز بحثية أمريكية معنية ببرنامج الصواريخ الإيراني، تضع هذه الشحنات في سياق أوسع؛ محاولة تعويض الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت النووية ومخازن الصواريخ خلال الضربات الإسرائيلية الواسعة في يونيو/ حزيران 2025، والتي طالت مواقع عسكرية ونووية حساسة داخل إيران، وأجبرت طهران على إعادة توزيع جزء من بنيتها التحتية تحت الأرض أو في مواقع بديلة.

بهذا المعنى، فإن سباق الوقود الصلب لا يرتبط فقط بإعادة تسليح حزب الله أو الحوثيين، بل بتثبيت قدرة إيران نفسها على الاحتفاظ بـ”مظلة ردع” صاروخية في أي مواجهة مقبلة مع إسرائيل. 


الخط الآخر الذي تعمل عليه طهران، وفق ما تكشفه بيانات رسمية إسرائيلية وتقارير أمنية غربية، هو توسيع شبكات التجسس داخل إسرائيل وخارجها. في الداخل، أعلن الشاباك مؤخرا، اعتقال جندي في سلاح الجو، يخدم في قاعدة حتسريم، بتهمة التواصل مع استخبارات إيرانية وتنفيذ “مهام أمنية” لصالحها، مقابل تحويلات مالية عبر منصات دفع رقمية.  

وفي قضية أخرى، وُجه الاتهام إلى مدني إسرائيلي باستغلال عمل زوجته في الاحتياط العسكري للحصول على صور ومعلومات عن قاعدة جوية، وإرسالها إلى مشغّل مرتبط بإيران، مقابل مبالغ مالية وهدايا.

خارج الحدود، تتحدث سلسلة بيانات صادرة عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية وجهاز الموساد عن “حملة عالمية” يديرها قيادي في الحرس الثوري، كُشف اسمه مؤخرا، يقف وراء محاولات تنفيذ هجمات ضد إسرائيليين ويهود في أوروبا وأستراليا ودول أخرى، عبر استخدام شبكات جنائية وعناصر من دول ثالثة لتوفير “مسافة إنكار” بين طهران والعمليات.

وفي أفريقيا، كشفت تقارير إسرائيلية ودولية أن الموساد، بالتعاون مع أجهزة أمنية أفريقية، أحبط مخططا لاستهداف دبلوماسيين وموظفين في السفارات الإسرائيلية في السنغال وأوغندا، عبر شبكة من العناصر المجندين من باكستان وبنغلادش ودول أفريقية، تولت جمع المعلومات والاستطلاع حول مقار السفارات وتحركات الدبلوماسيين.

أما في أمريكا اللاتينية، فقد أعلنت مصادر أمريكية وإسرائيلية أن مخابرات المكسيك، بدعم من واشنطن وتل أبيب، أحبطت مخططا لاغتيال السفيرة الإسرائيلية في المكسيك، نُسب إلى شبكة مرتبطة بالحرس الثوري، وأشير إلى ضابط يدعى حسن إيزادي، يعمل مساعدا للسفير الإيراني في فنزويلا، بوصفه أحد العقول المدبرة للمخطط.

هذه الوقائع تعزز الصورة التي ترسمها مراكز بحثية في أوروبا والولايات المتحدة عن أن إيران تعتمد بشكل متزايد على شبكات هجينة تجمع بين عناصر استخباراتية رسمية وعصابات جريمة منظمة ومتعاونين محليين، لتنفيذ عمليات اغتيال أو خطف أو تفجيرات خارجية، من دون ترك بصمات مباشرة تُسهّل اتهامها في المحافل الدولية.

الكاتب والباحث السياسي السوري مازن بلال يرى أن التحركات الإيرانية لا تتعلق بالخسائر الأخيرة جراء الهجمات الإسرائيلية فقط، بل هي جزء من مقاربة أوسع تحاول طهران عبرها تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أهداف متعارضة ظاهريا، وهي ترميم قوة الردع، تجنب حرب شاملة قد تهدد بقاء النظام، والحفاظ على أوراق تفاوضية في أي مسار سياسي مقبل مع واشنطن أو القوى الغربية.

ويقول بلال لـ “إرم نيوز” إنه في الوقت الذي ترفع فيه إسرائيل منسوب تهديداتها ضد حزب الله والحوثيين، وتضغط لتشديد نزع سلاح الحزب داخل لبنان، تؤشّر تحركات إيران – من شحنات الوقود الصلب إلى إعادة بناء شبكات التسليح والتجسس – إلى أنها تستعد فعليا لـ”اليوم التالي”؛ يوم قد تضطر فيه إلى خوض جولة جديدة، سواء على شكل تصعيد تدريجي عبر الوكلاء، أو مواجهة أوسع في ظل الانهيار المحتمل لأي ترتيبات لوقف إطلاق النار. 


بالتوازي؛ يرى عدد من الباحثين في مراكز دراسات غربية وعربية اطّلع “إرم نيوز” على تقاريرهم، أن الرسالة الأساسية التي تريد طهران إيصالها، بعد الضربات على منشآتها واستمرار الهجمات على حليفها “حزب الله”، هي أن “المحور” قادر على إعادة بناء نفسه خلال أشهر، وليس سنوات، وأن أي محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض – سواء في لبنان أو اليمن أو العراق – ستواجَه بمحاولة معاكسة لتكريس معادلات ردع جديدة، قد لا تقتصر على الجبهة المباشرة مع إسرائيل، بل تمتد إلى سفاراتها وجالياتها حول العالم.

بهذا المعنى، يبدو أن سباق التسلح الصامت الدائر اليوم بدءا من ميناء بندر عباس مرورا بضواحي بيروت وصنعاء وبغداد وصولا إلى خرائط الاستخبارات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، هو جزء من معركة أوسع لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد، لكن معالم جولتها المقبلة تتشكل بصمت، منذرةً إشعال المنطقة من جديد.


 إرم نيوز 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *