
يتسع نفوذ روسيا في قارة إفريقيا، لكن مكاسب التنمية لا تواكب هذا التمدد، فبين صفقات السلاح والتعاون الأمني ووعود الاستثمار، تبرز مفارقة شراكة تمنح موسكو حضورًا سياسيًا أكبر، بينما تبحث الحكومات الإفريقية عن عوائد اقتصادية ملموسة، تتجاوز بيانات القمم والاتفاقات التي تنتظر الانتقال إلى التنفيذ الفعلي.
ويطرح تقرير نشره معهد دراسات الأمن الإفريقي، سؤالًا عن قدرة الطرفين على تحويل التقارب إلى مصالح مستدامة. ويرى الباحثان بريال سينج ودينيس ريفا أن موسكو توسع خياراتها الاستراتيجية، بينما تتعامل العواصم الإفريقية معها كشريك بين شركاء، دون منحها موقع الحليف الضروري.
تعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برفع التجارة السنوية مع إفريقيا إلى أكثر من 50 مليار دولار، بعدما لم يتحقق هدفه السابق البالغ 40 مليارًا خلال 5 سنوات من قمة 2019، وبلغ التبادل نحو 27 مليار دولار في 2025، مقابل 348 مليارًا للصين، ما يوضح حجم الفارق بين الحضور السياسي الروسي ووزنه التجاري الفعلي داخل القارة.
وتكشف هذه الأرقام أن نفوذ روسيا في إفريقيا لا يستند إلى قاعدة اقتصادية تضاهي منافسيها. فالتجارة تتركز في دول محدودة، خصوصًا شمال القارة، وتغلب عليها الصادرات الروسية من الحبوب والمنتجات النفطية والمعادن والأسمدة. وبذلك، تظل العلاقة التجارية غير متوازنة، فيما تحتاج الدول الإفريقية إلى استثمارات قادرة على دعم الإنتاج والتنمية، إلى جانب تأمين احتياجاتها المستوردة.
يعتمد التمدد الروسي في الساحل وأجزاء من وسط إفريقيا على الأسلحة والتدريب وحماية الأنظمة، وأحيانًا ترتيبات مرتبطة بالموارد المعدنية. وتمنح هذه الأدوات موسكو تأثيرًا سياسيًا دون تحمل كلفة مشروعات البنية التحتية الضخمة. غير أن اتساع الدور الأمني لم يجعل الساحل أكثر أمانًا، وهو ما يفصل بين تعزيز العلاقات مع الحكومات وتحقيق الاستقرار الذي تحتاجه المجتمعات.
وتضيق حرب أوكرانيا هامش الاستثمار الروسي خارج الحدود، مع توجيه موارد ضخمة للأولويات العسكرية. فمشروع موازنة 2027 يخصص نحو 203 مليارات دولار للدفاع، تعادل 35% من الإنفاق الاتحادي. وتضع هذه الأولويات قيودًا على تمويل المصانع والبنية التحتية الإفريقية، وتفسر جانبًا من المسافة بين طموحات موسكو الاقتصادية وقدرتها على توفير التزامات مالية كبيرة وطويلة الأجل لشركائها.
تمثل الطاقة النووية أحد مجالات توسيع نفوذ روسيا في إفريقيا، إلى جانب صادرات الغذاء والأسمدة. وتبرز محطة الضبعة المصرية مثالًا على الطموحات القائمة، لكنها لا تزال قيد الإنشاء، بينما تبقى مشروعات أخرى مستقبلية. ويعني ذلك أن توقيع اتفاقات التعاون لا يساوي بدء التشغيل، إذ تظل القدرة على تحويل التعهدات إلى منشآت منتجة معيارًا أساسيًا للتقييم.
وفي غانا، أعلنت وزارة الخارجية التزامًا روسيًا بالتعاون لإقامة محطة نووية بقدرة 2000 ميجاوات، تستهدف تعزيز أمن الطاقة ودعم التصنيع. ويضع هذا الإعلان ملف الطاقة ضمن اختبار التنفيذ، حيث لا يكفي الاتفاق السياسي وحده لإثبات تحقق المنفعة الاقتصادية. فالقيمة الفعلية للمشروع ستتحدد بانتقاله من الالتزام المعلن إلى إنجاز يمد الاقتصاد الغاني بالكهرباء ويخدم احتياجاته التنموية.
وتثير الشراكة تساؤلات بشأن تجنيد أفارقة في الجيش الروسي، بعدما وثقت تحقيقات استقطاب أكثر من 3000 شخص من نحو 40 دولة، ومقتل مئات منهم. وأعلنت غانا تجدد التعهدات الروسية بوقف مشاركة مواطنيها في حرب أوكرانيا، بما يشمل التجنيد غير النظامي والتطوع، وهو التزام يعكس حساسية هذا الملف بالنسبة للحكومات المعنية وحماية مواطنيها من مخاطر الحرب.
ويختصر المعهد الإفريقي المعضلة: “تعدد الشركاء لا يعني استقلالًا استراتيجيًا أكبر”، فالمنافسة الدولية تتيح للحكومات تحسين شروط التفاوض، لكنها قد توسع التبعية إذا غابت النتائج التنموية. ولذلك، يصبح اختبار نفوذ روسيا في إفريقيا مرتبطًا بقدرة الدول على انتزاع فوائد لاقتصاداتها وشعوبها، وتحويل الاهتمام الخارجي إلى مكاسب مستدامة تتفق مع أولوياتها الوطنية الخاصة.
