كيف تحول الساحل الأفريقي إلى ساحة لحرب المسيّرات

تتزايد الهجمات ضد المدنيين في منطقة الساحل الأفريقي بمعدل ينذر بالخطر، لكنها تتخذ شكلاً جديداً، إذ يتم تنفيذها بواسطة طائرات مسيّرة مسلحة. في بؤر النزاع الساخنة بمالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، أصبحت الحرب على التطرف تجارة مربحة لبعض الجهات الدولية الفاعلة.

فبينما تُبرم الدول الأفريقية عقودًا عديدة لتسليح جيشوها، نشأت سوق موازية أكثر غموضًا، وتتطور في الخفاء.   وفي العلن تُسوّق كييف طائراتها المسيّرة للحكومات الأفريقية كحل تكنولوجي متاح وفعّال لمكافحة المسلحين، لكن في الكواليس تتكشف حقيقة مختلفة حول دور الطائرات المسيّرة الأوكرانية والمعدات العسكرية والمدربين، التي تغذي نشاط الجماعات المتطرفة والمتمردين وسط تساؤلات بشأن الشبكات السرية لهذه التجارة المميتة.

وفي هذا السياق، يشير مصدر سياسي مالي لـ”إرم نيوز”، إلى احتجاج تحالف الساحل على هذا التورط في الصراع على هامش اجتماعات الأمم المتحدة لأن الأمر لم يعد مجرد صراع إقليمي حيث تم إبلاغ الهيئة الدولية بتورط كييف في تغذية الحرب على خلفية حجز جيوش المنطقة طائرات والكشف عن تقنيين يدربون المتطرفين على استخدامها، في وقت تتباهى الأجهزة الأوكرانية بتوجيهها هجمات في مالي، وفق تعبيره.

وصادر الجيش المالي، مؤخرًا، وثائق رسمية لكييف وطائرات مسيرة تحمل نقوشًا أوكرانية من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. كما وردت أنباء عن العثور على مكونات طائرات مسيرة تحمل شعار الشركة المصنعة الأوكرانية “دي تاك 3” في سوق شمال مالي، ضمن ممتلكات المتطرفين القتلى.

ووجّه رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا اتهامًا قاطعا قبل فترة، إلى النظام الأوكراني الذي أصبح أحد الموردين الرئيسين للطائرات الانتحارية المسيّرة للجماعات المسلحة النشطة في جميع أنحاء العالم. ويدعم هذه الاتهامات الخبير الفرنسي في الشؤون الجيوسياسية، جورج مالبرونو، الذي أضاف بُعدًا آخر للنقاش، إذ يؤكد أن باريس رغم انسحابها الرسمي من مالي، لا تزال تؤثر على الوضع بشكل غير مباشر، عبر جنود سابقين في الفيلق الأجنبي الأوكراني.

ويُزعم أن هؤلاء الرجال يعملون على الأرض بالتنسيق مع الأزواد، مما يُسهم في إضعاف النظام المالي، الذي يُنظر إليه على أنه معادٍ لباريس ومقرب من موسكو. وقطعت سلطات مالي والنيجر العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا في العام 2024، منددةً بـ”دعمها العلني للإرهاب الدولي”.

ودعا وزير خارجية مالي مجلس الأمن الدولي إلى منع هذه “الأعمال التخريبية”.لكن الفيلق الأفريقي لم يكتف بالصمت في ظل التواجد الرسمي الروسي في المنطقة، فقد زعمت القوات الجوية الروسية في 12 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أنها شنت غارة جوية على جماعة مسلحة باستخدام طائرة مسيرة من طراز “لانسيت” الانتحارية بعد رصد معسكر لمتطرفين خلال عملية استطلاع جوي.

ووفقًا للقوات الجوية، استهدفت الغارة كوخًا كان فيه رجال وصفتهم القوات الروسية بـ”الإرهابيين”. وتصاعدت حدة العمليات المشتركة بين القوات المسلحة المالية والفيلق الأفريقي الروسي في الأيام الأخيرة. ففي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، شنّت القوتان هجومًا على مواقع تابعة لجماعات مسلحة في مناطق كيدال وموبتي وكوتيالا.  وفي السادس من أكتوبر/تشرين الأول، دخلت القوات المالية مدينة كيدال عقب إعلان انسحاب جبهة تحرير أزواد. 

وتمتلك جيوش الساحل والوحدات الروسية التابعة لفيلق أفريقيا طائرات عسكرية بدون طيار أكثر تطورًا، قادرة على الطيران لأكثر من 24 ساعة أو تنفيذ ضربات من مسافة تزيد على 1000 كيلومتر، مثل طائرات أكنجي المسلحة دون طيار. على الرغم من هذه الزيادة الكبيرة في القدرة الضاربة، إلا أن حصول المتطرفين على الطائرات المسيّرة غيّر طبيعة القتال.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة نُشر حديثا تستخدم الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، بما في ذلك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية لضرب قوات الأمن والبنية التحتية المدنية. ويمثل هذا الكشف نقطة تحول مقلقة في مكافحة التطرف في المنطقة.

ويُفصّل تقرير الأمم المتحدة كيف قامت الجماعات المسلحة بتحديث أساليب عملياتها بشكل كبير. فالطائرات المسيّرة، التي كانت حكراً على الجيوش النظامية، تُستخدم، الآن، في هجمات مُستهدفة أو مهام استطلاع. وفي الوقت نفسه، تستهدف الهجمات الإلكترونية أنظمة الحاسوب الخاصة بالهيئات الحكومية والخدمات الأساسية.وتُعدّ المجتمعات المحلية أولى ضحايا هذه الإستراتيجية، فالهجمات الإلكترونية على البنية التحتية المدنية قادرة على شلّ الخدمات الأساسية كالمستشفيات وشبكات مياه الشرب. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *