
تواجه المالية العامة في الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع صافي تكاليف فوائد الدين الحكومي إلى أكثر من تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، في ظل اتساع حجم الدين وارتفاع تكلفة الاقتراض، بما يحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد إضافية إلى الإنفاق العام ويزيد تعرض الاقتصاد للصدمات.
وبلغ صافي تكاليف الفوائد خلال السنة المنتهية في سبتمبر 2026 نحو 1.05 تريليون دولار، بزيادة تجاوزت 8% مقارنة بنحو 970 مليار دولار في السنة المالية السابقة، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية. وتتوقع مؤسسة “بيتر جي بيترسون” أن تصل تكاليف الفوائد إلى ما يعادل 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة المستوى القياسي السابق المسجل عام 1991، وفق بلومبرج، الأحد 18 أكتوبر 2026.
يأتي ارتفاع أعباء الفوائد في وقت تجاوز فيه أحد المقاييس الرئيسية للدين الأمريكي 32 تريليون دولار، بزيادة تقارب 10 تريليونات دولار خلال خمس سنوات، بينما ارتفع متوسط سعر الفائدة على سندات الخزانة القابلة للتداول إلى 3.52% بنهاية سبتمبر، مقابل 1.47% قبل خمس سنوات، ما يعكس زيادة تكلفة خدمة الدين بالتزامن مع تضخم رصيده.
وأصبحت فوائد الدين من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي الأمريكي، بعدما زادت بأكثر من الضعف منذ عام 2022، لتأتي ضمن أكبر 3 بنود للإنفاق، بعد الضمان الاجتماعي وبرنامج ميديكير للرعاية الصحية لكبار السن، وقبل بنود رئيسية أخرى، بينها الدفاع وبرنامج ميديكيد.
ولا تقتصر تداعيات هذا الارتفاع على زيادة الإنفاق المخصص لخدمة الدين، إذ يؤدي توجيه حصة أكبر من الإيرادات إلى دفع الفوائد إلى تقليص المساحة المتاحة لتمويل البرامج الحكومية والاستثمارات العامة، كما يزيد حساسية الموازنة لأي ارتفاع جديد في أسعار الفائدة.
وقالت لويز شاينر، الباحثة البارزة في معهد بروكينغز والاقتصادية السابقة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن الوضع الحالي لا يبدو كأزمة مالية فورية، وإنما يمثل تآكلًا تدريجيًا في القدرة المالية للحكومة. وحذرت من أن تغير استعداد بعض المقرضين لتمويل الولايات المتحدة قد يؤدي، في حال حدوثه، إلى أزمة مالية تعجز خلالها الخزانة عن جمع الأموال من الأسواق بالشروط المعتادة.
وتتزايد المخاوف مع استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض، إذ تقترب عوائد بعض سندات الخزانة الأمريكية من 5%، وفق التقرير الأصلي، ما يضيف ضغوطًا جديدة على الحكومة عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة، وفق سي إن بي سي.
ودفع ارتفاع العوائد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى اتخاذ خطوات لاحتواء صعودها، في وقت لا يزال فيه الطلب على سندات الخزانة قويًا، ولم تظهر مؤشرات على تعطل أسواق الائتمان بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض.
ويرى جينادي غولدبرغ، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية لدى “تي دي سيكيوريتيز”، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بمعدل أعلى من عوائد سندات الخزانة يمثل أحد العوامل التي تحد من تصاعد المخاوف في الوقت الراهن، إذ يدعم نمو الإيرادات الاقتصادية والضريبية.
وسجل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي على أساس سنوي 6.3% في الربع الثاني، بحسب البيانات الواردة في التقرير، إلا أن استمرار هذا الفارق لا يضمن احتواء الدين على المدى الطويل، خصوصًا إذا ارتفعت تكاليف الفائدة أو تباطأ النمو الاقتصادي.
تكمن المخاطرة الرئيسية في احتمال تشكل حلقة متصاعدة بين أسعار الفائدة والعجز والدين. فارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد مدفوعات الفوائد، ما يوسع العجز المالي ويؤدي إلى زيادة الاحتياجات التمويلية للحكومة، وهو ما قد يضيف ضغوطًا جديدة على سوق السندات وتكلفة الاقتراض.
وحذر فيليب سواغل، مدير مكتب الموازنة في الكونجرس، من أن تدهور الأوضاع المالية يجعل الولايات المتحدة أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية. وأوضح أن أي ارتفاع إضافي في أسعار الفائدة قد ينتقل أثره إلى العجز ثم الدين، قبل أن يعود ليضغط على أسعار الفائدة والاقتصاد. وكان مكتب الموازنة في الكونغرس قد توقع في فبراير أن تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي مستوى قياسيًا يبلغ 106% في عام 2030، بما يعكس استمرار الضغوط المالية إذا لم تتغير مسارات الإيرادات والإنفاق، وفق فايننشال تايمز.
ووفق حسابات «تي دي سيكيوريتيز»، فإن ارتفاع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس على امتداد منحنى العائد قد يزيد تكاليف الفوائد في عام 2027 بنحو 310 مليارات دولار، وهو ما يوضح مدى حساسية الموازنة لأي تغيرات مستمرة في تكلفة الاقتراض.
هل تنجح طفرة الذكاء الاصطناعي في احتواء الدين؟
تراهن إدارة الرئيس دونالد ترمب على أن طفرة الذكاء الاصطناعي ستدعم النمو الاقتصادي والإنتاجية، بما قد يساعد على تحسين الإيرادات العامة وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. لكن خبراء الموازنة يشككون في قدرة النمو وحده على معالجة المشكلة، في ظل توقعات باستمرار ارتفاع الإنفاق على الدفاع وبرامج الاستحقاقات الاجتماعية، واحتمال ألا يكون نمو الاقتصاد سريعًا بما يكفي لزيادة الإيرادات بالمقدار المطلوب.
وتشير التجارب الأمريكية السابقة إلى أن تحسن الأوضاع المالية في التسعينيات ارتبط بمجموعة من العوامل، من بينها زيادة الضرائب، وتراجع الإنفاق الدفاعي بعد نهاية الحرب الباردة، وتسارع النمو الاقتصادي الذي ساهم في توسيع قاعدة الإيرادات الحكومية.
وقال بريت لوبر، نائب الرئيس التنفيذي للسياسات في مؤسسة بيترسون، إن تفاقم المشكلات المالية يستدعي التعامل معها الآن بدلًا من انتظار أزمة، محذرًا من أن معالجة تراكم الدين ستكون صعبة للغاية إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
على الرغم من تصاعد أعباء الفوائد، لا يرى بعض الاقتصاديين أن الولايات المتحدة على أعتاب أزمة مالية مباشرة، مستندين إلى استمرار قوة الاقتصاد والطلب على سندات الخزانة، إلى جانب أن أسعار الفائدة لا تزال دون المستويات التي شهدتها البلاد قبل عدة عقود.
وقالت كارين دينان، أستاذة الاقتصاد بجامعة هارفارد والمسؤولة السابقة في وزارة الخزانة خلال إدارة باراك أوباما، إنها لا تعتقد أن أزمة مالية وشيكة، لكنها حذرت من أن ارتفاع الدين يجعل مدفوعات الفوائد عاملًا متزايد الأهمية في مسار الموازنة.
وتتمثل المخاطرة الأبرز في استمرار ارتفاع الفوائد مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، بما قد يزيد الضغوط على الحكومة لاتخاذ إجراءات تتعلق بالضرائب والإنفاق، ويقلص قدرتها على الاستجابة للأزمات الاقتصادية المستقبلية.
وبذلك، لا يعني تجاوز فوائد الدين الأمريكي تريليون دولار أن أزمة مالية أصبحت وشيكة بالضرورة، لكنه يشير إلى تصاعد تكلفة المديونية وتراجع هامش المناورة المالية، خصوصًا إذا تزامن ارتفاع أسعار الفائدة مع تباطؤ النمو أو زيادة الإنفاق الحكومي.
